السبت، 15 أغسطس 2026

مبادرتان أدارتا الرؤوس.. لماذا تفاجأنا في تركيا؟

مبادرتان أدارتا الرؤوس.. لماذا تفاجأنا في تركيا؟
كاتب وصحفي تركي.


 في تركيا بذلنا نحن الصحفيين خلال الأسبوع الماضي جهدا مكثفا للغاية لفهم تطورين مهمين والكتابة عنهما وشرحهما، حتى كادت رؤوسنا يصيبها الدوار. وهذان التطوران لا يعنيان تركيا وحدها، بل يعنيان المنطقة أي الشرق الأوسط من كثب.

جهود كبيرة لأربعة وزراء
سيتذكر قرائي الذين يتابعون هذا العمود، أو سيتضح لهم عند العودة إلى مقالاتي في الأرشيف، أنني أحاول باستمرار توضيح أننا في قلب تحول جيوسياسي كبير، وأن الوقت قد حان لتحالفات وتضامن وهياكل جديدة.

وكانت الحقيقة التي أفرزتها الزلازل الجيوسياسية التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 هي أن أي دولة مسلمة في المنطقة باتت تحت التهديد، وأنه أصبح من الضروري أن نفعل شيئا لحماية أنفسنا ومستقبل أطفالنا.

وهذا يعني تحالفا جديدا، واتفاقات أمنية جديدة، وأخرى للتعاون الاقتصادي، وبنية جديدة للشرق الأوسط. وعلى الدول المسلمة أن تبني ذلك بإرادتها ورغبتها وإمكاناتها الخاصة، وهذا ما أكتب عنه منذ عامين.

وكانت المحادثات التي بدأت على مستوى وزراء الخارجية بين تركيا والسعودية وباكستان ومصر اجتماعات نوقشت فيها هذه القضايا تحديدا. وقد مضى على ذلك أكثر من عامين. ومنذ ذلك اليوم، أؤمن بأهمية هذه الاجتماعات وأنها تمثل أملا للمستقبل وتشكل نواة قوية.

وعندما شهدت أحد هذه الاجتماعات في الرياض، أدركت مرة أخرى مدى أهمية المسار الذي تشكله.

التأثير النفسي لاتفاق مكة
عندما أعلن مكتب الاتصال في الرئاسة التركية أن الرئيس رجب طيب أردوغان سيتوجه فجأة إلى مكة وأنه سيعقد هناك اجتماعا مشتركا مع ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الباكستاني، أدركنا على الفور أن ذلك سيكون أول خطوة جدية في التحول الكبير الذي كنا ننتظره.

وكان من المقرر أن تُعلن للعالم أولى ثمار الاجتماعات التي واصلها الوزراء الأربعة على مدى عامين في صورة اتفاق بين قادة الدول الثلاث على أعلى مستوى.

وبدأت صور القادة الثلاثة وهم يقفون جنبا إلى جنب في صف واحد ويؤدون الصلاة في مكة، قبلة المسلمين، تُحدث تأثيرها في جميع أنحاء العالم حتى قبل الإعلان عن بنود الاتفاق. وكنا أمام اللحظة التي تحولت فيها للمرة الأولى أمنية أن يتحد المسلمون في مواجهة الظلم والاعتداء والجوع والبؤس إلى حقيقة تجسدت في صورة ملموسة. وانتشر التأثير النفسي الذي أحدثه ذلك على شكل موجات من مكة إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وحتى قبل مناقشة قضايا مثل كون الاتفاق حلفا دفاعيا، وكيفية تطبيقه، والصعوبات والإمكانات المرتبطة به، فإن هذه الحالة النفسية الإيجابية التي نشأت تمثل في حد ذاتها قيمة كبيرة. إذن يمكن أن يحدث ذلك، ويمكن لقادة الدول المسلمة أن يجتمعوا وأن ينسوا خلافاتهم. وهذه رياح نفسية قوية للغاية للمستقبل.

نحن جيل نشأ وهو يرى ويعيش آلام الظلم والاستغلال والإبادة الجماعية والغزو الذي مارسته دول ليست من هذه الجغرافيا وغريبة عنها. وقد أدركنا الآن، كحقيقة مؤلمة، أنه يتعين علينا أن نحدد مصيرنا بأنفسنا بإذن الله

نهر التاريخ فاض وسيجد مجراه
إن الجغرافيا التي نعيش فيها تشبه أنهار التاريخ. فمثل أنهار دجلة والفرات والعاصي والنيل والأردن، ظل التاريخ يجري ويتشكل دائما في جغرافيتنا. أما الآن فقد فاض نهر التاريخ، وهو يجري بحثا عن مجراه. ومن يواكبون التحول الجيوسياسي ويستفيدون من تيار النهر سيعودون إلى مسرح التاريخ، أما الذين لا يفهمون هذا التحول فسيجرفهم السيل ويمضون.

نحن جيل نشأ وهو يرى ويعيش آلام الظلم والاستغلال والإبادة الجماعية والغزو الذي مارسته دول ليست من هذه الجغرافيا وغريبة عنها. وقد أدركنا الآن، كحقيقة مؤلمة، أنه يتعين علينا أن نحدد مصيرنا بأنفسنا بإذن الله.

وهكذا فإن اتفاق مكة الذي يأتي في مرحلة يغير فيها نهر التاريخ مجراه هو خطوة من المسلمين للبقاء صامدين من دون أن يجرفهم السيل.

وأنا على يقين من أن هناك دولا عديدة أخرى ستنضم إلى هذا الاتفاق، فالتاريخ المشترك يدفعنا إلى الوحدة والتعاون من أجل مصلحتنا جميعا.

قانون إستراتيجي يحظى بدعم قياسي في البرلمان التركي
بعد يوم واحد من مراسم التوقيع التاريخية في مكة، بدأت هذه المرة أحداث يوم تاريخي في البرلمان التركي. فبعد مراحل شاقة للغاية، بدأت في البرلمان مناقشات تحويل المشروع الهادف لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني، والمعروف باسم "مسار تركيا بلا إرهاب"، إلى قانون.

وكان الرئيس أردوغان، الذي أطلق المسار، وشريكه السياسي رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي يريدان أن يحظى القانون -الذي سيُسن لأعضاء حزب العمال الكردستاني، الذين سيلقون السلاح ويحلون التنظيم- بدعم أحزاب المعارضة أيضا.

وخلال المناقشات، كان من المتوقع أن يدعم القانون أكثر من 400 نائب في البرلمان المؤلف من 600 عضو. وباستثناء حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وهي الأحزاب التي تدير المسار بصورة مشتركة، أيدت غالبية أحزاب المعارضة المسار، وأُقر القانون بـ467 صوتا، أي بنسبة 83% من البرلمان.

والواقع أنه لم يكن متوقعا الحصول على هذا العدد المرتفع من الأصوات، كما لم تُقر أي مادة قانونية بهذه النسبة خلال السنوات الـ25 الماضية. ولذلك قدم البرلمان دعما تاريخيا لمسار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني.

وهكذا لقيت دعوة الرئيس أردوغان إلى "تعزيز الجبهة الداخلية"، التي أطلقها بعد هجمات إسرائيل على جيرانها، استجابة. فقد وضعت الأحزاب في البرلمان التركي الأمن القومي في موقع فوق السياسة وقدمت دعمها للحكومة. وهذا يعني أيضا أن المعارضة والحكومة ستقيمان معا خط دفاع في مواجهة أي تهديد أمني قد يحدث مستقبلا.

إن إلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح وانخراطه في الحياة الاجتماعية يمثلان بداية مسار يمكن أن يشكل نموذجا في سوريا والعراق وإيران. وإذا اكتمل هذا المسار بنجاح، فسيدخل الأدبيات باسم "التجربة التركية"

سيبدأ مسار منطقة بلا إرهاب
تكافح تركيا إرهاب حزب العمال الكردستاني منذ نحو 40 عاما، ولم تتمكن من الشعور بالارتياح إلا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ لم تنفجر قنابل في مدنها ولم يسقط لها شهداء. ولا ينشط حزب العمال الكردستاني في تركيا وحدها، بل هو تنظيم فاعل للغاية أيضا في سوريا والعراق وإيران. ولهذا كان من أكثر التنظيمات التي استخدمتها دول أجنبية وسلحتها وقدمت لها مساعدات مالية وجعلتها مصدر متاعب لدول أخرى.

وهو في الوقت نفسه من أطول التنظيمات بقاء في تاريخ التنظيمات الإرهابية، ومن أكثرها تأثيرا في نطاق جغرافي واسع. ولذلك فإن نزع سلاحه وحل نفسه سيكون نقطة تحول تاريخية، ليس لتركيا وحدها، بل للمنطقة بأكملها.

ولهذا يستخدم الرئيس أردوغان كثيرا مفهومي "تركيا بلا إرهاب" و"منطقة بلا إرهاب". إذ إن إلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح وانخراطه في الحياة الاجتماعية يمثلان أيضا بداية مسار يمكن أن يشكل نموذجا في سوريا والعراق وإيران. وإذا اكتمل هذا المسار بنجاح، فسيدخل الأدبيات باسم "التجربة التركية" في تاريخ وقف الصراعات ومكافحة التنظيمات المسلحة.

أسماء ستدخل التاريخ
ستُذكر عدة أسماء بصورة خاصة في تاريخ هذا المسار الذي سيُكتب خلال السنوات المقبلة. وسيأتي الرئيس أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي بلا شك في المقدمة. وكان رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية إبراهيم قالن اسما مهما آخر عمل خلف الكواليس في هذا المسار. فقد تولى جهاز الاستخبارات الوطنية بنجاح كامل التخطيط للمسار والتنسيق الميداني له، وأوصله إلى ما هو عليه اليوم.

وبالطبع سيُذكر أيضا زعيم التنظيم عبد الله أوجلان، الذي يتضح أنه -رغم وجوده في السجن منذ 27 عاما- لا يزال يقود حزب العمال الكردستاني ويتمتع بالنفوذ داخله.

لكن جميع الأحزاب السياسية التي تدعم الآن مسار التشريع في تركيا تتبنى المشروع. وستؤدي أيضا دورا مهما في مسار الاندماج وإعادة التأهيل الذي سيبدأ بعد ذلك، إذ قد تكون هناك حاجة إلى ترتيبات قانونية جديدة.

وكما يتضح فإننا نعيش أياما تاريخية سواء داخل تركيا أو في الشرق الأوسط. ولا ننسى أن غزة كانت العنصر المحفز لكل هذه التحولات الجيوسياسية. وآمل أن تؤدي جميع هذه المسارات يوما ما إلى إنهاء معاناة فلسطين وغزة أيضا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق