‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلة المجتمع المقاومة الفلسطينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلة المجتمع المقاومة الفلسطينية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

حوار مع نجل الشيخ أحمد ياسين

حوار مع نجل الشيخ أحمد ياسين

نجل الشيخ أحمد ياسين لـ«المجتمع»: الصلاة بـ«الأقصى» قريبة جداً

 حوار:محمد العبدالله
كابد الأحداث، وعايش الحروب، ورأى الأهوال، حياته ليست كبقية الحيوات، فقد رأى الموت عياناً، ونجا منه بأعجوبة؛ قذف به صاروخ «إسرائيلي» 50 متراً في عملية اغتيال والده الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس» والأب الروحي لها، عقب صلاة الفجر في مارس 2004م، في حي الصبرة وسط مدينة غزة، ولم يستفق إلا بعد يومين من استشهاد والده.

استفاق عبدالغني النجل الأصغر للشيخ ياسين على فاجعة اغتيال والده، لكنه غالب اليأس واستقرت نفسه وبُعث فيها الأمل من جديد ليَحيا به ويُحيي معه آخرون، حيث قام مع أشقائه بإعادة منزل والده وترميمه، ليكون متحفاً ومزاراً عاماً يتردد عليه الجميع ليعرفوا بساطة الشيخ وزهده ومقتنياته ومكتبته.

لكنه أكد لـ«المجتمع» خلال حديثه لها، أنه عندما وصل لمنزل والده عقب معركة «طوفان الأقصى»، وجده قد تحوّل كغيره إلى ركام عبر روبوت متفجر، ولم يبقَ من مقتنيات الشيخ إلا النذر اليسير.


ومن خلال الصور التي حصلت عليها «المجتمع»، تظهر بقايا مقتنيات الشيخ ياسين مبعثرة ومقبورة تحت الركام، وقد بقي كرسي الشيخ المتحرك شاهداً على عجز أمة همدت تحت ركام الخوف، ومن تحت أنقاض الهلع تنظر بعين مرتجفة، تشاهد أطلال منزل الشيخ ياسين وغيره، ليكون شاهداً على سباتها وطول نومها.



وبقيت بعض كتبه التراثية والثقافية، حيث ظهر منها «المدونة الكبرى» لتدوّن هذه المرة ليس مسائل فقهية، لكن جرائم ارتكبت على مرأى من العالم، تدوّن خذلاناً وعالماً لا يرحم، ومنظمات حقوقية تكتفي بالمشاهدة فقط!
ظهر من بين الكتب «المجموع»؛ الذي شهد هذه المرة على تفرق وتشرذم وعي أمة نسيت قضيتها؛ التي كانت تتفاخر بمقاومة المحتلّ، وحينما جاءت «طوفان الأقصى» غرقت في أمواج المشاهدة والجدل والتنظير، ليتفرق وعيها من جديد بعد أن فاجأتها المعركة وكشفت زيف وضعف عدوها.

  • بداية، أنت عايشت الموت مراراً ونجوت من موت محقق أثناء عملية اغتيال والدك، لكن معركة «طوفان الأقصى» ليست كغيرها، فكيف عشتموها؟ وما انعكاسها عليكم؟
    - نعم، نحمد الله على النجاة، لكن أصبت بإصابة بالغة وأجريت لي عدة عمليات، وبدأت في التحسن.
    وعن معركة «طوفان الأقصى»، فالتأكيد ليس كغيرها من الحروب؛ هي الأشرس، فقد أخذت منا كل ما نملك؛ بيتي 3 طوابق، وبيت نجليّ أحمد ومحمود، وبيت الوالدة ومتحف الشيخ؛ الذي كان معلماً تراثياً وثقافياً لكل الناس.
    كما دمرت سياراتنا وأموالنا، وآخر شيء فقدت أغلى ما نملك ابني الثاني أحمد؛ الذي استشهد في المعركة، أما ابني الثالث محمود مصاب وما زال بالمستشفى ينتظر خروجه من غزة للعلاج والحمد لله على كل حال.
  • من خلال معايشتك لغزة وواقعها، صف لنا عن قرب نبض الشارع الغزاوي بعد إعلان وقف الحرب، وما يحدث من خروقات من قبل جيش الاحتلال.
    - الشعب الفلسطيني كله في حيرة، يترقب بخوف وحذر عودة الحرب، لكن يعيش في يقين وعلى أمل عودة فتح المعابر وإخراج الجرحى، وإدخال المعدات الثقيلة والمساعدات، لحاجة الجميع إلى إعادة بناء منازلهم قبل توغل فصل الشتاء علينا ببرده القارس الذي لا يرحم أحداً.

منزل الشيخ تم تفجيره بالكامل لهذا السبب

  • بعد كل قصف وغارة صهيونية تترد عبارة «تصعيد وانتهى»، لكن ماذا يعني ذلك على الأرض من خسائر لأهالي غزة؟

    - الغارة والقصف كخبر، ليس كدمار على الأرض، فالناس يتلقونه خبراً وحدثاً يومياً، أما أهالي غزة فيعني جرحاً جديداً وفقد حبيب، وعائلة جديدة تمحى من السجل المدني، وحتى اللحظة ما زالت العائلات تخرج جثامين أولادها من تحت الركام.
  • قدمتم شهداء كُثُراً بداية من الوالد مروراً بابنك حسام في «العصف المأكول»، ماذا عن بقية العائلة؟ وكيف انعكس ذلك على مسارها داخل القطاع؟
    - تم نزوح العائلة وجلوسها بالخيام وتدهورت حالة أولادي الصحية كثيراً، وبعد معاناة كبيرة، تم خروج زوجتي وبناتي للعلاج في مصر.

    وبقيت أنا وابني أحمد، ومحمود، لكن قدّر الله أن يتم اصطفاء ابني الثاني أحمد مقبلاً غير مدبر شهيداً، وابني الثالث مصاب وهو ما زال بغزة ينتظر الخروج للعلاج بمصر أو أي دولة.

    كما فقدنا من أولاد إخوتي أكثر من 8 شهداء، وهم أحفاد الشيخ، وطبعاً كل بيوتهم تم استهدافها وتدميرها.
  • ربما يسأل سائل في ظل ما حدث في المعركة: أين منزل الشيخ أحمد ياسين؟ وماذا حدث له؟ وكيف انعكس ذلك على نفوس أهل غزة؟

    - منزل الشيخ مثله مثل أي منزل في غزة، فقد تم زرع روبوت وتفجيره بالكامل، طبعاً أصابنا الحزن الشديد؛ لأن منزله كان بمثابة متحف ومعلم أثري لكل العالم، لكنه تم نسفه بالكامل ولم يبقَ أي ذكرى للشيخ ياسين.
  • هل متعلقات ومقتنيات الشيخ ياسين ما زالت باقية، أم دمرها الاحتلال في قصفه الغاشم؟ وهل تعمّد ذلك أثناء المعركة؟
    - منزل الشيخ أحمد ياسين تعرض للقصف مرتين خلال هذه الحرب، ففي المرة الأولى تم قصفه قصفاً جزئياً، لكن تم ترميمه.

فقدنا من أولاد إخوتي 8 شهداء وهم أحفاد الشيخ ياسين

وفى الثانية خلال اجتياح حي الصبرة؛ تم استهدافه بالكامل، ولم يبقَ أي ذكرى من مقتنيات الشيخ.

ولكي تكتمل الصورة في ذهن القارئ، فإن منزل الشيخ ياسين كان يتكون من 3 حجرات:

الأولى: كانت بمثابة مكتب الشيخ وخصصت لاستقبال الضيوف، وهي تلي مدخل المنزل مباشرة، وزينت جدرانها ببعض الصور القديمة للشيخ مع عدد من الشخصيات الوطنية الفلسطينية كالرئيس الراحل ياسر عرفات وغيره.


الثانية: تضم سرير الشيخ وما تبقى من كرسيه المتحرك؛ الذي استشهد على متنه، وحاملاً حديدياً كان يستخدمه بمساعدة أحد أبنائه لقراءة القرآن.

الثالثة: وتضم مئات الكتب الدينية والثقافية التي كان يمتلكها الشيخ قبل أن يودع سجون الاحتلال نهاية الثمانينيات.

المقاومة فكرة.. والفكرة لا تتجزأ في أي زمان أو مكان

ويفصل بين الحجرتين ممر صغير استغلّ لوضع الهدايا والدروع؛ التي تسلمها الشيخ من المؤسسات العربية والفلسطينية، ولكن كل ذلك انتهى بسبب ما اقترفه الاحتلال من جرائم.

  • من خلال خبرتك في القطاع الزراعي، هل يوجد قطع أرض صالحة للزراعة في غزة بعد «طوفان الأقصى»؟ وما التحديات التي تواجهكم حالياً؟
- لا يوجد أي أرض صالحة للزراعة في جميع القطاع؛ بسبب المواد الكيميائية المتفجرة التي استخدمها الاحتلال وأدى إلى فساد الأرض وأهلكت الحرث والنسل، فعلى مدار عامين لم ترَ الأرض ولم تروَ إلا بالدماء، ولم يزرع فيها إلا الألغام والمتفجرات وعظام الموتى.

  • قضية تحرير الأسرى قضية معقدة وموجعة، حدثنا عمن عادوا للقطاع بعد تحريرهم، ولم يجدوا منازلهم ولا عوائلهم. 
    - المشهد أكبر من أن يوصف، فالشعور بالصدمة والقهر وتدمير غزة، أفقد الأحبة فرحتهم، وغطّى على فرحة الخروج من الأسر، بسبب فقد عوائلهم وأحبائهم ومنازلهم، كل شيء قد تغيّر.
  • أخيراً، ومن خلال معايشتك لوالدك، ماذا كنت تتوقع من نصائح صادقة لو كان حيّاً بيننا الآن وشهد «طوفان الأقصى» بكل أهوالها؟
    - بالتأكيد كان سيؤكد عدم تسليم سلاح المقاومة، وأن الاحتلال إلى زوال، وسوف يتم تبييض السجون؛ لأن المقاومة فكرة، والفكرة لا تتجزأ في أي زمان أو مكان، ويقيناً بالله الصلاة بـ«الأقصى» قريبة جداً وهو محرر يقيناً من دنس الصهاينة.

اقرأ أيضاً:

كيف هز الشيخ أحمد ياسين بكرسيه عرش الاحتلال؟

أحمد ياسين.. الشيخ القعيد الذي تنبأ بزوال «إسرائيل»

الشيخ أحمد ياسين.. قائد استثنائي وملهم الأجيال


الأربعاء، 8 أكتوبر 2025

أيها المنهزمون.. اتركوا الساحة لأهل الجهاد في فلسطين!

 أيها المنهزمون.. اتركوا الساحة لأهل الجهاد في فلسطين!


مركز المعلومات وإدارة المعرفة


جاءت قمتا شرم الشيخ والعقبة الأخيرتان ضمن حلقات تطويق القضية الفلسطينية بغية الإجهاز عليها وإغلاق ملفها لصالح العدو الصهيوني.

وقد تمكن الإرهابي شارون -بمساعدة الولايات المتحدة- من الحصول في هاتين القمتين علىٰ شهادة من أكبر دولة عربية رسمية بإدانة عمليات المقاومة التي يخوضها الشعب الفلسطيني لتحرير ترابه واسترداد حقوقه، كما حصل علىٰ الشهادة نفسها من رئيس حكومة السلطة محمود عباس.

الرئيس المصري: سنستخدم جميع الوسائل المتاحة وقوة القانون

 لمنع وصول أي دعم للجماعات غير الشرعية!

ففي قمة شرم الشيخ قال الرئيس المصري«سنستخدم  جميع الوسائل المتاحة وقوة القانون لمنع وصول أي دعم للجماعات غير الشرعية ومن بينها المنظمات «الإرهابية»، وقال في موضع آخر: «نحن نؤيد إصرار السلطة الفلسطينية علىٰ الوفاء بمسؤولياتها في إنهاء العنف وحفظ الأمن والنظام».

أما في قمة العقبة فقد أعلن محمود عباس 

في كلمته أنه: «لا يوجد حل عسكري لصراعنا، ونكرر إدانتنا ورفضنا للإرهاب والعنف ضد "الإسرائيليين" أينما كانوا، وسنبذل كل إمكاناتنا لتنتهي عسكرة الانتفاضة وسننجح».

وقد جاء هذا الموقف الخطير لينزع -للمرة الأولىٰ في تاريخ القضية الفلسطينية- عن الشعب الفلسطيني حقه في رد الاعتداء والمقاومة لتحرير بلاده، وهو الحق المقرر والثابت في القانون الدولي..

والخطير في ذلك أن الإدانة والاستنكار للمقاومة تأتيان من الطرف العربي والفلسطيني، بل ويلتزم هذا الطرف بالقضاء علىٰ المقاومة واقتلاع تيار الجهاد والاستشهاد الذي يطلقون عليه زورًا «الإرهاب»!

وهكذا تحول الموقف الفلسطيني وحكومة السلطة -بقيادة محمود عباس ميرزا- من الموقف المساند والداعم للمقاومة الفلسطينية إلىٰ موقف الخصم المحارب الذي تعهد أن يقوم –نيابة عن العدو– بالإجهاز عليها، وتلك مصيبة جديدة تلحق بالقضية الفلسطينية على أيدي الذين يفترض فيهم أن يكونوا جندًا لها، ولكنه الانهزام والهرولة والطاعة العمياء للمخططات الصهيونية.

وفي المقابل، بدا  -الإرهابي شارون -الغارق حتىٰ أذنيه في دماء أهلنا في فلسطين- في أوج عنجهيته وصلفه، فلم يلتزم بشيء ذي معنىٰ حيال حقوق الشعب الفلسطيني، وإنما أكد يهودية الدولة وهيمنتها، وكرر موافقته علىٰ مشروع «خريطة الطريق»، وفق الشروط التي وضعتها حكومته والتزمت واشنطن بمراعاتها وهي أربعة عشر شرطًا تتركز في التزام حكومة محمود عباس بالقضاء علىٰ المقاومة المسلحة، وتفكيك بنيتها التحتية، دون فرض قيود –في المقابل– علىٰ تحركات الجيش الصهيوني في الاجتياح والقتل اليومي للفلسطينيين، وأن تكون الدولة الفلسطينية بحدود مؤقتة ومنزوعة السلاح، والتنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين في الخارج الذين يقارب تعدادهم خمسة ملايين، والتنازل عن القدس الشريف والمسجد الأقصىٰ.

وقد كان شارون متشددًا، وفي غاية الصلف في اللقاء الذي تم بينه وبين محمود عباس في 29/ 5/ 2003م قبيل القمتين، وفي شروطه بشأن خريطة الطريق، بل إنه استبق ذلك الاجتماع بساعات قليلة بالتأكيد أن حكومته «لن تتخلى عن القدس أبدًا» وذلك في حفل أقامته الحكومة بمناسبة ما سُميَ «بيوم القدس» لإحياء ذكرىٰ ضم القسم الشرقي من المدينة في أعقاب حرب يونيو 1967م.

وهكذا بدت الصورة في الأيام الأخيرة..

تنازل وتسليم وهوان من الجانب العربي، وتمكين واستحكام للجانب الصهيوني بدعم أمريكي، لكن دوام الحال من المُحال، فإن كانت أكثر الأنظمة الرسمية قد هانت عليها فلسطين لهذه الدرجة فإن قوىٰ المقاومة الفلسطينية -وعلىٰ رأسها حركة حماس وتيار الجهاد والاستشهاد الذي يسري في شعوب الأمة- رفضت ذلك واستعدت له، وإن الشعوب المسلمة -وفي القلب منها الحركات الإسلامية- تدرك جيدًا ما يحاك للقضية، وتعي جيدًا أن مشاريع ما يُسمَّىٰ بالسلام -التي تتوالىٰ علىٰ المنطقة منذ عقود واللجان التي يتم تشكيلها والاجتماعات التي يجري عقدها والوفود الغربية التي يدفع بها إلى المنطقة- ليس هدفها علىٰ الإطلاق تحقيق السلام الذي يزعمونه ولا إقامة دولة فلسطينية أو حتىٰ إقرار الحقوق المشروعة التي أقرتها ما تُسَمَّىٰ بالشرعية الدولية في الأمم المتحدة وإنما لها هدف واحد هو اقتلاع تيار الجهاد من أرض فلسطين، وإبادة المقاومة الفلسطينية المجاهدة تمامًا، بعد أن ألحقت بالعدو خسائر لم يمن بها خلال حروبه المتعددة مع جيوش الأنظمة العربية مكتملة، وبعد أن صارت هذه المقاومة تزلزل كيانه وتدك أوصاله وتهدده بالزوال.

شكَّل الاستعمار الإنجليزي اللجان العديدة للضحك علىٰ

 العرب

ولا شك أن القضاء علىٰ روح الجهاد بين الشعب

 الفلسطيني وإبادة تيار المقاومة، هدف صهيوني

 استعماري قديم، فمنذ وطئت أقدام العصابات الصهيونية أرض فلسطين، وجل الأهداف الاستعمارية ضرب الثورات والانتفاضات المتتالية والقضاء علىٰ حركات الجهاد المسلح في مهدها، ومن يراجع سجلات القضية يكتشف بسهولة أن التاريخ اليوم يعيد نفسه، فمنذ عام 1921م –حين انتفض أهل فلسطين لأول مرة ضد مخططات بريطانيا لتمكين اليهود من فلسطين– وحتى اليوم شهدت الساحة الفلسطينية تشكيل لجان عديدة ضحك بها الاستعمار الإنجليزي علىٰ العرب، وأوهمهم أنها لتحقيق السلام وإحقاق الحقوق الفلسطينية، ومن هذه اللجان: لجنة «هيكرافت»، ولجنة «والترشو» ولجنة « جون كامبل»، ولجنة «بيل»، وكلها شهدت في تقاريرها بمدىٰ الظلم والإجحاف الذي حاق بالعرب في فلسطين، ولكن نتائجها كانت صفرًا، وثبت أنها شكلت لتخدير الشعوب العربية وإطفاء الانتفاضة المشتعلة على أرض فلسطين، وللأسف الشديد فإن أطرافًا عربية رسمية كانت أدوات طيعة في أيدي بريطانيا لإخماد هذه الانتفاضات المتتالية وخذلان الحق الفلسطيني.

النكبة الفلسطينية وقوى الاستعمار

ومنذ بدايات النكبة الفلسطينية 
وقوىٰ الاستعمار تنظر إلىٰ مقاومة شعبنا الفلسطيني للدفاع عن حقوقه علىٰ أنها إرهاب ووحشية.

وليس أدل علىٰ ذلك من قول المندوب السامي البريطاني في فلسطين عام 1929 في بيان رسمي يصف فيه الانتفاضة: «راعني ما علمته من الأعمال الفظيعة التي اقترفتها جماعات من الأشرار سفاكي الدماء عديمي الرأفة، وأعمال القتل التي ارتكبت في أفراد من الشعب اليهودي، إن هذه الجرائم أنزلت على فاعليها لعنات الشعوب المتمدنة في أنحاء العالم قاطبة»! 

(محاضرات في تاريخ قضية فلسطين، ص 223)

فهل اختلفت نظرة استعمار الأمس عن نظرة الاستعمار اليوم؟!

الحروب الصليبية التي تقطر حقدًا وسُمًا علىٰ العرب والمسلمين

إنها نظرة واحدة مشبعة بروح الحروب الصليبية التي تقطر حقدًا وسُمًا علىٰ العرب والمسلمين والإسلام، وترىٰ من منظارها الأعور الأسود الشعب الضحية الذي احتلت أرضه وخربت دياره وشرد في بلاد الدنيا، تراه مجرمًا إرهابيًا سفاحًا لمجرد أنه يطالب بوطنه، بينما ترى المجرم المحتل سفاك الدماء من أهل السلام!

إن المسلمين اليوم حكامًا وشعوبًا مطالبون بأن يعوا دروس التاريخ، ويدركوا ما يبيت لهم وما يحاك ضدهم من مكائد ومخططات ماكرة لجرهم خطوة خطوة إلى التنازل عن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، فعليهم أن يحذروا من ابتلاع الطُّعم، وأن ينفضوا الخوف والذل عن كاهلهم ويرصوا صفوفهم إلى صفوف المجاهدين الذي نذروا أنفسهم –دون رجعة– لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، واسترداد القدس والمسجد الأقصى.

وليعلم الجميع أن الله لن يخذل جنده، وأن الغلبة لله ولرسوله والمؤمنين؛ (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة: 21)، (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر: 51)(1).

(1) نُشر بالعدد (1555)، 14 ربيع الآخر1424هـ/ 14 يونيو 2003م، ص9. 

للمزيد:  

- القدس ستبقى همنا الأكبر مهما كثرت المشكلات

- محاولة لفهم الجذور الثقافية للتأييد الأمريكي المطلق لـ«إسرائيل»

الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

غزة وخسوف القمر.. «شيزوفرينيا الإيمان» على الأرض!

 

غزة وخسوف القمر.. «شيزوفرينيا الإيمان» على الأرض!

محمد العبدالله

في ليلة استثنائية، تسابق الناس إلى المساجد مع إعلان خسوف القمر، امتلأت الصفوف، وارتفعت الأيدي بالدعاء، ووقف الأئمة بأوامر إدارية من وزراء الأوقاف يؤمون المصلين في صلاة غابت عن حياتنا لعقود.

بدا المشهد وكأنه عودة إلى سُنّة غُبرت في بطون الكتب، فاستعادها الناس بحماس المجرِّب الجديد، فكانت الظاهرة الفلكية حدثًا روحيًا، وصارت السماء مرآة تتأملها الأرض.

لكن في اللحظة نفسها، وعلى مرمى البصر من كل شاشة تُبث منها صور الخسوف، كان هناك شاشات أخرى تنقل مشهداً آخر؛ مشهداً يمتلئ بالغبار والنار؛ دماء تُراق، وأطفال يُنتشلون من تحت الركام، وأمهات يصرخن ولا مغيث، إنها غزة التي أوشكت على الخسوف الكلي، لولا أنها تتمسك بخيوط الأمل البادية من عزائمهم الصلبة.

العجيب أن هناك أوامر نبوية أصرح وأوضح من صلاة الخسوف؛ «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»، «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، أوامر حملت وزنًا أثقل من الظواهر السماوية، لكنها تُركت على رف اللاوعي.

التناقض يبدو صارخاً، فكيف امتلأت المساجد في دقائق لأداء طقس عارض يدخل في فروض الكفايات، بينما الفراغ يخيّم على ساحات النصرة والنجدة التي هي من فروض العين؟!

وكيف تحركت الجموع إلى طقس شعائري وقتي، بينما لم تتحرك لنصرة شعب تُسحق إنسانيته يوميًا؟ أهو تدين انتقائي؟ أم ازدواجية وعي تجعلنا نتمسك بالقشور ونتجاهل اللباب؟

الخسوف الذي غيّب القمر لساعات، كشف عن خسوفٍ أعمق؛ خسوف في الضمير الجمعي، حيث يتجلى التدين في الطقوس، ويغيب عند المواقف الكبرى، ازدواجية قاسية، حيث الخشوع لله في ظاهرة كونية عابرة، وفتور وتراخ أمام كارثة إنسانية مستمرة.

وهنا يصبح السؤال أكثر حرقة: هل نحن أمام يقظة روحية حقيقية، أم أمام «شيزوفرينيا إيمانية» تفضح علاقتنا المرتبكة مع أوامر ديننا؟

اللافت أن هذه الظواهر الكونية تكشف حقيقة ميزاننا الداخلي، فهي ليست مجرد علامات في السماء، بل كاشفات لما في الأرض: قلوب تتحرك لظل القمر، ولا تتحرك لأشلاء البشر!

فإذا كان الهدف من صلاة الخسوف أن نتذكر عظمة الله، فكيف ننسى أن عظمته تتجلى أيضًا في نصرة المظلوم وإغاثة المستضعف؟! وإذا كان من الحكمة أن يهرع الناس للدعاء حين يخسف القمر، فالأوجب أن يهرعوا ألف مرة حين يخسف الظلم بأمة كاملة.

مقارنات وتناقضات

في دول إسلامية كثيرة، أعلنت الوزارات المسؤولة عن المساجد والدعوة رسميًا إقامة صلاة الخسوف، وامتلأت عشرات المساجد الكبرى بالمصلين في عواصم عربية وإسلامية، أرقام الحضور حسب رصد الصحافة المحلية في كل دولة تجاوزت عشرات الآلاف في ليلة واحدة.

لكن ماذا عن غزة؟ أين الدعوات الرسمية لمسيرات رمزية في المساجد الكبرى تضامنًا مع أهلها؟ أين بيانات تلك الوزارات نفسها التي تحض الناس على إغاثة المكلومين؟ كيف يخرج المسؤول ليأمر بإقامة صلاة الخسوف، بينما لا يحرك ساكنًا حين يسقط آلاف الأطفال تحت القصف؟ لماذا إلى الآن لم تخصص جمعة واحدة في بعض دولنا الإسلامية للحديث عن غزة ومصابها، أو الحديث عن الصهاينة وغدراتهم؟!

حتى ساحات المساجد الكبرى في عالمنا الإسلامي، التي هي مهوى أفئدة المسلمين جميعاً، شهدت صلاة الخسوف بخشوع عظيم، في مشهد روحاني يليق بمكانتها، لكن غزة لم تشهد نفس الساحات حملة كبرى لدعمها، ولا حتى دعاءً جماعيًا مركزًا يليق بالكارثة، مفارقة تصرخ بأعلى صوت: نحن نجيد الانفعال مع القمر، ونفشل في التفاعل مع الدم!

أما عن التبرعات، ففي دول عربية جمعت المساجد آلاف المصلين في ساعة، بينما لم تجمع حملات الإغاثة لغزة إلا القليل من الأرقام الرسمية، على الرغم من أن معاناة غزة تجاوزت حدود التصور.

إنها المقارنات التي تفضح الفارق بين دين الطقوس ودين القيم، بين عبادة تُؤدى ساعة، وواجب يُهمل عمرًا!

خسوف غزة


غزة اليوم تعيش خسوفًا أعظم من خسوف القمر، فبينما يخسف القمر لسويعات ثم يعود بدرًا منيرًا، خسفت غزة لشهور متواصلة، وما عادت تعرف النور.

أكثر من 60 ألف شهيد، نصفهم من النساء والأطفال، وفق وزارة الصحة، و120 ألف جريح، كثير منهم بلا دواء ولا أمل في علاج، مئات الآلاف شُرّدوا من بيوتهم، يفترشون المدارس أو العراء، محرومين من الماء والكهرباء والغذاء.

الصور القادمة من هناك لا تحتاج إلى شروح، طفل يخرج من تحت الركام لا يجد من يناديه باسمه، أُمٌّ تبحث عن رضيعها بين أكوام الغبار فلا تجد إلا أجزاء من ملابسه الملتصقة بقطع من لحمه، مستشفى الشفاء وقد تحوّل إلى مقبرة جماعية، إنه الخسوف الأعظم، خسوف العدالة والرحمة والإنسانية.

أمام هذه المشاهد، يبدو امتلاء المساجد بصلاة الخسوف وكأنه مرآة جارحة: نحن قادرون على الحضور، على البكاء، على الخشوع، لكننا عاجزون عن تحويل ذلك الإيمان إلى فعلٍ عملي، إلى نصرة حقيقية، إلى جهاد بالمال والموقف.

«آمين» المعطلة


قد يقول قائل: ولماذا هذه الحملة؟ أليس الأمر بصلاة الخسوف والدعاء أمراً نبوياً؟ أتريدنا ألا نتفاعل مع أوامر النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم أليست مناسبة للدعاء الجماعي لأهل غزة وغيرهم من المستضعفين والتأمين خلف أئمتنا؟ ثم ماذا نفعل نحن وأقصى ما يمكننا فعله هو الدعاء؟!

وتلك مغالطات أشنع، مغالطات مبنية على عدم فهم واضح لأولويات هذا الدين، الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبًا أقدس مكان فيه وهو بيت الله الحرام في الحديث الذي رواه عبدالله بن عمر، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يطوفُ بالكعبةِ وهو يقول: «ما أطيبَكِ وأطيبَ ريحَكِ! ما أعظمَكِ وأعظمَ حُرمَتَكِ، والذِي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ لَحُرمَةُ المؤمنِ أعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللهِ منكِ؛ مالُهُ ودَمُهُ، وأنْ يُظَنَّ بهِ إلا خيراً».

ثم أي دعاء هذا الذي هو في صورته الحالية مجرد تفريغ لشحنات انفعالية بلا جدوى، أي آمين هذه التي أصابها العطب وتعطلت عن الصعود شبراً فوق رأس قائلها، جراء افتقادها إلى رافعة من عمل دؤوب يجعل القضية حية بدلاً من تخسف خسوفاً أشد من خسوف القمر.

الخسوف الكوني رغم أنه حدث عارض لساعات قليلة، لكنه كشف عن خسوفٍ أعمق في وعينا وأولوياتنا، فإذا لم يوقظنا خسوف غزة من غفلتنا، فلن يوقظنا قمر غاب ثم عاد.

الثلاثاء، 19 أغسطس 2025

أيها الساكتون عن ذبح الشعب الفلسطيني.. حسابكم أمام الله عسير

أيها الساكتون عن ذبح الشعب الفلسطيني.. حسابكم أمام الله عسير
مركز المعلومات وإدارة المعرفة


مذبحة جديدة يتعرض لها الشعب الفلسطيني الصابر المثابر دون حراك من العالم أو إدانة أو ضغط أو حتى توجيه لوم للكيان الصهيوني.. وبينما يقوم العالم ولا يقعد ويموج بالتحركات لإجبار آسري الجندي الصهيوني من المقاومة الفلسطينية على إطلاق سراحه، دون قيد أو شرط، يقف الجميع صامتين أمام المذبحة الإجرامية التي تقترفها الدبابات والطائرات الصهيونية في قطاع غزة.. 
حصار عسكري إجرامي لأكثر من مليون فلسطيني من الأطفال والنساء والعجائز.. 
تدمير شامل للبنى التحتية.. 
ضرب محطة الكهرباء الرئيسة.. 
وتخريب مصادر مياه الشرب، ومنع دخول الغذاء والدواء.. 
وهدم البيوت على أهلها.. 
ودك المؤسسات الحكومية والتعليمية، ولا أحد يحتج أو يطالب بوقف العدوان.. 

وأصبح لسان حال العالم ينطق بقول الشاعر:

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر 
                   وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر

فأين الولايات المتحدة والغرب، رعاة حقوق الإنسان ورافعو شعارات تحرير الشعوب، كما يزعمون؟!

لماذا تختفي أصواتهم عندما تكون الضحية من أطفال ونساء ومدنيين مسلمين؟!

ولماذا تعلو احتجاجاتهم عندما يُقتص من محتل غاصب يمارس القتل والنسف والتدمير دونما هوادة؟!

إن واشنطن تقيم الدنيا ولا تقعدها؛ تضامنًا مع الكيان الصهيوني، بسبب اختطاف جندي من الجيش الصهيوني المحتل، بينما لم ينطق المسؤولون فيها، وفي معظم دول العالم بكلمة واحدة عن اختطاف ستين مسؤولًا فلسطينيًا من وزراء الحكومة وأعضاء المجلس التشريعي المنتخب!

ولم تتذكر واشنطن ولا الأمم المتحدة ولا دول العالم مأساة أكثر من 10 آلاف فلسطيني، بينهم نساء وأطفال يقاسون الويلات في سجون الاحتلال منذ عدة سنوات!

إن هذا الموقف من واشنطن والدول الغربية يؤكد مرة أخرى، ازدواجية المعايير وسقوط الشعارات التي ملأت بها الدنيا.. عن احترام حقوق الإنسان وحرية الشعوب.. وإن الولايات المتحدة وأوروبا بهذه المواقف المنحازة تزيد من مساحة العداء والكراهية المستعرة حيالها لدى الشعوب العربية والإسلامية.

ولئن كنا ندين هذه المواقف فإن معظم الحكومات العربية والإسلامية تتخذ موقفًا صامتًا دون أي تحرك لوقف تلك المذبحة الإجرامية الدائرة بحق الشعب الفلسطيني، فأين جامعة الدول العربية؟ وأين منظمة المؤتمر الإسلامي؟

إن الكيان الصهيوني إن تمكن من فلسطين، وأجهز -لا قدر الله- على القضية الفلسطينية فإن خطره أول ما يمتد سيمتد إلى مصر جارة فلسطين ليفعل بها ما يفعله بفلسطين الآن؛ ولذا فإن وقوف مصر إلى جوار الشعب الفلسطيني دعمًا وتأييداً ودفاعًا عن حقوقه هو في الحقيقة دفاع عن أمن مصر والشعب المصري.

ثم أين محمود عباس، رئيس السلطة، ومنظمة «فتح»؟! أين مليشياتهم؟ 
وأين شرطتهم وأمنهم الوقائي وأجهزتهم العسكرية المتعددة؟ 
لماذا لم تظهر اليوم في الميدان؛ دفاعًا عن الشعب الفلسطيني؟! 
لقد استعرضت هذه الأجهزة قوتها، وملأت الشوارع عندما كان المطلوب العدوان على «حماس»، وعندما كان المطلوب إحداث الفوضى ونشر الرعب والخوف بين الشعب الفلسطيني، وإحراق المجلس التشريعي ومجلس الوزراء سعيًا لإسقاط حكومة حماس المنتخبة من الشعب!

واليوم عندما يجتاح الصهاينة قطاع اختفت ولا يسمع لها صوت.. فلحساب من يعمل عباس وأجهزته الأمنية؟!

إن الأحداث الجارية على أرض فلسطين تكشف من يعمل دفاعًا عن القضية الفلسطينية ويضحي من أجلها، ومن يعمل لحساب الصهاينة ويخدم مشروعهم الاستعماري.. 
والتاريخ يسجل والشعوب لا تنسي: 
(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال: 37)(1).

(1) نُشر بالعدد (1709)، 13 جمادى الآخرة 1427هـ/ 8 يوليو 2006م.