الخميس، 27 أغسطس 2026

ترامب يعاقب القانون الدولي

 ترامب يعاقب القانون الدولي

وائل قنديل

سلسلة جرائم دونالد ترامب المُمتدّة من غزة وإيران إلى فنزويلا تكفي لأن يكون الأجدر بالملاحقة القضائية في كلّ الجهات المعنية بشأن العدالة في العالم، لكن المفارقة أنّ الرئيس الأميركي هو الذي يلاحق القانون الدولي، كما يطارد الشرعية الدولية في كلّ الاتجاهات، مُعلنًا أنّه وحده القانون والشرعية، ويضيف عليهما أنّه الأخلاق والحضارة.

في أحدث مطارداته العدالة الدولية استهدف ترامب رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، القاضية اليابانية توموكو أكاني، بفرض عقوبات عليها، شملت تجميد أي أصول لها ضمن الولاية القضائية الأميركية، ومنعها وأفراد عائلتها من دخول الولايات المتحدة، فضلاً عن تقييد وصولها إلى خدمات مالية أساسية.

وليست هذه السيدة اليابانية الحالة الأولى في لائحة ضحايا جنون العقوبات الأميركية، إذ إنها تقع في سياق الإجراءات الشاذة التي اتخذتها إدارة الرئيس ترامب، ضدّ مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، إذ طاولت هذه العقوبات تسعة من  18 قاضياً في المحكمة، ونائبي المدعي العام، والمدعي العام السابق، إضافة إلى موظف آخر في مكتب الادعاء. وكلّ هؤلاء متهمون بأنّهم يضايقون الكيان الصهيوني، ما يضعهم في فوهة بركان الغضب الأميركي عقاباً على التحقيقات الخاصة بملاحقة سياسيين وعسكريين إسرائيليين ضالعين في حرب الإبادة على قطاع غزّة، فضلاً عن تحقيقات خاصة بعسكريين أميركيين على خلفية الحرب في أفغانستان. 

هنا تصبح إسرائيل، وليس ترامب وحده، هي القانون وما يُخالفها هو الخروج عن القانون، ومن ثم استحقّ العقاب، والتهمة ينطق بها وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بقوله عن المحكمة الجنائية الدولية إنها "محكمة فوق وطنية فاسدة ومسيّسة بشكل قاتل"، وتسيء استخدام سلطتها وتتجاوز ولايتها.

الشاهد أنّ ترامب منذ اليوم الأول لظهوره يطبّق سياسة "أميركا فوق القانون وبالطبع فوق الجميع" وبالتالي تمتلك وحدها الحقّ في إعادة رسم خرائط العالم بما يحقّق مصلحتها، وهو ما ينعكس في استباحة حدود الدول وتوهّم سلطة مطلقة في اختيار حكام لدول الكوكب، وعزلهم وإزاحتهم واستبدالهم، والأخطر هو شرعنة أعمال القرصنة والنهب بزعم أنّ من شأن ذلك تحقيق سلام العالم على يد القيصر الساكن في البيت الأبيض.

التطبيق الأوضح لهذه الغطرسة الترامبية التي يتفوّق بها على نازية النازي نفسه كان في حرب الإبادة على غزّة، وقد كوفئ من النظام العربي على جرائمه بحقّ الشعب الفلسطيني بتنصيبه ملكاً على غزّة، يتولى أمورها وحده، من خلال مجلس سلام هو للتشكيل العصابي الدولي أقرب، كلّ وظيفته تأمين مناخ ملائم للكيان الصهيوني لكي يكمل سيطرته على القطاع عسكريًا وأمنيًا، وينتهي من نزع سلاحه من بندقية المقاوم حتى القلم والمسطرة في حديقة التلميذ الصغير، ويمارس عمليات القتل والقنص اليومية لكلّ من يشكّل خطرًا عليه ولو بعد عقدين من الزمان.

وتعبر هذه اللوثة الأميركية ضدّ القانون الدولي عن نفسها بأوضح ما يكون التعبير في كلّ مراحل العدوان الأميركي الإسرائيلي المُشترك ضدّ إيران من الاغتيالات لكل أركان النظام والتدمير والقصف بأسلحة مجرمة دوليًا وصولاً إلى الحصار الاقتصادي الشامل الذي يشبهه ترامب بالإنزال العسكري في الحرب العالمية الثانية (نورماندي) والمُذهل أنّ هناك عرباً ومسلمين يصفّقون لهذا الإنزال ويهتفون لصاحبه في استوديوهات التلفزة ويقسمون أيمانًا مغلظة على أنّه الحل الناجع لإسقاط إيران، في استسلام أو قل انسجام تام مع منطق الخروج على القانون الدولي واحتقاره، وهو ما فعله ترامب في العدوان على غزّة، ووجد تسليمًا كاملًا من العرب لسلطته على غزّة، والذي هو استسلام لبنيامين نتنياهو شخصيًا، مجرم الحرب بنص حكم المحكمة الجنائية الدولية الذي تضمّن مذكرة الاعتقال ضدّ نتنياهو وغالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، ضدّ الشعب الفلسطيني في مايو/ أيار من العام 2025 وهو الحكم الذي ناضل من أجله لمدّة عام كامل حتى الموت المحامي الفرنسي جيل دوفير الذي قال بعد صدور الحكم: "الآن يمكنني أن أموت وأنا مرتاح" .

لم يكسر الحصار القضائي ضد نتنياهو والكيان الصهيوني أحد أكثر من العرب الذين استمرّوا في التعامل اقتصادياً وسياسياً مع حكومة مجرمي الحرب في وقت كان من المفترض أن يصبح الامتناع عن التعامل مع نتنياهو وكيانه ليس فقط موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا وقوميًا لازمًا، بل هو قبل ذلك التزام بقرار قانوني من أعلى محكمة دولية يقضي باعتقاله ومحاكمته، وهو القرار الذي استجابت له دول أوروبية مثل إيطاليا وبريطانيا وبلجيكا، وفرنسا قبل أن تتراجع في خضوع مذل للضغط الأميركي الإسرائيلي.

بالعودة إلى ملاحقات ترامب ونتنياهو لكلّ من يحترم قيم العدالة ونصوص القانون الدولي شملت العقوبات الأميركية فرانشيسكا ألبانيزي، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي فرضت عليها عقوبات مُشدّدة لأنها تجرّأت وانتقدت الممارسات الإسرائيلية الإجرامية ضدّ الشعب الفلسطيني، ونشرت تقريرًا موثّقًا بالأدلة عن أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تنفّذها تل أبيب وتدعمها واشنطن، حيث اتهم التقرير أكثر من 60 شركة، من بينها شركات أميركية، بدعم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والعمليات العسكرية في غزة. وكما أعلن وزير خارجيته ماركو روبيو، فإنّ إدارج ألبانيز على قائمة العقوبات الأميركية جاء لأن عملها أدى إلى ما وصفه بملاحقات قضائية غير شرعية للإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق