"السكر" الذي حكم العالم

د. جاسم الجزاع
في منتصف القرن العشرين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بهجوم على كوبا إلا أنها لم تطلق رصاصة واحدة ! بل استخدمت سلاحاً أكثر هدوءاً و نعومة.. "السكر"، فقد قرر الرئيس الأمريكي أيزنهاور خفض حصة السكر الكوبي في السوق الأمريكية بنحو آلاف الأطنان، ولم يكن السكر يومها مادة لتحلية القهوة والشاي والمشروبات الساخنة فحسب، بقدر ما كان شرياناً يغذي الاقتصاد، ومفتاحاً تستخدمه الدول للضغط على خصومها، فكيف استطاعت حبيبات بيضاء كالسكر أن تبني إمبراطوريات، وتستعبد شعوباً، وتشعل الثورات والاضطرابات ؟
فقد بدأت الحكاية في الهند، حيث عرف الناس قصب السكر وطوّروا طرق استخلاصه وتحويله إلى بلورات وحبيبات قابلة للحفظ والنقل، ثم انتقلت زراعته إلى بلاد فارس، وأسهم اتساع الحضارة الإسلامية في نشر صناعته في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا، ثم الى صقلية والأندلس، وظل السكر في أوروبا سلعة نادرة لا تصل إلا إلى قصور الملوك وموائد الأثرياء بشكل نادر، ومن يملك السكر يومها يملك النفوذ والمال، وإلى هذا الحد نجد الأمر لا يخلو من تطور طبيعي لكن التحول الأخطر بدأ عندما عبر السكر المحيط الأطلسي، فأدركت القوى الأوروبية أن الطلب عليه يتزايد، فحوّلت مساحات من البرازيل وجزر الكاريبي إلى مزارع ضخمة لقصب السكر، وهنا لم يعد السكر محصولاً زراعياً، بقدر ما أصبح نظاماً وممارسة سياسية، فترى أرضاً تحتلها دولة ما، وبشر يُختطفون من تلك الأرض وجيوش تقمع الثائرين لأرضهم ويراهم الغازي متمردين !، فقد كانت الملعقة حلوة في لندن وباريس، لكن خلفها إنسان مقيّد في أراض بعيدة مقهورة.
ولأن الأرباح الكبيرة التي يجنيها عرابو السكر لا تبقى في عالم الأسواق وحدها، فقد دخل ملاك مزارع السكر إلى عالم السياسة، وشكّلوا جماعات ضغط أثّرت في الضرائب والتجارة والبرلمانات، فعندما ألغت بريطانيا العبودية في القرن التاسع عشر، خصصت عشرين مليون جنيه لتعويض مالكي العبيد، بينما لم يحصل المستعبدون أنفسهم على شيء!، انتهت العبودية في صفحة القانون، لكن الدولة حرصت أولاً على طمأنة التجار دون العبيد.
وفي القرن العشرين أصبح السكر جزءًا من الصراع بين الولايات المتحدة وكوبا، إذ كان الاقتصاد الكوبي يعتمد بدرجة كبيرة على بيع السكر في السوق الأمريكية، وبعد الثورة الكوبية وتأميم ممتلكات الشركات الأمريكية ردّت واشنطن بخفض مشترياتها من السكر الكوبي، ثم تطور الخلاف إلى عقوبات اقتصادية حادة، واقتربت بسبب ذلك كوبا من الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية، ولذلك لم يكن الصراع سياسيًا فقط، بل كان أيضًا صراعًا على التجارة والمال والمصالح والنفوذ.
فعلا.. إن تاريخ السكر يعلمنا أن السلع والمنتجات ليست بريئة كما تبدو في ظاهرها، فالسياسة وممارساتها وحروبها تُصنع وتدار في القصور والبرلمانات ومجالس الشيوخ، لكنها قد تبدأ أحياناً من حقل زراعي، أو ملعقة صغيرة تسقط في كوب من الشاي مثل السكر، فكما أنه حلو في مذاقه، لكنه ترك تاريخاً سياسياً شديد المرارة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق