الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

سورية: موعد لطيف مع الموساد

 سورية: موعد لطيف مع الموساد

وائل قنديل

التقى وزير خارجية سورية الجديد، أسعد الشيباني، مع رئيس الموساد الصهيوني في الأردن، فذهبت الإدارة الأميركية باتجاه الرفع الكامل "لسورية أحمد الشرع" من لائحة الإرهاب، وهنّأ وزير الخارجية المصري دمشق بهذه المكرمة الأميركية، وأعلن مظلوم عبدي قائد ما تسمّى قوات سوريا الديمقراطية حلّ المليشيا وتوديع العمل العسكري، لكن ذلك كلّه تزامن مع جولة وزير الحرب الصهيوني في عمق الأراضي السورية، ليعلن أنّ الاحتلال لن يتزحزح خطوة واحدة عن المناطق الجديدة التي استولى عليها في سورية.

إذا كنت ترى في اللقاء الدافئ بين وزير خارجية دولة عربية من دول المواجهة مع الاحتلال ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي عملًا جيّداً لا ينتمي إلى أردأ أنواع التطبيع، فإنّك من دون شك لن تجد رابطًا بين كلّ هذه الهدايا الأميركية وبين لقاء الأردن بين أسعد الشيباني، ممثّل أحمد الشرع، مع رئيس الموساد، والذي يندفع معلّقون سوريون كثيرون إلى تناوله باعتباره مُنجزاً جديداً من منجزات الإدارة الجديدة التي انتشلت سورية من حالة التردّي التي كانت عليها مع النظام البائد.

كما لن تجد غضاضة ولن تشعر بالإهانة وأنت تسمع رسالة وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى الشرع خلال زيارته التفقدية جنوب سورية 

"رسالتنا لرئيس سورية (أحمد الشرع) واضحة عندما تستيقظ في القصر بدمشق، وتنظر إلى جبل الشيخ وترى قواتنا فأنت تعلم أننا هنا من أجل الدفاع عن بلداتنا وحدودنا".

وأغلب الظن أنّك سوف ترغي وتزبد على الهواء مباشرة وأنت تحاول أن تقلّل من خطورة هذه الجولة وأثرها على سيادة سورية على أراضيها، وستقول مثل أحدهم وهو يردّ على سؤال مذيعة "التلفزيون العربي

" إنّها رسالة موجّهة إلى الناخب الإسرائيلي، وليست إلى الحكومة السورية، وأنّ ما قاله كاتس ليس سوى خطاب شعبوي لزوم معركة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وسوف تؤكّد، بكلّ اليقين، الذي لا يعلم أحد مصدره، أنّ هذه التصريحات من وزير الحرب الصهيوني مجرّد استفزازات شخصية، وليست قناعة حكومة الاحتلال، ثم تعلن بكلّ فخر أنّ "إسرائيل احتلت بضع مئات من الكيلومترات من أراضينا لكننا خرجنا من دائرة العقوبات الأميركية". 

تبدو صادمة هذه الحالة من التعايش بسعادة مع التطبيع لدى سياسيين ومثقفين من أكثر دولتين عربيتين كانتا عنواناً تاريخيًاً لجبهات رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، سورية ولبنان، مع اختلافاتٍ طفيفةٍ في أساليب التبرير ومنطلقاته، بين الاستناد إلى كون سورية الجديدة لا تزال وليدة وهشّة وغضّة، ومن الظلم أن نطالبها بأن تتبنّى مواقف قومية بمواجهة الاحتلال، وبين المنطق اللبناني الذي يكرّر من رأس الدولة إلى قاع التحليل الاستراتيجي التلفزيوني أنّه 

"ليس لنا إلا دونالد ترامب" يحرّرنا من الاحتلال الإسرائيلي، ومن الذين يقاومون الاحتلال الإسرائيلي أيضاً.

على أنّ القاسم المشترك هنا وهناك أنّ موضوع فلسطين لا يحضر إطلاقاً في الخطاب، بما يأخذنا مباشرة إلى طور مختلف من التطبيع، أو مفهوم جديد لقضية التطبيع، والتي كان معيارها طوال الوقت المسافة من القضية الفلسطينية بوصفها محور الصراع العربي الإسرائيلي، بل كان الذاهبون إلى التطبيع، حكومات أو أشخاصاً، يبرّرون مذهبهم بالبحث عن تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، بالحوار لا بالحرب، وهو الخيار الذي ثبت بطلانه وفساده نصف قرن من مسيرة السلام الزائف، ولا يحتاج جهداً كثيراً لإثبات فساده، فيكفي النظر إلى مساحة الكيان الصهيوني، ومساحة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة قبل نصف قرن ومقارنتها بالواقع الديموغرافي القائم الآن. من المهم كذلك النظر في أوزان الدول التي تعاطت مشروب السلام الأميركي حاليًاً، من حيث النمو الاقتصادي والتقدّم في مجالات التعليم والثقافة والفنون، تكفي نظرة سريعة على منتجات فن ما بعد التطبيع، ومنتجات ما قبله لتكتشف حجم الانهيار القومي الشامل.

مصر، صاحبة الريادة على طريق التطبيع، تنتظر عين الرضا والرحمة من الكيان الصهيوني، لكي تطمئن على مواردها من الطاقة، التي باتت رهينة الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل، ولا تقوى على ردع العدو التاريخي حين يسيطر على المنفذ البرّي الوحيد الذي يربطها بفلسطين، وتظلّ ثلاث سنوات تشاهد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، فلا يصدر عنها سوى أنين بيانات شجب وإدانة مُرتعشة، ونداءات خجلى على دونالد ترامب، بل ووصل بها الحال إلى أن يقول عنها مبعوث ترامب "إذا خسرنا مصر فإنّ كلّ الإنجازات التي تحقّقت في التخلّص من حسن نصر الله ويحيى السنوار ستذهب أدراج الرياح. مصر نقطة ملتهبة، فكلّ ما تحقّق لنا في المنطقة، مثل التخلّص من السنوار ونصر الله وغيرهما، قد ينقلب رأساً على عقب لو خسرنا مصر".. هكذا تحدّث ستيف ويتكوف، مبعوث إدارة ترامب إلى الشرق الأوسط في مارس/ آذار من العام الماضي، وهو يحتفل باغتيال الشهيدين يحيى السنوار زعيم "حماس" الذي دخل التاريخ واحداً من الأبطال الأسطوريين في الكفاح والمقاومة، وحسن نصر الله زعيم حزب الله الذي يسميه العارفون بفضله وقيمته في الوطن العربي "سيد المقاومة"، وهو بالفعل أحد سادتها العظام.

رحم الله أيّاماً كان فيها التعريف الحقيقي للتطبيع يقول إنّ كلّ خطوة تقرّبك من الكيان الصهيوني، تبعدك عن فلسطين، وأيّ مساحات ممنوحة للصهيوني كي يسوّق روايته، هي في اللحظة ذاتها مساحات مقتطعة من الفلسطيني المُعتدى عليه وصاحب الحق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق