الأحد، 16 أغسطس 2026

لماذا تختبئ المجتمعات داخل هوياتها؟

 لماذا تختبئ المجتمعات داخل هوياتها؟



زكريا نمر

لم تعد الهوية مجرد إطار للتعريف أو وسيلة للفهم، بل تحولت إلى عقيدة مغلقة، إلى صنم يعبد دون مساءلة. القبيلة، العرق، الدين، اللغة كلها عناصر كان يفترض أن تكون مكونات ثقافية مرنة، لكنها صارت أدوات للفرز والإقصاء، وأحيانا للقتل. 
المسألة لم تعد تتعلق بالانتماء، بل بالولاء الأعمى، وبالخضوع لمنظومة رمزية تمنح حصانة كاملة ضد النقد.
المشكلة ليست في وجود الهوية، بل في تقديسها. 
حين ترفع الهوية إلى مرتبة المقدس، تتوقف عن كونها تجربة انسانية، وتتحول إلى بنية مغلقة تقاوم التغيير. 
الفرد لا يقاس بما يفكر، بل بما ينتمي إليه. 
لا يسأل عن موقفه، بل عن قبيلته. 
لا يحاكم على فعله، بل على اسمه. 
الهوية هنا لا تعود تعريفا، بل حكما مسبقا. 
يصبح التفكير النقدي خيانة. 
لأن أي نقد للهوية يفهم باعتباره اعتداء على الجماعة. وهنا تبدأ الكارثة: 
تتحول الهوية من مصدر انتماء إلى أداة قمع داخلي. يرغم الفرد على التماهي مع خطاب الجماعة، حتى لو كان هذا الخطاب ضد مصلحته أو ضد الحقيقة. 
يصبح الصمت فضيلة، والتساؤل تهمة، والخروج عن السائد نوعا من الخيانة الثقافية. 
هذه البنية لا تنتج فقط أفرادا خائفين، بل تنتج مجتمعات غير قادرة على التعلم. لأن التعلم يفترض الاعتراف بالخطأ، بينما الهوية المقدسة لا تخطئ. 
أي محاولة لمراجعة التاريخ تقابل بالرفض، وأي نقد للموروث يعتبر تهديدا. وهكذا يتحول الماضي إلى سلطة مطلقة تستخدم لتبرير الحاضر، لا لفهمه.

الانظمة السياسية في هذه المجتمعات لم تعارض هذا الوضع، بل استثمرت فيه بوعي كامل. 
الهوية أصبحت وسيلة جاهزة للسيطرة. 
بدل أن تبني الدولة عقدا اجتماعيا قائما على المواطنة، تعيد انتاج الانقسامات. 
تدار السلطة عبر موازين قبلية أو طائفية، لا عبر الكفاءة أو القانون. ولا تعود الدولة كيانا محايدا، بل تتحول إلى امتداد لهوية معينة، أو إلى ساحة صراع بين هويات متنافسة. في كثير من الدول الافريقية، تستخدم القبيلة كأداة تعبئة سياسية، ليس لأنها ما تزال قوية اجتماعيا فقط، بل لأن النخب الحاكمة عاجزة عن انتاج بديل مؤسسي. 
الدولة هنا لا تبنى ككيان جامع، بل كغنيمة تقسم بين الجماعات. 
الولاء لا يكون للدستور، بل للزعيم الذي يمثل الهوية. وهذا ما يجعل أي انتقال للسلطة أشبه بتهديد وجودي، لا مجرد تغيير سياسي.
وفي العالم العربي، يتم توظيف الدين والطائفة بنفس الطريقة. الخطاب الديني لا يستخدم كمرجعية أخلاقية، بل كأداة تعبئة سياسية. يتم اختزال الدين في هوية جماعية مغلقة، تستخدم لإقصاء الآخر أو تخوينه. 
يختفي البعد الروحي، ليحل محله صراع على الشرعية والتمثيل. 
أن تقديس الهوية يخلق وهم النقاء. 
كل جماعة تتخيل نفسها كيانا متماسكا، نقيا، متفوقا أخلاقيا أو تاريخيا. بينما الحقيقة أن كل الهويات هجينة، متغيرة، ومليئة بالتناقضات. 
التاريخ ليس خطا مستقيما، بل شبكة معقدة من التفاعلات. لكن الاعتراف بهذا التعقيد يهدد السلطة الرمزية للنخب، لذلك يتم قمعه لصالح سرديات مبسطة، ومريحة، لكنها زائفة. 
هذا الوهم لا يقتصر على الخطاب العام، بل يتغلغل في الوعي الفردي. الفرد يبدأ في رؤية نفسه من خلال صورة مثالية للجماعة، لا من خلال تجربته الخاصة. يصبح الدفاع عن الهوية أهم من فهمها. أي تناقض داخلي يتم تجاهله أو تبريره، لأن الاعتراف به يعني زعزعة صورة الجماعة. وهكذا تتحول الهوية إلى قناع، لا مرآة.

المثقف ليس بريئا. كثير من المثقفين يشاركون في اعادة انتاج هذا التقديس، إما بدافع الخوف، أو الانتماء، أو المصلحة. بدل أن يفككوا الخطاب الهوياتي، يزينونه بلغة فلسفية أو تاريخية. يتحول المثقف إلى حارس للهوية، لا ناقد لها.
 يكتب عن الاصالة والخصوصية دون أن يسأل: ما الذي نخفيه خلف هذه الكلمات؟ 
وما الذي نخاف من مواجهته؟
بعضهم يذهب أبعد من ذلك، فيعيد صياغة الاساطير في قالب أكاديمي يمنحها شرعية زائفة. 
تقدم السرديات القبلية أو الطائفية كحقائق تاريخية، وتستخدم لتبرير الامتيازات أو الاقصاء.
 وهنا لا يعود الفكر أداة للتحرر، بل أداة لاعادة انتاج السلطة.
تقديس الهوية يعطل فكرة المواطنة. لأن المواطنة تقوم على المساواة أمام القانون، بينما الهوية المقدسة تخلق تراتبية خفية: هذا اصيل، ذاك دخيل. هذا نقي، ذاك مشبوه. هذه التراتبية لا تكتب في الدساتير، لكنها تمارس يوميا في التوظيف، في العدالة، في توزيع الموارد. وهنا تبدأ الدولة في الانهيار من الداخل، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة شكليا. 
تصبح الديمقراطية مجرد واجهة. الانتخابات تجرى، لكن الاختيار يتم على اساس الهوية، لا البرامج. الناخب لا يسأل: 
ماذا سيقدم هذا المرشح؟ 
بل: إلى أي جماعة ينتمي؟ 
وهكذا تتحول الديمقراطية إلى آلية لاعادة انتاج الانقسام، لا لتجاوزه. بل إن بعض الانظمة تستخدم خطاب حماية الهوية لتبرير القمع. أي معارضة تصور كتهديد للثقافة أو الدين أو الوحدة الاجتماعية. وهنا يصبح الاستبداد مبررا باسم الحفاظ على “النحن”. المفارقة أن هذا “النحن” نفسه يتم تفكيكه من الداخل، عبر سياسات الاقصاء والتمييز.
التعليم يلعب دورا حاسما في ترسيخ هذا الوضع. المناهج لا تشجع على التفكير النقدي، بل على الحفظ والتكرار. 
التاريخ يدرس كسردية تمجيدية، لا كمساحة للتحليل. الطالب يتعلم كيف يدافع عن هويته، لا كيف يفهمها. وهكذا يتم انتاج اجيال تحمل نفس التحيزات، ونفس المخاوف، ونفس العجز عن التساؤل الاعلام ايضا يساهم في تضخيم الخطاب الهوياتي. بدل أن يفتح نقاشات جادة، يختزل القضايا في ثنائيات بسيطة: نحن هم، اصيل دخيل، مؤمن منحرف. 
هذه اللغة لا تنتج فهما، بل تنتج استقطابا. ومع تصاعد وسائل التواصل، أصبح هذا الخطاب أكثر انتشارا، وأكثر حدة، لأنه يغذي نفسه عبر ردود الفعل السريعة، لا التفكير العميق.
في ظل هذا كله، يصبح العنف احتمالًا دائما. لأن الهوية المقدسة لا تقبل التفاوض. إذا كانت هويتي حقيقة مطلقة، فإن أي اختلاف يفهم كتهديد يجب ازالته. وهنا يتحول الصراع من خلاف سياسي إلى مواجهة وجودية.ولكن المشكلة الأعمق هي أن هذا التقديس يعطل القدرة على التخيل. المجتمع الذي يرى نفسه من خلال هوية ثابتة، يجد صعوبة في تخيل مستقبل مختلف. كل محاولة للتغيير تقابل بالسؤال: هل هذا يتوافق مع هويتنا؟ بدل السؤال: هل هذا يخدم حياتنا؟ وهكذا يتم رفض كثير من الاصلاحات، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها غريبة.
ما نحتاجه ليس الغاء الهوية، بل تحريرها من القداسة. 
أن نفهمها كأداة، لا كقدر. كمساحة مفتوحة، لا كجدار مغلق. الهوية يجب أن تكون موضوعا للنقد، لا منطقة محظورة. لأن أي فكرة لا تقبل النقد، تتحول بالضرورة إلى أداة استبداد.ةتحرير الهوية يعني الاعتراف بتعددها داخل الفرد نفسه. 
الانسان ليس مجرد قبيلة أو دين أو لغة، بل مزيج معقد من الانتماءات والتجارب. اختزال هذا التعقيد في هوية واحدة هو نوع من العنف الرمزي. وهو ايضا تبسيط مخل يمنعنا من فهم أنفسنا والآخرين.كما يعني ايضا اعادة تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة. الانتماء لا يجب أن يكون على حساب الحرية. يمكن للفرد أن ينتمي دون أن يذوب، وأن ينتقد دون أن يقصى. هذا يتطلب بنية ثقافية وسياسية جديدة، تعترف بالاختلاف، وتحميه.
الدولة تلعب دورا محوريا. 
إذا كانت الدولة محايدة فعلا، وتتعامل مع المواطنين كأفراد متساوين، فإن الخطاب الهوياتي يفقد جزءا كبيرا من قوته. لكن إذا استمرت الدولة في الانحياز، أو في استخدام الهوية كأداة، فإن أي حديث عن تجاوز الانقسامات يبقى مجرد خطاب فارغ. المواجهة ليست سهلة. 
لأن نقد الهوية يعني الاصطدام بالبنية العميقة للمجتمع: بالتاريخ، بالذاكرة، بالخوف. لكنه شرط أساسي لأي تحول حقيقي. لا يمكن بناء دولة حديثة على اساس هويات مقدسة. ولا يمكن انتاج مواطن حر داخل جماعة ترى نفسها فوق المساءلة.
السؤال الحقيقي ليس: 
من نحن؟ 
بل: 
لماذا نحتاج إلى اجابة نهائية لهذا السؤال؟ 
ولماذا نخاف من أن تكون هذه الاجابة مفتوحة، متغيرة، وقابلة للنقد؟ 
طالما بقيت الهوية صنما، سيبقى الانسان تابعا لها، لا صانعا لها. وطالما بقيت فوق المساءلة، ستبقى أداة في يد من يعرف كيف يستخدمها، لا في يد من يدعي الدفاع عنها.

 


, , , , , زكريا نمر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق