‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاطمة الصمادي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاطمة الصمادي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

"خون‌خواهی": الثأر لدم المقتول في الخطاب الإيراني

"خون‌خواهی": الثأر لدم المقتول في الخطاب الإيراني


لا يمكن قراءة مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء في تشييع آية الله علي خامنئي وفي الخطاب الإيراني ضمن لغة التهديد السياسي أو العسكري المباشر فقط؛ فذلك كله يستند إلى مخزون أسطوري وديني عميق يمنح الانتقام معنى يتجاوز الردَّ الآني. وفي هذا المخزون، يصبح الدم ذاكرة والذاكرة تكليفًا والتكليف قابلًا للانتقال بين الأجيال إلى أن يتحقق القصاص




فاطمة الصمادي

باحثة وأستاذة جامعية أردنية مختصة في الشأن الإيراني، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة علامة طباطبائي في إيران. لها عدد من الكتب والأبحاث المتعلقة بالشأن الإيراني. تعمل حاليا باحثا أول في مركز الجزيرة للدراسات وتشرف على الدراسات المتعلقة بإيران وتركيا ووسط آسيا.

الرايات الحمراء المطالِبة بالثأر كانت الأكثر حضورًا في تشييع آية الله علي خامنئي (الصورة خاصة بالباحثة)


يعد مفهوم الثأر (خون‌خواهی(1)) من أكثر المفاهيم رسوخًا في الذاكرة الثقافية الإيرانية؛ إذ تتجاوز دلالاته معنى الانتقام الفردي لتؤسس لرؤية أخلاقية وسياسية تربط بين الدم والشرعية والعدالة. فمنذ الملاحم الإيرانية القديمة، مرورًا بالتراث الشيعي، وصولًا إلى الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية، ظل الثأر يُقدَّم بوصفه استجابة لاستعادة النظام الأخلاقي الذي اختلَّ بفعل قتل شخصية تتمتع بشرعية دينية أو أخلاقية. وقد برز هذا المفهوم بوضوح في الخطاب الإيراني عقب اغتيال آية الله السيد علي خامنئي، في فبراير/شباط 2026؛ حيث أعيد توظيف مفردات "خون‌ خواهی" و"الانتقام" بوصفها جزءًا من خطاب رسمي يؤكد أن الثأر ليس مجرد ردِّ فعل على حدث آني، وإنما مسؤولية تاريخية ودينية تتجاوز الأفراد إلى الأمة والدولة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الورقة الجذور التاريخية والثقافية لمفهوم "خون‌خواهی"، وتطوره من الموروث الإيراني القديم إلى الفكر الشيعي، ثم توظيفه في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية المعاصرة بوصفه أحد مرتكزات الشرعية والتعبئة السياسية.

دماء الصالحين

يرتبط مفهوم الثأر في الثقافة الإيرانية، سواء في جذوره القديمة أو في امتداده الشيعي، بفكرة الانتقام لدماء الشخصيات الصالحة والمظلومة، وهو ما يكشف عن استمرارية رمزية بين المخيال التاريخي لإيران القديمة والفلسفة التاريخية الشيعية(2). فالانتقام في هذا السياق لا يُقدَّم بوصفه ردَّ فعل شخصيًّا أو انفعالًا عابرًا بل بوصفه فعلًا أخلاقيًّا يعيد التوازن الذي اختلَّ بفعل الظلم والقتل.

وتظهر هذه الرؤية في واحد من أقدم النصوص الملحمية الإيرانية، "يادگار زريران"(3) (ذكرى زرير)؛ حيث يدخل بَستور، ابن القائد الإيراني زرير، ميدان الحرب للأخذ بثأر أبيه. ولا تتوقف دلالة القصة عند العلاقة بين الابن والأب؛ إذ يتحول دم زرير إلى قضية تتجاوز القرابة الشخصية، ويصبح الثأر جزءًا من الدفاع عن الجماعة وإيران والنظام القيمي الذي يمثلانه. وبذلك تضع الملحمة الانتقام في إطار تاريخي وأخلاقي: فالدم المسفوك يخلق تكليفًا لا ينتهي بمرور الزمن بل يبقى قائمًا إلى أن يُستعاد الحق ويُعاقَب القاتل(4).

1
تعد قصة "زريران" من أقدم النصوص الملحمية الإيرانية (المصدر: دائرة المعارف الإسلامية الكبرى)

ويتكرر هذا البناء بصورة أكثر وضوحًا في الـ"شاهنامة"؛ حيث تنطلق الحروب والقصص البطولية من الثأر لدم إيرج، وتبلغ ذروتها بالثأر لدم "سياوش"(5)، لتنتهي بمعاقبة أفراسياب والتورانيين وبدء مرحلة جديدة في التاريخ الإيراني. ويُلاحَظ أن هذا الثأر لا يُطلب لكل ملك أو أمير بل يقتصر على من تمنحهم الرواية شرعية أخلاقية؛ فلا يُثأر لجمشيد أو نوذر بعد فقدانهما "الفَرَّ الإلهي(6)/النعمة الإلهية" نتيجة الأنانية أو الظلم والجور.

2
في شاهنامة الفردوسي تنطلق الحروب ثأرًا لدماء الصالحين (المصدر: fitzmuseum)

لذلك تحرص الـ"شاهنامة" على بناء الصورة الأخلاقية لإيرج وسياوش قبل طرح مسألة الثأر لهما. فإيرج يُقدَّم شخصيةً معتدلةً، عاقلة ومحبة للسلام، فيما يظهر سياوش أميرًا طاهرًا قاوم الإغراء وأثبت براءته بعبوره النار(7). ومن ثم لا يكون مقتلهما مجرد موت لشخصيتين أسطوريتين بل انتهاكًا للنظام الأخلاقي نفسه، ويغدو الانتقام محاولة لإصلاح هذا الانتهاك وإعادة "داد"(8)، أي العدل والنظام، إلى العالم.

ومن هذه الزاوية، لا تنتهي قصة الانتقام بمقتل الخصم وحده؛ ففي المخيال الملحمي الإيراني يمثِّل القصاص نقطة عبور من زمن الفوضى إلى زمن جديد؛ فالثأر لسياوش، بعد الحروب الطويلة التي يخوضها الإيرانيون بقيادة رستم، ينتهي بالاقتصاص من أفراسياب على يد كيخسرو، ابن سياوش. وهنا يتحول الابن أو الوارث إلى حامل لمهمة تاريخية مؤجلة، ويصبح الزمن نفسه جزءًا من بنية الثأر: قد يتأخر القصاص، لكنه لا يسقط.

ويجد هذا التصور امتدادًا قويًّا في الفلسفة التاريخية الشيعية. ففي زيارة عاشوراء يُوصف الإمام الحسين بأنه "ثار الله"(9)، بما يمنح دمه موقعًا يتجاوز الثأر الشخصي والعائلي. ويتجلَّى المفهوم أيضًا في التطلع إلى الأخذ بثأره مع الإمام المهدي لتصبح المطالبة بالدم قضية ممتدة في الزمن، تنتقل من جيل إلى آخر، وترتبط بفكرة العدالة المؤجلة التي ستتحقق في نهاية المطاف.

ومن هنا، يمكن فهم الرمزية التاريخية للرايات الحمراء وشعار "يا لثارات الحسين". فالراية الحمراء تشير إلى دمٍ لم يُغلق ملفُّه بعد، وإلى ثأر لا يزال قائمًا، ولذلك ارتبطت بعدد من الانتفاضات والحركات التي شهدها تاريخ إيران والعراق بعد واقعة عاشوراء. وفي هذا السياق، لا تؤدي الراية وظيفة تذكارية فحسب بل تعلن استمرار التكليف التاريخي بالمطالبة بالدم.

3
"يا لثارات الحسين" الراية الحمراء تشير إلى دم لم يُغلق ملفه بعد (الصورة خاصة بالباحثة)

ولا يقتصر أثر هذه البنية على المجال الديني أو الأدبي بل أصبحت تمثل أحد الأطر المرجعية التي يستند إليها الخطاب السياسي في الجمهورية الإسلامية. فاستدعاء مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء لا يهدف فقط إلى استنهاض المشاعر أو التعبئة السياسية، وإنما إلى إضفاء معنى تاريخي وأخلاقي على الصراع الراهن، من خلال ربطه بسلسلة متصلة تبدأ بالملاحم الإيرانية، وتمر بكربلاء، وتنتهي بالأحداث المعاصرة. وبهذا الربط، لا يُنظر إلى الصراع الحالي بوصفه نزاعًا سياسيًّا منفصلًا، بل بوصفه حلقة جديدة في مسار تاريخي طويل يتجدد فيه الصراع بين العدل والظلم، ويصبح كل شهيد امتدادًا رمزيًّا لمن سبقه.

لقد أعادت الرسالة التي أصدرها آية الله مجتبى خامنئي، بمناسبة تشييع ودفن والده، آية الله علي خامنئي، تسليط الضوء على مركزية مفهوم "خون‌خواهی" (الثأر) في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية. فقد قدَّمت الثأر بوصفه امتدادًا لثأر الإمام الحسين وربطت بين دماء القادة المعاصرين ودماء شهداء كربلاء، وأكدت أن "الانتقام" ليس ردًّا انفعاليًّا على عملية اغتيال بل "مطلب الأمة" و"تكليفًا إلهيًّا" سيتحقق بغضِّ النظر عن وجود الأشخاص في مواقع السلطة. ويكشف هذا الخطاب عن حضور بنية فكرية عميقة تمتد جذورها إلى الثقافة الإيرانية القديمة والموروث الشيعي؛ حيث يتحول الدم إلى مصدر للشرعية، والثأر إلى التزام أخلاقي وديني وتاريخي ينتقل عبر الأجيال حتى يتحقق القصاص.

4
لافتة ضخمة رُفعت في تشييع آية الله علي خامنئي تطالب بالقصاص من قاتليه (الصورة خاصة بالباحثة)

وتنسجم هذه المقاربة مع البنية الفكرية التي تقوم عليها الثقافة الإيرانية والشيعية؛ حيث لا يُنظر إلى الدم بوصفه حادثة تنتهي بوقوعها، وإنما بوصفه منشئًا لتكليف تاريخي ينتقل بين الأجيال حتى يستوفي القصاص. فكما انتقل الثأر في "يادگار زريران(10)" والـ"شاهنامة" إلى الوَرَثَة، وكما أصبح الأخذ بثأر الإمام الحسين مشروعًا مؤجلًا في الوعي الشيعي، تُقدِّم رسالة مجتبى خامنئي دماء والده وسائر القتلى بوصفها دماءً تؤسس لمسؤولية جماعية مستمرة، وهو ما يفسر استمرار حضور مفردات "الدم" و"الثأر" و"القصاص" في الخطاب الرسمي الإيراني بوصفها أدوات لإنتاج الشرعية وتعبئة المجتمع، لا مجرد تعبيرات انفعالية مرتبطة بحدث آني.

ونجد في رسائل وبيانات مجتبى خامنئي جميعها خيطًا ناظمًا؛ حيث إن مفهوم الثأر والمطالبة بدماء الشهداء يمثل محورًا ثابتًا ومتكررًا في تلك الرسائل، ويمثل أحد المرتكزات الرئيسة في الخطاب السياسي والديني خلال هذه الحرب.

ويتجلَّى هذا بوضوح في الخطاب الذي قدَّمه رئيس منظمة الدعاية الإسلامية، محمد قمي، خلال ندوة "لاهوت الانتقام". فبدل الاكتفاء بتفسير الرايات الحمراء التي رُفعت في تشييع آية الله علي خامنئي بوصفها رمزًا للعزاء أو الحداد، أعاد تعريفها بوصفها إعلانًا عن استمرار "خون‌خواهی"، أي المطالبة بالثأر لدم الشهيد، واعتبر أن هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد من التأصيل العقدي والفقهي حتى يتحول إلى وعي اجتماعي راسخ. ومن هنا دعا إلى تدوين الأسس المعرفية لـ"لاهوت الانتقام" في مؤلفات علمية، بما يكشف عن محاولة واعية لتحويل مفهوم متجذر في الذاكرة الدينية والثقافية إلى نظرية سياسية قابلة للتدريس والتداول داخل المؤسسات الدينية والثقافية.

ويذهب قمي إلى أبعد من ذلك حين ينقل "خون‌خواهی" من مستوى الرمز إلى مستوى التكليف. فالانتقام، في تصوره، ليس استجابة انفعالية ولا قرارًا سياسيًّا يخضع للموازنة بين المصالح، وإنما "مأمورية إلهية" و"حكم شرعي" لا يجوز تعطيله أو تأجيله. كما لا يظل مسؤولية الأفراد وحدهم بل يتحول إلى التزام يقع على عاتق الدولة نفسها، لأن إرادة الشعب، عندما تنسجم مع الإرادة الإلهية، تصبح ملزمة لمؤسسات النظام. وبهذا تنتقل فكرة الثأر من المجال الرمزي إلى المجال المؤسسي؛ حيث تُعاد صياغتها بوصفها جزءًا من وظائف الدولة وأحد عناصر شرعيتها.

ويمكن تحديد عشرة مفاهيم يركز عليها الخطاب الحالي في الجمهورية الإسلامية فيما يتعلق بـ"الثأر":

1 - الرايات الحمراء رمزًا للثأر: الرايات الحمراء التي رُفعت في تشييع "القائد الشهيد" نجحت في إيصال مفهوم "خون‌خواهی" (المطالبة بالثأر للدم)، حتى إن وسائل إعلام دولية تساءلت عن دلالتها؛ مما يجعل هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد من التأصيل المعرفي والفقهي.

2 - بناء نظرية معرفية للانتقام: الدعوة إلى قيام علماء الحوزة بتطوير مفهوم الثأر.

3 - الانتقام تكليف شرعي وسياسي: استنادًا إلى رسائل القيادة العليا في إيران؛ حيث تعهَّد مجتبى خامنئي فيها بالأخذ بثأر الشهداء، ليؤكد أن الانتقام ليس خيارًا سياسيًّا بل واجبًا ملزمًا لا يترك مجالًا للتراجع أو التهرب.

4 - الانتقام أوسع من القصاص الفردي: مفهوم الانتقام يشمل القصاص من الآمرين والمنفذين، لكنه يمتد أيضًا إلى أهداف إستراتيجية، مثل "إخراج الولايات المتحدة من المنطقة وإنهاء الكيان الإسرائيلي"، من دون أن يُغني ذلك عن معاقبة المسؤولين المباشرين عن الاغتيالات.

5 - إرادة الشعب تُلزم الدولة: ظهور مطلب الثأر في الرايات والقصائد والمراثي والشعارات الشعبية يعني أن هذه الإرادة أصبحت إرادة عامة، وتتحول إلى تكليف على مؤسسات الدولة لا مجرد واجب فردي على المؤمنين.

6 - الانتقام حكم غير قابل للتعطيل: تنفيذ الانتقام ليس خاضعًا للمصلحة السياسية أو الحسابات الظرفية بل هو حكم يجب تنفيذه ولا يجوز تعطيله تحت أية ذريعة.

7 - وجود "بنك أهداف" واسع: وجود قائمة كاملة بالمسؤولين عن الجرائم، وذلك يدل على انتقال الملف إلى مرحلة عملية، وأن الأهداف لا تقتصر على قَتَلَة "القائد الشهيد" بل تشمل جميع المسؤولين عن اغتيال القادة والعلماء والمدنيين الإيرانيين.

8 - سَلْب الأمن من الخصوم: وهو ما نجده في عبارة وردت في رسالة لمجتبى خامنئي "عليهم أن يدفنوا حلم الموت الهادئ"، وتعني ضرورة حرمان الخصوم من الشعور بالأمن والاستقرار، وعدم السماح لهم بالعيش في طمأنينة.

9 - رفض تأجيل الانتقام: وقريبًا الواردة في الرسالة لا تعني الإرجاء إلى أجل غير محدد، وأن الانتقام واجب عاجل لا يقتصر على الحكومات بل يشمل جميع المؤمنين بل وكل الأحرار في العالم الذين يرفضون الظلم.

10 - الانتقام بوصفه "مهمة إلهية": اعتبار الانتقام سُنَّة إلهية وجهادًا مشروعًا، وأن من يُقتل في هذا الطريق يُعد شهيدًا، مستندًا إلى الرؤية القرآنية التي تجعل القصاص وسيلة لحفظ الحياة وإقامة العدل.


6
من الشعارات التي رُفعت في طهران وتؤكد على الانتقام (الصورة خاصة بالباحثة)

ويتم اليوم إعادة إنتاج البنية الثقافية القديمة في سياق سياسي معاصر. فإذا كان دم زرير في "يادگار زريران" ودم سياوش في الـ"شاهنامة" قد أنشآ التزامًا تاريخيًّا انتقل إلى الأبناء والأحفاد حتى تحقق القصاص، وإذا كان دم الإمام الحسين قد تحول في الفكر الشيعي إلى قضية مفتوحة تنتظر اكتمالها مع ظهور الإمام المهدي، فإن الخطاب الرسمي يعيد اليوم إدراج دماء القادة والعلماء والجنود والمدنيين الإيرانيين ضمن السلسلة الرمزية ذاتها. وبذلك تُمنح الأحداث الراهنة معنى يتجاوز سياقها الزمني، فلا تُقدَّم بوصفها خسائر حرب وإنما بوصفها لحظات مؤسسة لتكليف تاريخي جديد.

ومن هذا المنظور، يغدو "خون‌خواهی" أكثر من مجرد دعوة إلى الانتقام؛ إذ يتحول إلى إطار تفسيري شامل يعيد تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين الدين والدولة، وبين الذاكرة والسياسة. فالدم يصبح ذاكرة جماعية، والذاكرة تتحول إلى التزام شرعي، والالتزام يُترجم إلى سياسات وخطابات وممارسات تعبئة. وبهذه الآلية، يُعاد إنتاج الشرعية السياسية من خلال دمج الواقعة المعاصرة في سردية تاريخية ممتدة، بحيث يبدو الصراع الراهن استمرارًا لمعركة لم تنقطع، لا مجرد مواجهة فرضتها ظروف سياسية آنية.

تكشف المقارنة بين "يادگار زريران" والـ"شاهنامة" والمخيال الشيعي عن بنية ثقافية متكررة: شخصية صالحة أو مظلومة تُقتل، ودمها يتحول إلى دين تاريخي؛ ثم يظهر وريث أو جماعة تحمل مهمة الثأر، ويأتي القصاص بوصفه استعادة للعدل وبداية لمرحلة جديدة. ومن مفهوم "داد" في الثقافة الإيرانية القديمة إلى مبدأ العدل في الفكر الشيعي، يبدو الانتقام لدماء الصالحين في هذا المخيال تجليًا دنيويًّا للعدالة، ووسيلة لإعادة بناء النظام الأخلاقي بعد انتهاكه.

وعليه، فإن استدعاء مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء في الخطاب الإيراني لا يمكن قراءته فقط ضمن لغة التهديد السياسي أو العسكري المباشر؛ فهو يستند إلى مخزون أسطوري وديني عميق يمنح الانتقام معنى يتجاوز الردَّ الآني. في هذا المخزون، يصبح الدم ذاكرة والذاكرة تكليفًا والتكليف قابلًا للانتقال بين الأجيال إلى أن يتحقق القصاص.

مراجع

1 - خون‌خواهی هو مفهوم فارسي يعني "المطالبة بدم المقتول والثأر له"، ويشير إلى واجب أخلاقي وديني يهدف إلى استيفاء القصاص وإعادة العدالة، وقد تطور في الخطاب الإيراني من كونه قيمة ثقافية إلى مفهوم سياسي.

2 - احسان آریادوست، مسلم میرزاوند، بررسی نقش ایرانیان در خون خواهی (بحث دور الإيرانيين في المطالبة بدم المقتول)، شهرية صف، (آبان 1394)، ص60.

3 - "يادگار زریران" هو أقدم نصٍّ ملحمي فارسي باقٍ باللغة الفهلوية، (الفارسية الوسطى)، ويُرجَّح تأليفه في العصر الساساني اعتمادًا على تقاليد أقدم تعود إلى العصرين الأشكاني والأخميني، يروي مقتل البطل الإيراني زرير وثأر ابنه بستور له، ويُعد من أهم المصادر التي أرست مفهوم خون‌خواهی (الثأر) بوصفه واجبًا أخلاقيًّا ودينيًّا في الثقافة الإيرانية القديمة.

4- ژاله  اموزگار، یادگار زریران، (تهران: انتشارات معين)، 2013، صص 40-44.

5 - فردوسی "شاهنامه" داستان سیاوش/ قصة سياوش" القسم 14، موقع گنجور، (تاريخ الدخول: 19 يوليو/تموز 2026)، https://ganjoor.net/ferdousi/shahname/siavosh/sh14

6 - يستند هذا التصور إلى مفهوم محوري في الفكر الإيراني القديم هو "الفَرّ الإلهي" (فرّه ایزدی)، الذي يشير إلى النعمة أو الهالة الإلهية التي تمنحها السماء للملك أو البطل الشرعي، فتمنحه أهلية الحكم والقيادة والانتصار. ولا يُنظر إلى هذا "الفَرّ" بوصفه قوة خارقة فحسب بل بوصفه مصدر الشرعية السياسية والأخلاقية.

-7 Mohammad Jafar Amir Mahallati."Ethics of War and Peace in the Shahnameh of Ferdowsi."
Iranian Studies 48, no. 6 (2015): 905–931

8- "داد" هو مفهوم إيراني قديم يعني العدل والحق والنظام الأخلاقي، ويُعد في الفكر الإيراني أساس شرعية الحكم وغاية الثأر المشروع؛ إذ يهدف القصاص إلى إعادة "العدل" بعد أن اختل بفعل الظلم أو القتل. ومن هنا جاء اسم المحكمة باللغة الفارسية "دادگاه".

9- مفهوم‌شناسی «ثارالله» در زیارت عاشورا، (مفهوم «ثار الله» في زيارة عاشوراء.)وكالة مهر، 12 تير 1404 ش، (تاريخ الدخول: 19 يوليو/تموز 2026)، mehrnews.com/x38rhZ

10 - حمیدرضا پاشازانوس، «ایادگار زریران»، یادگاری حماسی از نبرد یزدگرد دوم(439-457 م.) با خیونی ها، «يادگار زريران»؛ أثرٌ ملحمي يخلّد معركة يزدجرد الثاني (439–457م) ضد الخيونيين، فصليةپژوهش علوم تاریخی، جامعة طهران الدورة 14، العدد 2 ،شهریور 1401ش، صص 7-12.

المصدر





الأربعاء، 11 يونيو 2014

إيران للعرب: ما الذي يضطرّنا لمحادثة "صبيَ" أمريكا؟


إيران للعرب: 
ما الذي يضطرّنا لمحادثة "صبيَ" أمريكا؟


بقلم: فاطمة الصمادي 
باحثة مختصة بالشأن الإيراني في مركز الجزيرة للدراسات

حدث، قبل سنوات، في جلسة نقاش بشأن العلاقات العربية الإيرانية، أن ضيفاً عربياً خاطب مسؤولاً إيرانيا له دوره السياسي والعسكري: لماذا لا تبادرون أنتم، وتحاورون جيرانكم (إخوانكم) العرب في الخليج؟
 ابتسم المسؤول الإيراني، وأجاب بعبارة مقتضبة: 
عندما نكون قادرين على التحدث مع المعلم (أميركا)، فما الذي يضطرّنا لمحادثة "صبيه"؟

وبعد التقارب الإيراني الأميركي، والمحادثات السرية وغير السرية، والتي قادت إلى صفقات جزئية، والتهيئة لأخرى شاملة، بدأ العرب يتدافعون فرادى نحو إيران التي كانوا يكيلون لها الشتائم، في تعزيز للصورة الذهنية المطبوعة في الذهن السياسي الإيراني عن العربي التابع.

بقيت العلاقة بين الجيران (العرب وإيران) محكومة بصورة كبيرة بالطريقة التي يرى كل طرف فيها الآخر، وكانت الصورة المتجذرة في عقل كل طرف محاطة بإشكاليات ثقافية واجتماعية وسياسية كثيرة.

ولا نجانب الحقيقة إن قلنا إن الخريطة الإدراكية المشحونة بالصراع والصور السلبية تعود، في جذورها، إلى ما هو سابق لحالات الصراع الحديثة بين الجانبين.
مع ملاحظة أن هذه الخريطة الإدراكية تبنى حينما يأتي السلوك رد فعل للواقع، كما يدركه الإنسان بكل تركيبته، ومن خلال ما يسقطه على هذا الواقع من رموز وذكريات، وأحقاد وتسامح، ونيّات، وأطماع ومخاوف، محتكماً إلى منظوماته الأخلاقية أو الرمزية، وأيضا الأيديولوجية.

وجه ما سمي "الربيع العربي" الذي تآمرت عليها حكومات عربية، وجاء مصحوباً بدماء بريئة، وبرغبة شبابية عارمة بالحرية والكرامة، وجه ضربة مباشرة للصورة القابعة في الإدراك الإيراني عن "العربي الذي لا يملك القرار" و"العربي المستلب من الخارج"، و"العربي الغارق في المال والجهل"، فقد وجد الإيرانيون، على اختلاف توجهاتهم، أنفسهم أمام صورة لم يعهدها إدراكهم عن العربي الخاضع الذي لا يثور، ولا يستطيع إنجاز ثورة تداني ثورتهم الإسلامية التي يتباهون بها.
كان من المحزن أن يجهز العرب أنفسهم على انتفاضات شبابهم معززين، بوعي أو من غير وعي، مقولة العربي "الصبي" المقيمة عميقاً في ذهنية الإيراني.

كان التقارب بين العرب وإيران عملاً تفرضه مقتضيات الجوار، ويجيب على تحدي الجغرافيا الذي يواجه الجميع، لكن التقارب، اليوم، يأتي في فترة تتعالى فيها نبرة القومية والتفوق الإيراني، بصورة لم تشهدها الجمهورية الإسلامية من قبل.

وفي الاندفاع نحو إيران، يواصل العرب الحديث عن "الأمة العربية"، "الأمة" المتخيلة، ولذلك، يواجهون الفشل تلو الآخر، لأن "الأمة"، وفقاً لنظرية "بندكت أندرسون"، لا يمكن تعريفها بالاستفادة من معايير وتعاريف "متخيلة" و"خارجية"، ممزوجة بكم من الحقائق الاجتماعية، وفقط، فالأمة، بدلا من ذلك، هي نوع من الاجتماع السياسي، وهي مقولة إبداعية ومحسوبة. ومقولات العرب اليوم بشأن "الأمة" لا تحمل صفتي: إبداعية ومحسوبة.

ولعل من مصائب السياسة العربية، أيضاً، أن الأطراف العربية التي رفضت فكرة تعزيز العلاقات مع الجارة إيران، وقت أن كان ميزان القوى يساعدها لتحقيق علاقةٍ تقوم على الاحترام، طالبت واشنطن، بـ"قطع رأس الأفعى"، عوضاً عن التقارب، لكنها اليوم تمضي في ذلك، فيما كفة الميزان تميل لمصلحة إيران، وبعد أن خسر العرب العراق بـ"جدارة"، يسلمون سورية التي لن تشفى من جراحها العميقة، وستكون العراق "مزحة" أمام الحالة السورية.

كان الخطاب الأيديولوجي داخلاً على الدوام في تكوين "الهوية القومية العربية"، وكذلك الحال بالنسبة لـ"الهوية القومية الإيرانية الحديثة"، ومن عجائب الحالة العربية، اليوم، أن ينبري كثيرون في تيار القومية العربية للدفاع عن المواقف الإيرانية، على الرغم من نبرتها القومية التي لم تعد خافية، وخرجت من تحت رماد شعارات الأخوة والوحدة الإسلامية.

لا يصدق على حالتنا هذه سوى ما خطه جورج أورويل، في روايته التي لن تتكرر "1984"، ونصه:
"تلك هي النتيجة الوحيدة التي ستلمسونها، لأنه لا يتوقع أن تحدث أي تغيرات محسوسة في المستقبل القريب، وفي ظل هذه الحال، نحن أموات، ولا حياة لنا إلا في المستقبل الذي سوف نسهم في بنائه، كذرات غبار أو كشظايا عظام. لكن، كم يبعد المستقبل عن حاضرنا؟ لا أحد يعلم، وما علينا في وقتنا الراهن إلا أن نوسع دائرة فكرتنا شيئاً فشيئاً.ولأننا لن نستطيع العمل بصورة جماعية، فلا سبيل أمامنا إلا أن ننشر أفكارنا، من فردٍ إلى فرد، ومن جيل إلى جيل".

المصدر

الأحد، 1 يونيو 2014

الحرس الثوري وروحاني.. الصدام الحتمي

الحرس الثوري وروحاني.. الصدام الحتمي


قوة ممتدة
دولة داخل الدولة
غض الطرف.. بشروط
فرص الصدام قائمة

قبل فترة وجيزة من اتفاق جنيف، كان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي يطلق مصطلح "الدبلوماسية المرنة الشجاعة" في اجتماع لقادة الحرس الثوري، الجهة القادرة أكثر من سواها على إجهاض محاولات التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية.

ولأول مرة في تاريخ العلاقة المحكمة بين مؤسسة المرشد ومؤسسة "الحرس" يطلب منهم عدم التدخل في السياسة، في تناغم مع ما طلبه روحاني في يوم سبق ذلك الاجتماع، حين قال إن الساحة السياسية ليست المكان المناسب لهم.
كل ذلك كان يمهد لقرارات على أعلى المستويات تجاه عدد من القضايا الحساسة وفي مقدمتها العلاقة مع أميركا وملف إيران النووي، وهو ما قد يُدخل مؤسسة الحرس في مرحلة جديدة، وهي المؤسسة التي لعبت -وما زالت تلعب- دورا سياسيا وأمنيا واقتصاديا إلى جانب دورها العسكري.
لأول مرة في تاريخ العلاقة بين مؤسسة المرشد ومؤسسة "الحرس"، يطلب منهم عدم التدخل في السياسة، في تناغم مع ما طلبه روحاني حين قال إن الساحة السياسية ليست المكان المناسب لهم
أسباب عديدة جعلت الحرس الثوري في إيران يقبل على مضض اتفاق جنيف. والحقيقة أن هذا الاتفاق لم يكن ليمر بدون موافقة من هذه المؤسسة، فقد قررت أن تمنح حسن روحاني هامشا من المناورة في هذه القضية الحساسة، مراهنة عليه كمفاوض محنك قد يتمكن من خلخلة وإضعاف سلسلة العقوبات التي أحكمت حلقاتها في السنوات الأخيرة، وعلى وجه التحديد عندما طالت قطاعي النفط والبنوك، وهو ما وجه ضربة مباشرة للاقتصاد الإيراني، ومنه اقتصاد الظل الذي يسيطر الحرس الثوري على جزء كبير منه.
قوة ممتدة
وعودة في التاريخ إلى الوراء، نجد أن حرس الثورة أنشئ ضمن شعار الحفاظ على الجمهورية والثورة الإسلامية، وإيجاد حالة من التعادل مع الجيش الإيراني الذي كان يعتقد الخميني أن الكثير من ضباطه لم يتخلوا عن ولائهم للشاه.

لكن الظروف السياسية والتحديات العسكرية التي شهدتها إيران، خاصة مع ما أوجدته الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، وما أبداه المنتسبون للحرس من تضحية وشجاعة في القتال، فتح المجال أمامه لدور في المجال الاقتصادي، ما لبث هذا الدور أن اتسع عموديا وأفقيا، خاصة مع الدور الذي لعبه على صعيد إجهاض العقوبات الاقتصادية التي فرضت على إيران. وإيجاد طرق ومداخل للالتفاف عليها.
وكذلك الدور الذي قام به على صعيد تأمين الاحتياجات الفنية والعسكرية للبرنامج النووي الإيراني، وهذا الدور أوصل البرنامج إلى مرحلة تجعل من إيقافه عملا في غاية الصعوبة.
وإن كان بعض الباحثين يرى أن الحرس "مؤسسة صغيرة داخل النظام، جسورة وترتكب الكثير من الأخطاء"، فإن الباحث علي آلفونه يعتقد أن الحرس لديه وجود عميق ومتنفذ في المؤسسة الحاكمة، ويعكس في عمله وجهة نظر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.
بل إن تطورات الساحة السياسة منذ عام 2009 وانتخابات الرئاسة العاشرة، وما رافقها من احتجاجات وما تبعها من نتائج، تجعل المتابع يذهب إلى أكثر من ذلك.
فقد برهنت هذه التطورات على أن هذه المؤسسة تلعب دورا أكبر من القيام بعملية "انعكاس" لما يراه المرشد، فهي تؤثر في قراراته، بل تصوغ من خلال حلقة المستشارين المحيطة به بإحكام، ما يشكل البنية الأساسية لأي قرار للمرشد في ملفات حساسة في مقدمتها الملف النووي، والعلاقة مع أميركا، وحزب الله، والعراق وسوريا.
تحوَّل دور الحرس مع الزمن وبفعل التحديات التي واجهتها إيران إلى مؤسسة أمنية عسكرية، وكان لهذا الجانب -تحديدا- دوره في جعل الحرس يدخل شيئا فشيئا إلى المجال السياسي والمجال الاقتصادي ويحرز دورا ونفوذا على هذين الصعيدين.
ولا يمكن إنكار الدور السياسي للحرس، لكن الدور الاقتصادي لا يقل عنه أهمية، إن لم يكن يتفوق عليه، وهو ما جعل الحرس ينظر بشكل مختلف إلى "اتفاق جنيف" كمدخل يمكن من خلاله كسر حلقة الحصار الذي بدأ يهدد مشاريعه.

دولة داخل الدولة
وتنبع أهمية الدور الاقتصادي من الوجود القوي للحرس في الاقتصاد الداخلي لإيران، وكذلك على صعيد التجارة الخارجية.

واستطاعت هذه المنظمة أن تنتقل من مشاريع صغيرة ومعدودة لإعادة بناء ما دمرته الحرب إلى مؤسسة تضطلع بمشاريع بنية تحتية وعمرانية كبيرة.
واستفاد "الحرس" من نفوذه في مجال الصناعات العسكرية، ودخل سوق "الحاجات اليومية" ذات المردود الجيد من خلال مؤسسات تجارية صغيرة خاصة منتشرة في كل أنحاء إيران.
لا يمكن إنكار الدور السياسي للحرس، لكن الدور الاقتصادي لا يقل عنه أهمية، إن لم يكن يتفوق عليه، وهو ما جعل الحرس ينظر بشكل مختلف إلى "اتفاق جنيف" كمدخل لكسر لحصار الذي بدأ يهدد مشاريعه
ورغم الجدل الذي يحيط بذلك، فإن النشاط الاقتصادي للحرس يأتي مدعوما قانونيا في نص دستوري واضح، فالمادة 147 من الدستور تفصل في الوظائف الاقتصادية لحرس الثورة "فالدولة في وقت السلام يجب أن تستفيد من الأفراد والتجهيزات الفنية للجيش في أعمال الإمداد، والتعليم والإنتاج والبناء، مع رعاية الموازين الإسلامية، وبما لا يمس بالجاهزية القتالية".
وللحرس أيضا نقاط بحرية تمتد على مسافة 1500 ميل على سواحل الخليج، وباتت تسمى في إيران "الأرصفة البحرية غير المرئية"، وتتهم هذه الأرصفة بأنها مجال واسع لتهريب البضائع إلى داخل إيران.
ويعتبر مرفأ "شهيد رجائي" في هرمزكان مركزا لتهريب النفط. وبدأ الفرع الاقتصادي للحرس الثوري المسمى "خاتم الأنبياء" بالسيطرة على مشاريع كبرى في قطاع النفط والغاز، والتي تبلغ قيمتها نحو عشرة مليارات دولار، علاوة على أكبر مشروع يتعلق بمراحل التطوير الثلاث لحقل الغاز العملاق "فارس الجنوبي".
وفي الوقت الذي لم تجد فيه وجهة النظر القائلة بضعف تأثير العقوبات ما يسندها من حجج منطقية، كانت وجهة النظر المعارضة تفرض حضورها مدعومة بالأرقام الصادرة عن مؤسسات اقتصادية داخل إيران وخارجها.
فالعقوبات كانت سببا رئيسيا في ارتفاع التضخم ليصل إلى 30% وفق أرقام البنك المركزي الإيراني، و35% وفقا لخبراء وأساتذة اقتصاد إيرانيين، و42% وفق تصريحات صدرت عن الرئيس الإيراني، مما "يجعلها نسبة مرتفعة للغاية إذا ما قورنت ببقية دول المنطقة، وربما بدول العالم بأسره".
ورافق ذلك ارتفاع نسبة البطالة إلى 13% وفقا لبعض الإحصاءات التي تعكس وجهة النظر الرسمية. وإن كانت إيران تحجم عن بيان المعدل الفعلي للبطالة إلا أنها لم تشهد منذ 1998 رقما من خانة واحدة لمعدل البطالة، التي ترجع في واحدة من أسبابها إلى تراجع الاستثمارات الحكومية والخاصة.
وإن كان معدل البطالة في العالم بالمتوسط يصل إلى 9.7% وفي المنطقة إلى 6.9%، فإن خبراء اقتصاديين إيرانيين يتحدثون عن معدل يتجاوز 25% في وقت يجب فيه أن ينخفض إلى 7%.
ولم يكن لاقتصاد يعتمد بصورة أساسية على عائدات النفط إلا أن يتأثر بشدة بالعقوبات، حيث انخفض تصدير النفط من 2.5 مليون برميل عام 2011 إلى 1.1 مليون برميل عام 2013 بنسبة تتجاوز 60%، وقاد ذلك إلى انخفاض عائدات إيران من النفط من مائة مليار دولار عام 2011 إلى 35 مليارا عام 2013.
وتراجع الإنتاج الإجمالي من النفط من أربعة ملايين برميل يوميا إلى 2.7 مليون، وصاحب ذلك تراجع كبير في قيمة العملة الإيرانية أمام الدولار والعملات الأجنبية.
ولم تتجاوز نسب النمو الاقتصادي 0% خلال العامين الماضيين. وهذه نتيجة مخيبة للآمال خاصة لواضعي وثيقة "الرؤية المستقبلية لعام 2025" التي تهدف لجعل إيران القوة الإقليمية الأولى، والارتقاء بها على كافة الصعد، ومن ضمن ذلك تحقيق نسبة نمو اقتصادي تبلغ 8% حتى ذاك العام.

غض الطرف.. بشروط
لم يتحرك روحاني باتجاه اتفاق جنيف بقراره المستقل، فقد حصل على ضوء أخضر من مرشد الثورة، وقرار المرشد جعل من الصعب على معارضي التقارب مع أميركا مهاجمة روحاني وإعاقة مساره.

ومارس الحرس بدوره نوعا من غض الطرف عن مغازلات روحاني للغرب واليهود في إطار سعيه إلى "تحويل التهديد إلى فرصة" والذي أدركت القيادة الإيرانية على مختلف مستوياتها -بما فيها الحرس الثوري- أنه لن يتم إلا بإجراء تغيير في الخطاب والسياسة الخارجية.
فبدأ الرئيس روحاني عهده بتهنئة اليهود في العالم أجمع بعيد رأس السنة العبرية (روش هشانه)، وبالرغم من مسارعة الحكومة الإيرانية إلى نفي ذلك، والتأكيد على أن الرئيس روحاني لا يمتلك حسابا على "تويتر"، فإن الوقائع تناقض تصريحات الناطق الحكومي.
فقد أُنشيء حساب روحاني على تويتر مطلع مايو/أيار الماضي وتحدث فعلا باسم روحاني في الانتخابات، وتضمّن معلومات دقيقة تتعلق بالموقف من عدد من القضايا، وأبرزها الحوار مع أميركا وضرورة إحداث تغيير في السياسة الخارجية الإيرانية.
ونشر هذا الحساب منذ ذلك التاريخ أكثر من 13 ألف تغريدة، بمعدل خمسين تغريدة في الأسبوع. جاءت التغريدات منسجمة مع دعوة روحاني إلى تغيير في السياسة الإيرانية بالداخل والخارج، ولم يصدر منذ ذلك التاريخ أي نفي لأي منها.
لم يرد في اتفاق جنيف ما ينص على الاعتراف بحق إيران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، طبقا للمادة الرابعة من معاهدة وكالة الطاقة الذرية، ولا يمكن اعتبار أن عبارة "استمرار التخصيب" التي وردت في الاتفاق تعني "الاعتراف رسميا"
وواصل الحرس الثوري سياسة غض الطرف لاحقا، عندما اختار روحاني "سيامك مرصدق" النائب اليهودي في البرلمان الإيراني، ليرافقه في زيارته إلى نيويورك. والحال نفسها عندما نشر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في حسابه الرسمي على "تويتر" مجموعة تغريدات تصب في الاتجاه نفسه، مشيرا إلى أن بلاده لا تنكر المحرقة، أو "الهولوكوست"، وأن الرجل الذي أنكر المحرقة قد غادر، قاصدا بذلك الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.
وذلك على عكس ما حدث مع أحمدي نجاد، الذي سعى -ورغم تصريحاته المستفزة بشأن إنكار المحرقة وغيرها- إلى فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة الأميركية.
وكذلك ما حدث مع محمد خاتمي (الرئيس الأسبق) الذي خرجت ضده مسيرات أكفان تندد بمحاولاته طي صفحة الخلاف مع الولايات المتحدة الأميركية، وتلقى نقدا لاذعا من قبل قادة الحرس.
ومع هذا يجب ألا نسرف في توقع استمرار أداء الحرس في هذه القضية على هذا المنوال، وقد بدأت أولى الإشارات إلى أزمة قادمة مع الرئيس روحاني في تصريحات لقائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري نشرها الإعلام الإيراني مؤخرا.
فالحرس وإن كان يريد مخرجا لأزمة العقوبات فإنه لن يسمح بتوسيع هامش استقلال القرار لمؤسسة الرئاسة وتوسيع صلاحياتها على حساب صلاحياته، وهي المحاولات التي لم يتهاون بشأنها مع الرؤساء السابقين.
وإذا ما استمر روحاني وطاقمه -وعلى وجه التحديد وزير خارجيته- في رسم مسار سياسي مستقل، فسيجد نفسه آجلا أم عاجلا يواجه نفس المعضلات التي واجهها رفسنجاني وخاتمي وحتى أحمدي نجاد نفسه في الفترة الرئاسية الثانية لكل منهم، فبعد أن نجح رفسنجاني في تعزيز مكانة الطبقة المتوسطة في فترته الرئاسية الأولى، كان في فترته الرئاسية الثانية يفقد السيطرة شيئا فشيئا على الوزارات الهامة والمؤسسات الأمنية.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت وزارة الاستخبارات تابعة بشكل فعلي -وإن كان غير معلن- للمرشد، وبمعنى أدق أصبحت محصورة في الحلقة المحيطة به، وجلها من الحرس، وهو ما اصطلح على تسميته في إيران بـ"بيت رهبري" أي بيت القائد، ومنذ ذلك الحين أيضا بدأت مأسسة القوى الموازية للحكومة.
وتكرر الأمر مع الرئيس السابق محمد خاتمي، ففي فترته الرئاسية الأولى نجح في تعزيز مكانته داخل المجتمع، وشهدت الحياة السياسية انفراجا لا يمكن إنكاره، انعكس على الأحزاب والجمعيات والمجتمع المدني.
لكن الأمر لم يستمر في دورته الرئاسية الثانية، حيث شكل اغتيال أكثر من سبعين شخصا جلهم من المفكرين ضربة كبيرة لمسيرة خاتمي.
ومع ثبوت تورط الاستخبارات الإيرانية، وجد خاتمي نفسه يواجه حكومة موازية، نجحت في إجهاض مخططه خاصة على صعيد نزع صفة العسكرة عن المجتمع الإيراني.
أما أحمدي نجاد فقد حاول أن يخضِع النشاط الاقتصادي للحرس لسلطة ورقابة الحكومة، لكنه لم ينجح، وبدلا من ذلك دخل في مواجهة مع المؤسسة الأقوى في إيران، ووجد نفسه في صراع مع البرلمان ومهددا بالإقصاء، واتهم تياره بـ"الانحراف" وما زال سيف المحاكمة مُصلتا على رقبته.

فرص الصدام قائمة
تريد مؤسسة الحرس إنجاز الاتفاق مع الغرب، ومنح ما جرى التوافق عليه في جنيف فرصة للنجاح، لكنها لن تسمح أن يأتي ذلك بدون شروطها وخطوطها الحمراء، خاصة فيما يتعلق بنفوذها وتأثيرها في الملفات الكبرى وفي مقدمتها الملف النووي.

ورغم حرص الجميع في إيران على إظهار تماسك الجبهة الداخلية فإن التصريحات الأخيرة تشي بانقسام لا يمكن تجاهله.
ففي الشهر الماضي قدم الجنرال جعفري تحذيرا واضحا لوزير الخارجية ظريف بأن "لا يتكلم في شأن ليس من اختصاصه ولا يفهم فيه".
ولم تستطع قيادة الحرس أن تخفي غضبها من تصريحات لظريف قال فيها "إن الإنسان الإيراني هو من يخيف الغرب وليست بعض الصواريخ"، وإن بلاده يجب أن تأخذ التهديد العسكري الذي تمثله أميركا على محمل الجد "فالدفاعات العسكرية يمكن تدميرها بسهولة".
قرأ الحرس في تلك التصريحات تجاوزا لا يُغتفر من "دبلوماسي من ذوي الخبرة، ولكن ليس لديه أي خبرة في المجال العسكري".
والحقيقة أن اتفاق جنيف فيه ثلاثة مآخذ من الممكن أن يستخدمها الحرس لمحاصرة فريق روحاني والضغط عليه، وهي:

- لم يرد في الاتفاق أية جملة تنص على الاعتراف رسميا بحق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، طبقا للمادة الرابعة من معاهدة وكالة الطاقة الذرية، ولا يمكن اعتبار أن عبارة "استمرار التخصيب" التي وردت في نص الاتفاق تعني "الاعتراف رسميا".

"الابتلاء بالغرب" هو العنوان الذي بدأ يتشكل وسيكون شعار الحرس في صدامهم مع روحاني الذي بدأ مبكرا، حيث سيجد نفسه بمواجهة القوى الموازية التي جرت مأسستها خلال السنوات الماضية
- عند الحديث عن الخطوات النهائية في الحل، وضعت مجموعة (5+1) ثلاثة شروط ليكون التخصيب جزءا من البرنامج النووي الإيراني، وهذه الشروط هي:

1- أن يكون محدودا من حيث المستوى والقدرة وحجم المخزون المخصب، ونطاقه وموقعه.
2-أن يخضع لرقابة مشددة.
3-إثبات الحاجة العملية له، وهذا الشرط تحديدا يعطي الجانب الغربي فرصة القول بأن الحاجة العملية لا تتطلب قيام إيران بالتخصيب داخل أراضيها، وذلك بسبب الحاجة إلى وقود للمفاعلات. وهذه الشروط تعكس في حقيقتها سعيا لتفكيك البنية التحتية لتخصيب اليورانيوم.

- نص اتفاق جنيف صراحة على ضرورة التزام إيران بقرارات مجلس الأمن الدولي. وهذا يعطي للقوى الغربية الحق بأن تطلب تعليق التخصيب حتى بالنسبة لما دون 5% الذي تم القبول به. وهو ما ينص عليه قرار مجلس الأمن.
 
وتمهيدا لاتفاق جنيف وفي سبتمبر/أيلول الماضي، قطع رأي المرشد بأن دور الحرس يجب أن يكون بعيدا عن السياسة، لكن قيادة الحرس اليوم ترى رأيا آخر نجده في آخر تصريحات جعفري حين قال "إن التهديد الرئيسي للثورة هو في الساحة السياسية، والحرس لا يمكن أن يبقى صامتا في وجه ذلك".

"الابتلاء بالغرب" هو العنوان الذي بدأ يتشكل وسيكون شعار الحرس في صدامهم مع روحاني الذي بدأ مبكرا، حيث سيجد نفسه بمواجهة القوى الموازية التي جرت مأسستها خلال السنوات الماضية.

وتتركز إدارة هذه القوى في حلقة أمنية مقربة من المرشد، ونفوذ هذه القوى على الصعد السياسية والاقتصادية هو ما سيجعل الصدام معها أمرا حتميا، إذا ما أراد روحاني أن ينفذ ما تضمنه برنامجه الواعد على هذه الصعد، ولم يستطع أن يدير العلاقة مع منافسه القوي بذكاء، وقد بدأت قوته ونفوذه يسولان له الاستحواذ على السلطة بكل أركانها.