‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 أكتوبر 2022

نبضات المحبين

 نبضات المحبين(6)


وفاء وذكر لإمام العصر






 إلى الإمام يوسف القرضاوي.. نبضة قلب

د. كوثر يونس (من تونس)

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسولنا الكريم، والحمد لله الذي منّ على هذه الأمة بعلماء أفذاذ مصلحين. أما بعد:

إن العلماء لذوي فضل على الأمة بأسرها، إذ أنهم مصابيح الهدى، وسراج الحق في الأرض، بهم يهتدي الناس إلى الحق المبين، ويتمسكون بحبل الله المتين.

في ظل الصراعات السياسية والدينية التي تشهدها الأمة الإسلامية، والحرب المعلنة على الإسلام، والفتاوى الساقطة من هنا وهناك، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، وخزعبلات فاقدي الهوية والمستشرقين الحاقدين، والتاريخ المفترى عليه لحضارة ملأت الدنيا خيرًا وعدلاً، ونورًا وعلمًا، فاستفاق مع رسالة نبيها الكريم ركب البشر.. صرت أبحث عن أجوبة عن أسئلتي الكثيرة، باحثة عن فكر نير منار مستنير، وحكمة تبني ولا تهدم، ومنهج معتدل متطور، ونظرة إلى التطور والرقي، إلى أن اهتديت إلى رمز الفكر الإسلامي البنَّاء العلامة القرضاوي.

عالم جليل من علماء الأمة في العصر الحالي، وممن يُسروا لليسرى في مجال العلم والفكر الإسلامي المعاصر، وهو من المجددين الداعين إلى تطوير الخطاب الديني؛ من أجل القيام والنهوض بالأمة الإسلامية، مستندًا إلى الأصول والثوابت الإسلامية، مواكبًا لمتغيرات العصر، مبتعدًا عن التعصب الأعمى والهوى المتَّبع.

ولا شك أننا اليوم في أمسِّ الحاجة- خاصة في الوقت الراهن- إلى تجديد خطابنا الديني حتى نستطيع تمكين الآخرين من فهمه، وكسر أنف الحاقدين على هذا الدين العظيم.

القرضاوي هو مجتهد العصر، ونموذج الاعتدال والتجديد، الرجل الموسوعة، صاحب الكتب الإسلامية التراثية التي تعد كنزًا زاخرًا، وفكرًا باهرًا..

في فكر القرضاوي تجديد، ووسطية تجمع بين الأصالة والحداثة، إلى جانب رؤيته المتناغمة في المرأة والكون والفكر والدعوة.

وإنه من نعم الله تعالى على الإنسان أن يلتقي بكنوز الأمة ودررها؛ وكان من فضل الله تعالى علي وإحسانه إلي أن ألتقي بهذا العلامة الفذ أحد الذين قل أن يجود الزمن بمثلهم!

كان في المؤتمر الرابع لرابطة تلاميذ القرضاوي، رأيته شيخًا وقورًا مبتسمًا رصينًا عاقلًا.. وقفت روحي أمامه كما يقف المتأمل أمام بحر هادئ أزرق، يعكس صفاء روح تنتمي بالميلاد إلى عذوبة الماء، وابنة شرعية لوهج النور، تنساب منه الكلمات والمعاني انسياب جدول رقراق، فلا تلعثم ولا توقف يستجدي به الحروف والكلمات، أو نظر إلى ورقة مكتوبة يسعف بها نفسه، فهو الداعية الخطيب الأديب الشاعر.. كلام موزون من رجل رصين ثابت، لا يخلو خطابه من آيات الذكر الحكيم وسيرة رسولنا الكريم ومواقف الصحابة رضوان الله عليهم.. والثناء على علماء أفذاذ معاصرين يتباهى بهم بكل فخر واعتزاز..

صدقوني لقد استحييت من نفسي ومن جهلي وقلة معرفتي بديني وعلومه وعلمائه، وأدركت لوهلة أني غريبة في عالم من أناس يشع من وجوههم نور ساطع.. واستمعت إلى مفردات أول مرة أعلم بوجودها وأنا الطبيبة التي يشهد لها الأهل والأصحاب بثقافتها الواسعة.. يا الله! من هذا الذي أقف في حضرته وأستمع إليه مذهولة مندهشة!؟ أيعقل أن يتحدث شيخ قارب التسعين بهذا الكلام المتماسك السلس، الذي لا تشوبه شائبة، ولا تخونه فيه ذاكرة..

آتاه الله فضائل عدة: فهو يجمع بين المحافظة والانفتاح، والتيسير لا التسيب، أصيل موصول بالتراث، عارف به، مطلع على كنوزه المختلفة، غير غائب عن العصر الذي يعيش مشكلاته وتياراته المختلفة؛ لا ككثير من العلماء الذين يعيشون في الماضي وحده ولا يعرفون عن الحاضر شيئًا.. إنه الشيخ المفكر الذي يعرف الماضي، ويعايش الحاضر، ويستشرف المستقبل؛ ما جعله ينفتح على العصر، ناظرًا إليه بعين وإلى تراثه أمته ورصيدها الحضاري بالعين الأخرى.. يهتم بالأصل والفرع، وما هو ثابت وما هو متغير؛ ليعش حالي الإصلاح والتجديد في الإسلام، مؤكدًا على ضرورة تغيير الأمة إلى ما هو أفضل وأحسن عن طريق تغيير أفكارها وتغيير معارفها وتغيير إراداتها..

أيام مضت في ضيافته نهلت من علمه شربة لم تروِني.. وكلمات حمّلتها في حقائبي لأحتفظ بحضورها وعمقها وخصوبتها.. بل تجددها وتدفقها وحيويتها.. وأسبح في جنباتها وأشرب من رحيقها.. وأتذوق نعيمها وحلاوتها.. فتفيض على قلبي من معانيها وحقائقها ما يزيده ثباتًا وأنسًا ويقينًا..

إن لقائي بالدكتور القرضاوي زادني معرفة بمعان وحقائق متدفقة عندما تنسكب في شغاف القلب ويرتوي بها الكيان.. تثمر معرفة لا عهد للعقل بها.. أي لا تدخل في دائرة المعرفة العقلية.. وإنما هي من ثمار المعرفة القلبية الثابتة اليقينية..

ختم الدكتور القرضاوي المؤتمر بقوله أوصيكم بالأُخوة، تآخوا في الله، وتحابوا فيه، وسارعوا إلى الأخوة، وابحثوا عنها بينكم وفي كل مكان؛ فهي الرابطة المتينة بين الفردوس المفقود والفردوس الموعود.. قالها بتأكيد وإصرار، وفي عينيه حزن دفين على عذابات الأمة وخساراتها ونكباتها، وماضيها القديم، ماضي الفردوس النقي.. وبحر أمل متدفق أن الأمة سيعود مجدها ويعلو صرحها عاجلاً غير آجل.. ومستقبل التواصل المتجدد مع أصولها الأولى التي انفصلت عنها..

إن الأخوة بالنسبة للعلامة القرضاوي بمثابة القوة المتدفقة التي تمنح الشعور بالقدرة على امتلاك الذات.. والوقوف في وجه التيار الجارف المسلط على الأمة ومنعه من سحقها والتهام حضورها..

نسأل الله تعالى أن يحفظ العلامة القرضاوي ويمتع به، وأن يحفظ علماء الأمة ومناراتها، وأن يغفر لنا ويتوب علينا، وأن يقدر لهذه الأمة أمر رشد، وينفخ فيها من روحه فتعود كما يؤمل منها إنه على ما يشاء قدير.




نبضات المحبين (1)

الاثنين، 17 أكتوبر 2022

نبضات المحبين (5)

نبضات المحبين (5)

لماذا جنازة القرضاوي مختلفة؟!

 عندما تلقيت نبأ وفاته، كنت أجهز نفسي للسفر إلى إسطنبول. وهناك كان لدي اجتماع، وبعد ذلك كنت سأتجه إلى مدينة سِرت بعد اجتماع إسطنبول، لإلقاء محاضرة أكاديمية في افتتاح العام الدراسي للجامعة في صباح اليوم التالي.

إنا لله وإنا إليه راجعون. لقد وافت المنية العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وانتهت رحلته في الدنيا وصعدت روحه الطاهرة إلى جوار ربه عز وجل.
وبعد وصول ذلك الخبر إليَّ تغيرت خطتي وبرنامج أعمالي من جديد، وعندما انطلقت إلى إسطنبول، جاءتني عدة اتصالات تبلغني بالخبر إذ ظنوا أنه لم يصلني بعد، وذكروا الشيخ رحمه الله بكل خير وأثنوا عليه أيما ثناء ودعوا له بالرحمة. وبمجرد وصولي إلى إسطنبول، حجزت على الفور تذكرة على متن رحلة الدوحة بعد ثلاث ساعات، ثم ذهبت مباشرة إلى الاجتماع الذي كان مرتبا من قبل وحضرته لمدة نصف ساعة فقط، ثم عدت على الفور إلى المطار.

حقا لقد مات عالمٌ، هو عالِمٌ بالمعني الحقيقي لجميع المسلمين، عالم كرس حياته للإسلام وقضايا المسلمين، عالم لم يكن همه أن يُحصِّل المعرفة والعلوم ويعلمهما فقط، بل استوعب مقتضيات العلم ووعى مناهج توظيفه في الواقع، وهو بلا شك عالم بالمعنى الحقيقي للكلمة. كما أنه أيضا شخص أشعر أنني شخصيًّا قريب جدًّا منه.

فمنذ أن عرفت نفسي عرفته أيضًا، ومنذ أن عرفته كنت قريبًا منه بأفكاره ومواقفه وإخلاصه حتى لو لم ألتق به. حتى أنني لا أتذكر متى قابلت هذا العالم شخصيًا لأول مرة، ربما قابلته في المؤتمرات والاجتماعات الأولى التي حضرتها.

مجلس الفتوى الأوربي:

في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حضرت اجتماعا في إسطنبول لمجلس الفتوى الأوربي، والذي كان هو مؤسسه ورئيسه، وكان حضوري بورقة قدمتها باللغة العربية لأول مرة عن “الإسلام والعلمانية في تركيا”. وفي هذه المناسبة العلمية، أتيحت لي الفرصة للتحدث معه عن كثب.

وفي عام 2016 عُقد مهرجان “شكرا تركيا” في إسطنبول بمناسبة موقف تركيا مع مسلمي العالم والمساعدات الإنسانية ووقوفها إلى جانب المظلومين في العالم. وعلى الرغم من أن كبر سِنِّ الشيخ ومرضه أيضا، إلا أنه لم يتردد في القدوم من الدوحة والمشاركة في تلك الفعالية. وقد أعرب فيها عن سبب مشاركته بتلاوته قول الله تعالى “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ” وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.

وفي كلمته في تلك الأمسية ضمن فعاليات المهرجان، أكد الشيخ كثيرا بأسلوبه المتميز أنه من الواجب على جميع المسلمين الوقوف إلى جانب تركيا فيما تمثله في عالم اليوم بالقيم والمواقف والنضال، وخص الرئيس أردوغان بالشكر وكثير من الأدعية. وإن واحدة من أكثر عباراته التي ما زلت أتذكرها حتى الآن قوله: “شكرا لتركيا، لأنه منذ نور الدين زنكي، حفر الأتراك اسمهم في صفحات التاريخ بمواقفهم الإسلامية وخدماتهم التي تميزوا بها في الأوقات الصعبة للأمة الإسلامية”.

لقاء مع أردوغان

كما أنني ما زلت أتذكر بوضوح شديد لحظة لقائي به في الزيارة التي قمنا بها مع الرئيس أردوغان، بعد انتهاء فعاليات المهرجان. فعلى الرغم من أنه كان على كرسي متحرك ولا يستطع الوقوف، فإنه عندما اقترب منه الرئيس، طلب الشيخ من المحيطين به أن يمسكوا بذراعيه ويساعدوه على الوقوف لاستقبال الرئيس والوفد المرافق له. ولما قالوا أنت مريض ولا داعي لذلك أصر الشيخ على طلبه بغضب وارتفع صوته قائلا فيهم: “هذا القائد الشجاع الكريم المتواضع لا يمكن أن أستقبله وأنا جالس”.

وقبل ثلاث سنوات، اتصل بي سكرتير مكتب الشيخ في قطر. وطلب نسخة من أحد كتبي التي عرف الشيخ أنه صدر باللغة العربية، فقلت هذا يشرفني، وأرسلتها على الفور. ولقد كان من دواعي سروري أيضا أنني علمت من بعض المعارف الذين زاروه من تركيا أن الشيخ قد طلب من سكرتيره تلخيص مقالاتي المنشورة باللغة العربية ولقد كانت سعادتي غامرة لكن بصراحة رغم هذه السعادة فإنني شعرت بالمسؤولية التي عليَّ حين علمت أن الشيخ رحمه الله كان يتابع ويقرأ ما أكتبه.

كل علماء العالم

وفي وقت قصير للغاية بعد إعلان خبر الوفاة، اجتمع كل علماء العالم الإسلامي المشهورين من جميع أنحاء العالم للمشاركة في جنازة الشيخ القرضاوي. وبصرف النظر عن واجب الجنازة، فقد تحولت إلى بيئة خصبة للقاء والمحادثة والتشاور بين مسلمي العالم بدلا من جو الحداد. فقد كان سرادق العزاء الذي أقيم لمدة يومين وكذلك اللقاءات خارج السرادق، منتدى علميا وأدبيا حيث نوقشت فيه قضايا العالم الإسلامي بأكمله بالتفصيل من خلال آراء الشيخ القرضاوي وأعماله وجهوده.

لا شك أن العالِم أيضا يموت وهكذا تكون جنازته، وربما يؤثر موته كثيرا في العالَم كله، لكنني رأيت في هذه الجنازة مقدار البركة التي تتجلى في لقاء هذه الكوكبة من العلماء الذين شهدوا تشييع هذا العالِم الجليل إلى مثواه الأخير. ولأكون صادقا أكثر مع نفسي ومعكم، كان ذلك مشهدا لم أره في أي جنازة أخرى في حياتي.

ثلة كبيرة من العلماء كالعلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو من موريتانيا، والشيخ عصام البشير من السودان، والشيخ يوسف القره داغي من العراق، والشيخ علي محمد الصلابي من ليبيا، والشيخ أحمد الريسوني من المغرب، والأستاذ إسماعيل هنية، والأستاذ خالد مشعل من فلسطين، والأستاذ وضاح خنفر، والأستاذ أحمد منصور من مصر، والشيخ محمد الصغير، وإبراهيم منير، ومحمود حسين، والشيخ كريم راجح من الشام، والأستاذ الدكتور علي أرباش، والأستاذ الدكتور محمد غورماز من تركيا، وغير هؤلاء مئات العلماء والمفكرين والسياسيين الذين لا أستطيع ذكر أسمائهم.

وفي اللقاءات والمناقشات التي جرت أثناء جنازة الشيخ القرضاوي، لفت انتباهي شيء عجيب، وهو بينما كان الجميع يتحدثون عن تجاربهم وذكرياتهم الخاصة مع الشيخ رحمه الله، تكشف للجميع مدى الود الذي أبداه القرضاوي للجميع، وهو الأكبر سنا منهم جميعا، فقد كانت لديه روابط ودية مع كل هؤلاء الناس. حقا كان لديه صداقات مثيرة للاهتمام مع أولئك على تفاوت أعمارهم بين الثلاثين والأربعين والخمسين، وهو شيخ كبير سنا وعلما.

والأمر الأكثر إثارة للاهتمام أيضا هو أن كل هؤلاء، الذين توجد بينهم اختلافات علمية وأدبية وفكرية متعددة، قد اجتهدوا جميعا ونجحوا في تحقيق آثار عظيمة فيما يتعلق بالفضيلة والفكر والذوق الأدبي وفقا لمنطلقاتهم وآفاقهم.

موت العالم

أعتقد أنه إذا كان للمرء أن يسأل ما المختلف في القرضاوي، الذي جعله مقبولا بدرجة كبيرة في مثل تلك الدوائر الواسعة، فيجب أن تكون تلك النقطة هي أول شيء يجب الإشارة إليه. ألا وهي روابطه بالآخرين وصداقاته التي حفظ حقوقها ولم يبخل بها على من يستحقها على أساس العلم والفقه والسياسة والكفاح والأدب والشعر وفوق كل ذلك على أساس الفضائل.

قال الأستاذ الدكتور محمد غورماز في كلمته التي ألقاها في سرادق العزاء “يذكرنا هذا الموقف بمقولة موت العالِم كموت العالَم”. وفي الواقع نحن نتذكر هذه المقولة في كل مرة يموت فيها أحد العلماء المخلصين العاملين. فإن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. القضية هي أن كل عالِم لديه عالَم. وبداية هذا العالم ونهايته ليست سهلة كما تبدو. ويمكن للعلماء الحقيقيين الذين يعرفون حق هذا الطريق فقط أن يلاحظوا جيدا ويعرفوا كيف يتم بناء عالم قائم على أساس المعرفة الحقيقية ومن يمكنه الاستمتاع بسلوك طريق العلم والمعرفة، ومن يمكنه الوصول إلى غايته وإلى أي جانب سيصل، وكيف ستكون نهايته، وعلى ماذا يمكن أن يحصل في نهاية ذلك الطريق.

وهم كذلك لا ينشرون كل هذه المعارف مع الجميع. وحتى لو أرادوا نشرها ومشاركتها بين العامة، لا يمكنهم ذلك، لأنه لا يمكن للجميع فهم تلك الحقائق التي شهدوها والحقائق التي وصلوا إليها، وعرفوا أهميتها ومقتضياتها، وهذا باب واسع من مخاطبة الناس على قدر عقولهم. وعلى الرغم من ذلك، يمكن لأولئك الذين يرغبون في خوض تلك التجربة ودخول عالم العلم أن يحظوا بنصيب من العلم على قدر إمكانياتهم الخاصة، وبالطبع سيكون ما يتلقونه في ذلك المضمار وفقًا لما لديهم من بضاعة وتجربة في ذلك الطريق.

على أي حال، فإن أولئك الذين يهتمون بالغوص في هذا المجال دون أن ينضجوا ويميزوا قواعده، سرعان ما ترتفع أصواتهم كالطبل الأجوف. لذلك فمن الضروري معرفة حدود هذا العالم وضوابط الدخول إليه، فليتنا نتمهل ونلقي نظرة عليه قليلا قبل أن نظن أننا أفضل فهما وأكثر وعيا ونحن ما زلنا لم ننضج بعد، فكثيرون هم أولئك الأغمار الأصاغر الذين تَزَبَّبوا قبل أن يَتَحَصْرَمُوا، ورامُوا الطيران بغير ريش وزاحموا العلماء وخاضوا فيهم دون حق علمي أو أدبي. رحم الله العلامة الشيخ يوسف القرضاوي.


بعد العطش عثرت على ماءٍ روي!


د. مصطفى بولند داداش*

بعدما أكملت دراستي في إستانبول؛ عدت إلى بلدي «أورفا» المعروفة في كتب التاريخ الإسلامية بـ«الرُّهَا»، وعُينت واعظًا في حران مسقط رأس ابن تيمية، وهي آخر عاصمة للدولة الأموية في عهد مروان الثاني المشهور بمروان الحمار.

وكنت في الرابعة والعشرين من عمري، وكان علماء «أورفا» معروفين بتمسكهم بمسلك التصوف، ولم يكونوا يحبون ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حتى كانت طائفة منهم لا يتحملون سماع اسمه، وكانوا معتادين على مطالعة الكتب الصفراء - كما يقال - ولا يحبذون ما يأتي من المعاصرين من العلماء، مهما يكن علمهم غزيرًا، ومهما يكن قولهم صوابًا. 

وحينما ذكرت لهم بعض ما يقول الشيخ القرضاوي - بدون تصريح باسمه - يُعجبون به، ويسألونني من القائل؟ فإذا أجبت بأن قائله هو يوسف القرضاوي - وهو عالم مقيم بقطر - يقولون: إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من المعاصرين، ولا بد أنه أخذ من كتب القدماء، ولا يريد أن يذكر ممن أخذ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟

وكان واحد منهم أكثر مرونة وصاحب إنصاف، وكان واعظًا قديمًا تتلمذ على يد العلماء الكبار اسمه أحمد سرا أوغلو، وليس أقل علمًا من غيره من علماء بلدنا. زارني يومًا مع طائفة من الوعاظ في بيتي بحران، لم يكن يعرفني، ورأى مكتبتي مليئة بالكتب العربية، وهي ميزة في نظر المشايخ الذين لا ينطقون بالعربية، واعتبرت وجودهم في بيتي فرصة لتعريفهم بشيخي العلامة القرضاوي؛ فأخذت كتابًا من كتبه ولعله كان «الإيمان بالقدر»، وقرأت شيئًا منه، ثم أخذت المجلد الأول من «فتاوى معاصرة» وشنَّفت آذانهم بفتوى منه، وتعجبوا بما سمعوا، لا سيما أن الأستاذ أحمد أعجبه ما سمع، وطلب مني أن أعيره عدة كتب من كتب الشيخ..

أعطيته «الإيمان بالقدر»، وسلسة من كتب الصحوة الإسلامية، وكنت أقول في نفسي: ربما يُرجع الكتب إليَّ بعد عدة أشهر، ولكن الرجل اتصل بي بعد أسبوع وأخبرني بأنه قرأ جميع ما أخذ مني، وطلب مني كتبًا أخرى، وفرحت بما سمعت منه؛ لأنني كنت أعتقد أن علماء بلدنا لا بد أن يتعرفوا على الشيخ القرضاوي، هدية الرحمن إلى الأمة الإسلامية في هذا العصر.

وكان حالي كحال من تألم من العطش مع أحبائه، فعثر على ماءٍ روي، ثم أراد أن يسقي إخوانه وأحباءه، أو مَن وجد كنزًا وأحب أن يُشرك فيه مَن يحبه.

هذا كان شعوري وتعاملي مع أبناء بلدي من العلماء. ثم أعطيت الشيخ أحمد ما يريده من كتب الشيخ، وأذكر أنه قرأ المجلد الأول من الفتاوى في أقل من أسبوع، وصار مغرمًا به، وكان يسبقني إلى المكتبة الوحيدة التي تأتي بكتب الشيخ إلى «أورفا»، وكنت أرجع من المكتبة فارغ اليد؛ لأن الشيخ أحمد حضر إلى المكتبة، وأخذ الكتاب قبلي.

وكان موضوع كلامي معه دائمًا الشيخ القرضاوي، وكتبه، وماذا فعل الشيخ، هل خرج له كتاب جديد؟ هل استمعت إلى خطبته في الجمعة؟ لماذا لم يحضر في برنامج «الشريعة والحياة»؟ عساه بخير؟

وحينما وُلد حفيده سمَّاه بيوسف القرضاوي تيمنًا باسمه، مع دعائه الدائم بأن يجعل الله حفيده مثل سميِّه. وصار الشيخ القرضاوي - بحمد الله سبحانه وتعالى - خصوصًا بين الشباب من طلاب الشريعة معروفًا بكتبه القيمة وشخصيته العالية.

.....

* د. مصطفى بولند داداش خبير في المجلس الأعلى للشؤون الدينية بتركيا

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».



نبضات المحبين (1)

نبضات المحبين (4)



السبت، 1 أكتوبر 2022

نبضات المحبين (2)


نبضات المحبين (2)

 كلمات وفاء للمرحوم الشيخ يوسف القرضاوي



الشيخ رائد صلاح

الشيخ رائد صلاح

ضمّت مكتبة المرحوم الشيخ يوسف القرضاوي أكثر من مائة كتاب كتبها بقلمه، ومن خلال قراءتي لبعض هذه الكتب، أستطيع أن أقول إن ما ميَّز هذه المكتبة ما يلي:

1- هي مكتبة فكرية وعقدية وفقهية وأدبية، واستشراف للمستقبل.

2- قامت هذه المكتبة على خطاب التفاؤل والتأكيد الدائم أن المستقبل للإسلام، وأنَّ القرن القادم هو قرن الأمَّة الإسلامية، وأننا على أبواب خلافة راشدة على منهاج النبوة تملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، ولا بقاء لظلم أبدي ولا لباطل أبدي.

3- هي مكتبة وسطية جمعت بين التمسك بالأصول وفهم الواقع، ثمَّ صياغة الفتوى على ضوء هذا الجمع بينهما، وبهذه الوسطية أصبحت هذه المكتبة مرجعا لكل مسلم ومسلمة ولكل أسرة مسلمة في كل الأرض.

4- هي مكتبة قامت على التضافر بين ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية، فلا يمكن أن تتصادم هذه الأصول الثلاثة، بل تكمل بعضها على صعيد دائرة الأمة الإسلامية والعروبة والوطنية الفلسطينية، ومن يسعى الى اختلاق تصادم بين هذه الأصول الثلاثة، فسعيه مردود عليه، ومن يسعى تقديم العروبة كبديل عن دائرة الأمة الإسلامية أو تقديم الوطنية الفلسطينية كبديل عن العروبة، فسعيه مردود عليه.

5- لذلك فقد سعت هذه المكتبة طوال الوقت، للحديث عن قضية فلسطين كقضية كل الأمة الإسلامية، وكقضية كل العالم العربي إلى جانب كونها قضية الشعب الفلسطيني، لأن هذه القضية تجمع بين هذه الأصول الثلاثة الإسلامية العروبية الفلسطينية.

6- نجح المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي بواسطة مكتبته الجامعة المانعة، أن يقدم المشروع الإسلامي كبديل حضاري لكل أهل الأرض يسعى إلى إفشاء العدالة الاجتماعية العالمية، والسلام العالمي والكرامة الإنسانية العالمية، والحرية الراشدة العالمية، من خلال حكم إسلامي ذي سيادة وسلطان ومنعة على منهاج النبوة يملك القدرة على تجديد دوره الحضاري الذي كان، ويملك القدرة على الإبداع التكنلوجي واستثماره من أجل سعادة البشرية ورقيها، بعيدا عن جشع النظم الأرضية بمسمياتها المختلفة التي تعمل اليوم على تكريس هيمنتها وقهرها وعلوها في الأرض وجر الشعوب لفوضى الحروب وتجارة السلاح والتلاعب بخيرات الأرض ومناخها وكنوزها المدّخرة التي خلقها الله تعالى نعمة لا تحصى لهذه البشرية المتعثرة المترنحة في هذه الأيام.

7- لذلك فقد نجحت هذه المكتبة الجامعة المانعة، أن تقف بالمرصاد لكل من حاول أن يحرّف الفهم السليم للمشروع الإسلامي بادّعاء الانتصار لهذا المشروع، ولذلك لم تهادن هذه المكتبة الجامعة المانعة من تبنوا خط التكفير لغيرهم من دعاة المشروع الإسلامي وأبنائه، بكل المسميات القديمة والجديدة لأتباع هذا الخط التكفيري الذين غالى بعضهم وولغ في دماء المسلمين وأزهق أرواحهم، واستباح نهب ممتلكاتهم.

8- نجحت هذه المكتبة الجامعة المانعة أن تثري الحركة الأدبية بعدد من الدواوين الشعرية والمسرحيات الهادفة، مثل مسرحية (عالم وطاغية)، وكما يعلم الجميع فقد تحولت الكثير من قصائد هذه الدواوين إلى أناشيد تتردد على ألسن الكثير من فرق النشيد الإسلامي الملتزم، ولا تزال تتردد حتى الآن، على ألسنتنا جميعا، 

فمن منّا لم يردد ذات يوم:

مسلمون مسلمون مسلمون 
                        حيث كان الحق والعدل نكون

نرتضي الموت ونأبى أن نهون
                           في سبيل الله ما أحلى المنون

ومن منّا لم يردد ذات يوم:

تالله ما الدعوات تهزم بالأذى 
                         أبدا وفى التاريخ بر يميني

ضع في يدي القيد ألهب أضلعي 
                         بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكريَ ساعة  
                               أو نزع ايماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدى 
                          ربي وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصما بحبل عقيدتي 
                         وأموت مبتسما ليحيى ديني

9- وأرى من الضروري أن أؤكد أن هذه المكتبة الجامعة المانعة، لم تكن مجرد مكتبة جامدة، ولم تكن مجرد حبر على ورق، بل اجتهد فضيلة المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي أن يترجم كثيرا من الطروحات في هذه المكتبة إلى مشاريع عملية نابضة بالحياة، وإن سيرته الطويلة العريضة تؤكد لنا ذلك، فهو الذي وضع اللبنة الأولى لجامعة قطر، وهو الذي وضع الأسس المتينة التي قامت عليها كلية الشريعة في قطر، وهو الذي أسهم ببناء الصروح العلمية في ماليزيا والجزائر، وهو صاحب فكرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولعل ما نجهله هو أكثر مما نعرفه.

10- جعل المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي من مكتبته كبساط الريح الذي تجوّل به وأوصله إلى موقع كل جرح في مسيرة أمتنا الإسلامية وعالمنا العربي إلى جانب حمل هموم القضية الفلسطينية، فكان كالطائر الميمون أينما سقط لقط، وأينما حلّ حلّت ديمات الخير فسقت وأروت، ولذلك فقد التقيت به في مواقع شتى حول هموم شتى عندما كان غير محظور الالتقاء به والحديث معه..

وعلى سبيل المثال وليس الحصر، التقيت به في مؤتمر إسلامي عالمي لنصرة المسلمين في البوسنة والهرسك بعد المأساة التي حلّت عليهم، وقف من ورائها سفاحو الصرب ومن ساندهم من القوى الصليبية الغربية والشرقية، والتقيت به في مؤتمر إسلامي في لندن قامت عليه مؤسسة الدراسات الإسلامية برئاسة البروفيسور عبد الفتاح العويسي، وكانت رسالة ذاك المؤتمر نصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين، والتقيت به في احتفالية فتح القسطنطينية في إسطنبول خلال الأيام المباركة التي تعرفنا فيها على المرحوم البروفيسور نجم الدين أربكان..

والتقيت به في مؤتمر عالمي لنصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين في إسطنبول، قامت عليه لجنة القدس الدولية، والتقيت به في المؤتمر السنوي للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة في القاهرة، حيث كان يقف على رأس ذاك المجلس المرحوم شيخ الأزهر جاد الحق جاد الحق. ثمَّ انقطع التواصل مع المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي بعد أن حظرت ذلك المؤسسة الإسرائيلية، ولذلك وبناء على هذا الحظر فقد كانت إحدى بنود اتهامي في ملف (رهائن الأقصى) الذي بدأ عام 2003مـ، أنني قلت عبر الهاتف بمناسبة عيد الأضحى المبارك للمرحوم العلامة الشيخ القرضاوي: كل عام وأنتم بخير.

11- وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول: أسأل الله تعالى أن يرحم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وأن يكرمه بالجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثمَّ أعزي نفسي وأعزي الأمة الإسلامية والعالم العربي وشعبنا الفلسطيني بوفاته.

 المصدر: موطني48، 30-9-2022


نجم العلماء والدعاة


د. طارق سويدان
تاريخ النشر: أحد, 02/06/2022 

النجومية علم حديث، يمكن من خلاله تدريب الشباب ليكونوا رموزًا على مستوى الأمة، وقد ألَّفتُ فيه ودرَّسته لسنين، لكني لا أجد أفضل من أن يرى الشباب النجومية متمثلة في مثال عملي يرونه أمامهم، ولا أجد بين الأحياء اليوم أفضل من أستاذي وقدوتي د. يوسف القرضاوي، نجم الدعاة والعلماء.

النجومية هي الشهرة التي تتجاوز الحدود في مجال معين، واليوم العالم كله لا يعرف أشهر من د. يوسف القرضاوي نجمًا للعلماء والدعاة.

النجومية لها قيم أخلاقية وإيمانية ونفسية، تحفظ النجوم من سلبيات الشهرة، وخاصة الغرور.

وباحتكاكي لسنين طويلة، ومنذ كنت طالبًا في أمريكا أدير المؤتمرات التي شارك بها أستاذنا د. يوسف القرضاوي، وبعد ذلك من خلال المشاريع والمؤتمرات المستمرة؛ رأيت فيه قيم التواضع والإيمان، مع الثقة بالنفس، والشجاعة في المواقف، ورأيت فيه الثبات على الحق، والرجوع للحق عند الخطأ، ورأيت فيه حسن الاستماع، حتى لتلاميذه وصغار السن، ورأيت فيه المنهجية في التفكير، والوضوح في الطرح، ورأيت فيه حرصًا عاليًا على الأمة، ونهضتها، والدفاع عن قضاياها، وكلها قيم أصيلة تندر عند النجوم.

النجومية تتطلب المهارات اللازمة للعطاء، ود. يوسف القرضاوي متعدد المواهب والقدرات بشكل نادر بين النجوم.

.....

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي»

بعد العطش عثرت على ماءٍ روي!

د. مصطفى بولند داداش*
تاريخ النشر: ثلاثاء, 5/10/2022 
بعدما أكملت دراستي في إستانبول؛ عدت إلى بلدي «أورفا» المعروفة في كتب التاريخ الإسلامية بـ«الرُّهَا»، وعُينت واعظًا في حران مسقط رأس ابن تيمية، وهي آخر عاصمة للدولة الأموية في عهد مروان الثاني المشهور بمروان الحمار.

وكنت في الرابعة والعشرين من عمري، وكان علماء «أورفا» معروفين بتمسكهم بمسلك التصوف، ولم يكونوا يحبون ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حتى كانت طائفة منهم لا يتحملون سماع اسمه، وكانوا معتادين على مطالعة الكتب الصفراء - كما يقال - ولا يحبذون ما يأتي من المعاصرين من العلماء، مهما يكن علمهم غزيرًا، ومهما يكن قولهم صوابًا. 

وحينما ذكرت لهم بعض ما يقول الشيخ القرضاوي - بدون تصريح باسمه - يُعجبون به، ويسألونني من القائل؟ فإذا أجبت بأن قائله هو يوسف القرضاوي - وهو عالم مقيم بقطر - يقولون: إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من المعاصرين، ولا بد أنه أخذ من كتب القدماء، ولا يريد أن يذكر ممن أخذ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟

وكان واحد منهم أكثر مرونة وصاحب إنصاف، وكان واعظًا قديمًا تتلمذ على يد العلماء الكبار اسمه أحمد سرا أوغلو، وليس أقل علمًا من غيره من علماء بلدنا. زارني يومًا مع طائفة من الوعاظ في بيتي بحران، لم يكن يعرفني، ورأى مكتبتي مليئة بالكتب العربية، وهي ميزة في نظر المشايخ الذين لا ينطقون بالعربية، واعتبرت وجودهم في بيتي فرصة لتعريفهم بشيخي العلامة القرضاوي؛ فأخذت كتابًا من كتبه ولعله كان «الإيمان بالقدر»، وقرأت شيئًا منه، ثم أخذت المجلد الأول من «فتاوى معاصرة» وشنَّفت آذانهم بفتوى منه، وتعجبوا بما سمعوا، لا سيما أن الأستاذ أحمد أعجبه ما سمع، وطلب مني أن أعيره عدة كتب من كتب الشيخ..

أعطيته «الإيمان بالقدر»، وسلسة من كتب الصحوة الإسلامية، وكنت أقول في نفسي: ربما يُرجع الكتب إليَّ بعد عدة أشهر، ولكن الرجل اتصل بي بعد أسبوع وأخبرني بأنه قرأ جميع ما أخذ مني، وطلب مني كتبًا أخرى، وفرحت بما سمعت منه؛ لأنني كنت أعتقد أن علماء بلدنا لا بد أن يتعرفوا على الشيخ القرضاوي، هدية الرحمن إلى الأمة الإسلامية في هذا العصر.

وكان حالي كحال من تألم من العطش مع أحبائه، فعثر على ماءٍ روي، ثم أراد أن يسقي إخوانه وأحباءه، أو مَن وجد كنزًا وأحب أن يُشرك فيه مَن يحبه.

هذا كان شعوري وتعاملي مع أبناء بلدي من العلماء. ثم أعطيت الشيخ أحمد ما يريده من كتب الشيخ، وأذكر أنه قرأ المجلد الأول من الفتاوى في أقل من أسبوع، وصار مغرمًا به، وكان يسبقني إلى المكتبة الوحيدة التي تأتي بكتب الشيخ إلى «أورفا»، وكنت أرجع من المكتبة فارغ اليد؛ لأن الشيخ أحمد حضر إلى المكتبة، وأخذ الكتاب قبلي.

وكان موضوع كلامي معه دائمًا الشيخ القرضاوي، وكتبه، وماذا فعل الشيخ، هل خرج له كتاب جديد؟ هل استمعت إلى خطبته في الجمعة؟ لماذا لم يحضر في برنامج «الشريعة والحياة»؟ عساه بخير؟

وحينما وُلد حفيده سمَّاه بيوسف القرضاوي تيمنًا باسمه، مع دعائه الدائم بأن يجعل الله حفيده مثل سميِّه. وصار الشيخ القرضاوي - بحمد الله سبحانه وتعالى - خصوصًا بين الشباب من طلاب الشريعة معروفًا بكتبه القيمة وشخصيته العالية.

.....

* د. مصطفى بولند داداش خبير في المجلس الأعلى للشؤون الدينية بتركيا

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».

.




الجمعة، 30 سبتمبر 2022

نبضات المحبين (1)

نبضات المحبين 

 يأسرني في الشيخ حماسه

الشيخ الدكتور سلمان العودة

تاريخ النشر: الأربعاء, 03/02/2022 

يأسرني في الشيخ حماسه، وهو ما أسميه «الحُرقة»، حتى عندما يُلقى السلام - وهو أمر رتيب - يبدأ بحماس غريب: أحييكم بتحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام، وتحية أهل الجنة يوم يلقونه سلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فيبدأ الشيخ بهذه الروح، ويسكب من روحه وعاطفته وصدقه على الكلمات، ما يعطيها قبولًا وإشراقًا.

هذه الحرقة كيف يمكن الحصول عليها؟ قد تجد موسوعيين، ولكنهم مثل الموسوعات المركونة في المكتبات ليس فيها روح!

هذه الحماسة، وهذه الكاريزما في شخصيته، والجاذبية والتأثير الذي يُحدثه، والإبهار الذي يلاحظه من يشاهده وهو يتحدث أو يخطب.

ألم تصبك الرتابة والعادية وأنت تخطب فوق المنبر من عشرات السنين؟ لمَ لمْ تفقد الكلمات بريقها عندك، وقد تكررت في مناسبات شتى وظروف مختلفة؟!

هذه الروح، وهذه الحرقة، وهذا الحماس نحتاج أن نقتبسه؛ بحيث نجعل الجذوة تنتقل بالعدوى إلى الآخرين، وأظن هذا ما يقتبسه التلاميذ من الشيخ خلال القرب منه، إنه لا يتعاطى مع القضايا ببرود أو فتور أو آلية، وإنما بانفعال وحماس. ولا تكاد تحصل على هذه الروح من خلال الكتب، وإنما بالاختلاط والمجالسة والرؤية.

إنه التوفيق والإلهام في اختيار الكلام المناسب للمقام، في مؤتمرات ولقاءات واجتماعات للعامة أو للخاصة، أو لمحبين، أو لرسميين، أو لعلية القوم يتحدث بعفوية وبدون تحضير، فيقول: أفضل مما نزوِّر نحن ونرتب ونعدُّ!

أنا أحضِّر، ولا أحضر اجتماعًا أو برنامجًا أو غير ذلك بدون تحضير، وقد أُبالغ في الإعداد، ولا أجدني راضيًا عن أدائي.

أما الانسيابية في الفكر، والتسلسل اللطيف؛ فلدى الشيخ انسيابية في الفكرة؛ بحيث يبدو الكلام كما لو كان سردًا، ولكن إذا جاء أحد من بعده ليفرغ هذا الكلام، أو يضع له عناوين، يجد الكلام جاهزًا تمامًا للتفريغ، والعنونة، والعنصرة، والترقيم.

.......

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».



مع القرضاوي في معسكرات الشباب

د. عصام العريان رحمه الله*

تاريخ النشر: الخميس, 03/17/2022

لقد عرفت الشيخ وعرفناه كجيل منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولم يكن تأثيره فينا بسبب خُطَبه وكتبه فقط؛ بل اللقاء المباشر معه والمعايشة كان لهما أكبر الأثر في نفوس المجموعة التي تولت قيادة الشباب المسلم بالجامعات المصرية، والجاليات الإسلامية بالغرب، والتجمعات والجمعيات الإسلامية في مدن وقرى مصر؛ فللقدوة أثر كبير.

زارنا الشيخ القرضاوي في صيف عام 1974م في المعسكر الإسلامي الثاني للجماعة الإسلامية في جامعة القاهرة؛ ببذلته الإفرنجية، ويرتدي قميصًا بنصف كم وبنطالًا عاديًا، ولحية مهذبة، وروح مرحة، وشباب يتدفق (كان عمر الشيخ وقتها في الأربعينيات)، وألقى علينا محاضرة بمدرّج كلية الحقوق، حضرها آلاف الشباب من الجنسين، عنوانها «دور الشباب المسلم في خدمة الإسلام»، وتعلمنا منها أن واجبنا نحو الإسلام يتلخص في ثلاث كلمات.. حفظناها وحاولنا تطبيقها في حياتنا كلها، وهي: العلم بالإسلام، والعمل بالإسلام، والعمل للإسلام، أو الدعوة للإسلام.

كانت هذه المعسكرات تنعقد سنويًّا في إجازة الصيف، ويشارك فيها بضعة آلاف من الشباب المسلم، ذكورًا وإناثًا لمدة أسبوعين.. يقيم معظمهم إقامة دائمة في مبنى المدينة الجامعية، مقابل اشتراك مناسب، ويدرسون خلالها دراسات شرعية في القرآن وتجويده وتفسيره، والسنة وشروحها، والفقه وأصوله، والسيرة ودروسها، بخلاف محاضرات يومية صباحية ومسائية لكبار الدعاة والشيوخ وأساتذة الجامعات، وتخرّج في هذه المعسكرات آلاف تشبعوا بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، والرغبة في العمل لدين الله على بصيرة، ووفق منهج سلمي إصلاحي متدرج.

لا أتذكر عدد المرات التي حاضر فيها الشيخ القرضاوي في هذه المعسكرات، ولكنه بالقطع تنقل بين عدد منها؛ لعل أهمها القاهرة والإسكندرية وأسيوط.

ومن خصائص الشيخ (حفظه الله) أنه يعد لمحاضراته بصورة علمية ومنهجية، ويتميز بأسلوب إلقاء قوي ومؤثر، ويحرص على تلخيص فكرته في كلمات محددة وواضحة؛ بحيث تعلق بذاكرة الشباب. ثم أمر آخر أنه يُرَكِّز على الجانب العملي والتطبيقي؛ وليس مجرد طرح فكرة نظرية.

كان لمعايشة القرضاوي مع الشباب أكبر أثر؛ لأنه أبعد من التأثير البعيد بالكلام والحديث والخطابة، إلى الحوار والإجابة على الأسئلة والاستفسارات.

جال الشيخ في معظم مدن وجامعات مصر حينما كانت حرية الحركة مسموحًا بها، وعندما كانت صحته وظروفه تسمح له بذلك.

......

* نائب برلماني سابق والأمين العام المساعد السابق لنقابة أطباء مصر

-المصدر:«الشيخ يوسف القرضاوي إمام الوسطية والتجديد.. كلمات في تكريمه وبحوث في جهوده الفقهية وإنجازاته الفكرية.. مهداه إليه بمناسبه بلوغه التسعين».


  الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه

د. أحمد بن راشد بن سعيّد*
تاريخ النشر: ​ال​​​اثنين, 03/07/2022 
الهجوم الشرس على القرضاوي من دلائل سلامة منهجه، فقد ابتُلي الأنبياء والمصلحون عبر القرون بالشتائم والنبز بالألقاب. لكن الهجوم أتى بآثار عكسية.

التفّت الجماهير حول هذا الرجل التسعيني الذي قضى حياته في العلم والبناء والتأليف (أكثر من 170 كتابًا)، ودافعت عنه وتوّجته إمامًا.

سيذكر التاريخ يوسف القرضاوي جنبًا إلى جنب مع العلماء الأبرار؛ كالشافعي، وابن تيمية، والعز ابن عبد السلام الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

يُذكِّرني موقف القرضاوي وهو يواجه آلة التشويه ثابتًا على الطريق، معرضًا عن الجاهلين؛ بالحديث الجليل: «يحمل هذا العِلمَ من كل خلَفٍ عدولُه؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».



* أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود بالرياض

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».