رسائل إسرائيل إلى جوزاف عون
وائل قنديل
من فلسطين إلى لبنان، تسلك الإدارة الأميركية مسلك مَن يوزّع حصص الجغرافيا والديموغرافيا على الدول العربية، بالشروط والمواصفات المطلوبة لأمن الاحتلال الصهيوني، إذ يتطوّر مفهوم "المناطق التجريبية" المحدّدة أميركياً وإسرائيلياً إلى نوع من المكافآت والهبات التي تمنحها إدارة ترامب لمن ترضى عنها من الأنظمة، لتضعنا أمام معطياتٍ تقول، بكلّ وضوح، إنّ هذه الأنظمة تحت التدريب بمعرفة بنيامين نتنياهو شخصياً، بعد أن أعطته عملية التفاوض صكّاً يتيح له حرّية الحركة والتوسّع في الأراضي الواقعة تحت احتلاله.
هذه الوضعية الجديدة منحت رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني ميزة الذهاب إلى تنفيذ العمليات النوعية، باستهداف قائمة من الشخصيات والعائلات المرتبطة بمنهج المقاومة بالسلاح أو بالكلمة والقصيدة، على نحو ما فعلت آلة الإرهاب الصهيوني باغتيال الشاعرة والمترجمة زينب ناصر الدين، ومعها أبناؤها الأربعة، في غارات استهدفت مناطق وبيوتاً بعينها في جنوب لبنان، شملت اغتيال من وصفته إسرائيل بأنّه أحد القيادات في حزب الله.
ردّة الفعل اللبنانية الرسمية على الجريمة الصهيونية حملت لوعةً وهلعاً حقيقيَين، ليس على نزيف الدماء اللبنانية، وإنّما خشيةً على مستقبل الإطار الدافئ للمفاوضات المباشرة الذي تستمتع به الدولة اللبنانية ممثّلةً في رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، اللذَين صرخا في هتاف واحد: وا مفاوضتاه!
فاعتبر الرئيس جوزاف عون أنّ هذه الانتهاكات الإسرائيلية تشكّل رسالةً سلبيةً واضحةً للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق اتفاق الإطار.
في الأثناء، لا تُعدم أصوات عربية تتكلّم في الداخل اللبناني أو تنوح على الفضائيات العربية، مندّدةً بحزب الله ومتهمةً إياه بارتكاب خروقات هو الآخر بتعريض أمن ضيوف لبنان الرسميّين، بموجب اتفاق الإطار ووعد المناطق التجريبية، للتهديدات، ما يستفزّ قوات الاحتلال الصهيوني ويجبرها على تنفيذ هذه العمليات.
كالعادة، تحضر الإدارة الأميركية عقب تنفيذ هذه الاعتداءات بين "أصدقاء الإطار"، فتشدّد، على لسان أحد مسؤوليها، على قدسية "عقيدة المناطق التجريبية"، تلك التي يتحكّم فيها بنيامين نتنياهو ويحدّد مواعيدها ومساحاتها، ثمّ لا يلتزم بها بالطبع، لتبدو القصّة كلّها وكأنّ فكرة المناطق التجريبية ليست إلّا ملاعب إسرائيلية يتولّى فيها الاحتلال تدريب الدولة اللبنانية على ممارسة السلطة، نظرياً، على مناطق صغيرة في جنوبها المحتلّ، بعد تحريره من هؤلاء الأشرار الذين لا يزالون يؤمنون بحقّ مقاومة الأعداء والغزاة.
لا تبدو الصورة في لبنان بعيدةً عن مثيلتها في فلسطين، إذ يبشّرنا الشاب الصهيوني المتعصّب جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومبعوثه إلى المنطقة، بأنّ الإدارة الأميركية لقطاع غزّة قد تسمح لحركة حماس بالمشاركة في العملية السياسية الفلسطينية، شريطة أن تكون الخطوة الأولى في المشهد نزع السلاح بشكل كامل، قبل الحديث عن أيّ شيء آخر.
تزفّ وسائل الإعلام العربية نبأ تعطّف زوج ابنة ترامب، وموافقته على حضور شخصيات من "حماس" اجتماعه بثلاثي الوساطة (مصر وقطر وتركيا) في القاهرة، انتصاراً فلسطينيّاً، فيما يذهب بعضهم إلى أنّنا بصدد لحظة إذعان أميركي أمام الفلسطينيين.
هكذا، مرّة واحدة، على الرغم من أنّ الشاب المخلص للكيان الصهيوني يتحدّث وكأنّه مندوب عن المالك الجديد لغزّة والمتصرّف في شؤونها، إذ يبدو كلامه عن الموافقة المشروطة بتسليم السلاح على حضور "حماس" في المشهد المقبل، وكأنّ "حماس" قد توجد سياسياً في مستقبل غزّة في ضيافة ترامب شخصياً.
يحدث هذا كلّه بينما تمضي عمليات زرع المستوطنات الجديدة في لحم الأرض الفلسطينية في مناطق الضفّة الغربية بوتيرة أسرع، وفي تناغم كامل بين قوات جيش الاحتلال ومليشيات المستوطنين، في مشاهد لا تختلف أبداً عن بدايات إنشاء الكيان على أنقاض فلسطين قبل نكبة 1948.
ربّما كان الاختلاف الوحيد أنّه قبل 80 عاماً كان مسموحاً بالمقاومة، بل إنّ العرب اجتمعوا في 1948 على قرار واحد بتشكيل مجموعات قتالية ضدّ الاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين، فيما عُرف بالنكبة.
أمّا الآن، وبعد ما يقرب من ثمانية عقود، وكما علّق أحد الساخرين، يبدو العرب أقرب إلى تشكيل قوّة موحَّدة للقتال ضدّ رافعي شعار المقاومة للاستعمار الصهيوني، وضدّ كلّ من يعكّر العلاقة بينهم وبين الإدارة الأميركية وشريكها الصهيوني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق