‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات احمد طه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات احمد طه. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 يناير 2024

أسئلة مشروعة

 أسئلة مشروعة

أسعد طه

(1)

ما جدوى مهاجمة الأنظمة؟

الهدف من معارضة نظامٍ ما، هو فضح انحرافه، أو خيانته، أو فساده، أو ظلمه، لعامة الناس، فإذا تحقَّق الهدف؛ وأصبح الجميع على علمٍ بحقيقة هذا النظام، وبات واضحًا، مثل الشمس في وضح النهار، فما جدوى الاستمرار في مهاجمته؟

ما الفائدة المرجوة من استنفاد الطاقات والجهود في ماكينة الإدانة على مدار الساعة؟

هل نفعل ذلك لأن ليس بأيدينا من يمكن فعله؟

هل يُشعرنا ذلك بأننا نؤدي واجبنا، فنُرضي ضمائرنا، وننصرف إلى حياتنا اليومية.

وما هو البديل؟، هل نتوقَّف؟، وماذا يمكن أن يتحقق من صمتنا إلا المزيد من انحراف هذا النظام.

السؤال الجاد هو لماذا لا نطوِّر موقفنا، لماذا توقفنا عند هذه النقطة من الهجاء، لماذا لا نفكِّر في خطوة أخرى، في شكل آخر، لماذا لا نَعْبُر هذه المرحلة إلى مرحلة ذات جدوى؟

أي فائدة مرجوة في أن تظل تخاطب المواطن البسيط وتشرح له بالأدلة أنَّ حاكمه يسرقه؟، هو بفطرته، بمعاناته اليومية يدرك ذلك، بل هو على يقين من ذلك، قد يسمعك لأنَّك تُنفِّس عن غضبه، لكن لم تُخبره ماذا عليه أن يفعل، ما هي الخطوة العملية لما بعد الإدانة؟

(2)

متى يمكن أن تتحرَّك الشعوب حركة جماعية؟

عندما يصل غضبها إلى حدٍّ لا يُحتمل.

وهل الغضب لم يصل بعدُ حدَّه الذي لا يُحتمل بعدَ غزَّة؟

لا أظن أنَّ هناك مرحلة تضامن فيها العرب -على اختلافاتهم- مع فلسطين، كما هو الحال الآن؛ الكل غاضب وحزين، ويشعر بالعجز والقهر، بينما الأنظمة لم تأخذ خطوة تضامنية واحدة، ولا حتى طرد سفراء الكيان، بل ما زالت ترسل بضاعتها إلى العدو، وأغلقت معابرها ليموت الناس في غزَّة جوعًا وعطشًا إن لم يموتوا بالقصف، بل وتمنع في أغلبها التظاهر، والناس حزينة وغاضبة إلى أقصى حد، لكنها لم تتحرَّك بعدُ، لم تنفجر.

تخيلتُ أنَّ غزَّة أقوى من صفعة بو عزيزي، وأنَّ تخاذل الأنظمة في دعمها -بل ومناصرة عدوها- سببًا كافيًا لثورة عارمة لا تُبقي ولا تذر.

لكن هذا لم يحدث، وليس لديَّ أي تفسير أو إجابة على هذا السؤال!

(3)

أريد أن أُحقِّق حُلمي لكن كلَّما هممت واجهت مشاكل فماذا أفعل؟

ذات مرَّة وصلني سؤال على هذه الشاكلة، أحيانًا لبداهة الإجابة أحتار في الرد، وهل هناك حُلم أو عمل يمكن أن يقوم به المرء في الحياة كلِّها دون أن يواجه مشاكل وعقبات؟!

وبالأساس لا يفرِّق بين الناس إلا همّهم، ذاك يتعثر في أول خطوة فيعلن فشله، وذاك يتعثر فيقف من جديد، فيتعثر مرة أخرى فيعاود النهوض، وهكذا حتى يصل.

في الحياة الدنيا ليست هناك طرق ممهَّدة.

كل الطرق غير معبَّدة، أنت السائر تعبِّدها بالخوض فيها.

كلنا نقول: نحن مع غزَّة لكن ماذا نستطيع أن نفعل؟

تخيَّل لو أن رجال المقاومة قالوا نفس الأمر، نريد تحرير غزَّة، لكن ماذا نفعل؟

ثمة مخرجٌ ما على كل واحد منا أن يجده، قد يكون مخرجًا فرديًّا أو جماعيًّا، المهم أن هناك مخرجًا، هناك وسيلة، هناك طريقة.

ليس المطلوب أن تقود طائرة حربية أو دبابة لنُصرة غزَّة، لو صدق الواحد منَّا لوجد طريقه.

عندما نجد طريقًا إلى نجدة غزَّة سنجد طريقًا لننجد أنفسنا.

(4)

هل رأيت غزَّة وهي ساجدة؟

الذي يعاني من آلام الظهر، يُدرك جيدًا معنى ألم الانحناء، فما بالك بألم السجود؟

فما بالك بألم الإصابة القاتلة في الظهر والدم ينزف وأنت وحدك وعدوك يراقبك بطائرته؟

وفي هذه اللحظة -التي يصعب وصفها- تقرر أن تحاول بكل الطرق أن تسجد؛ حتى تلقى خالقك ساجدًا!

أعدتُ المشهد مرات، كما فعل أغلبنا.

الأدهى أن رجال المقاومة ليسوا هم الذين صوروه، ولكن عدوه، ونشرها رغبة في التشفِّي، فإذا هو يمنحنا هدية غالية.

أتعرف.. هذا هو الأمل الأخير في نظري.

لن يهلكنا الله لأن بيننا مثل هؤلاء.

لكنه -عز وجل- قد يعذبنا على أيدي أعدائنا، فنحن نعلم -أو ليتنا نعلم- إنه إذا التهم الغزاة غزَّة -لا قدَّر الله- فسوف يستديرون علينا بلدًا بلدًا.

ليس هذا تحليلاً، وإنما قولهم بألسنتهم.

وأعتقد أنه لو قَدِرت عليهم غزَّة -بإذن الله- فسوف يستدير المنتصرون على الخائنين واحدًا واحدًا.

المهم.. ليس ماذا فعل هذا المجاهد في هذه اللحظة.

لكن الأهم.. ماذا فعل قبل هذه اللحظة -وعلى مدى سنوات قبلها- ليصبح هذه النسخة المذهلة؟


السبت، 5 أغسطس 2023

ألغام في الفكر الإسلامي

ألغام في الفكر الإسلامي


 أحمد طه

كنت أظن أننا وصلنا إلى حالة من المحن والأزمات، ستجعلنا نتحد.. ونترك خلفنا صراعات الماضي الفكرية، ولكن يبدو أن مسألة "التسامح" لم يعد لها وجود في قاموسنا الإسلامي!
فبعد مؤتمر جروزني حول "من هم أهل السنة" وجدت ردة فعل عنيفة، اختلط في الحق بالباطل، مع محاولة إحياء إرث الماضي، دون أدنى تراحم، أو شعور الأمة الواحدة، بقدر ما هو صراع حول صاحب "الحق المطلق" ومن هم أصحاب السنة!.
ومع إخراج "السلفية أو الأثرية أو أهل الحديث" من البيان الختامي للمؤتمر.. غضب السلفيون - وحقُ لهم - فلماذا يتم إخراجهم من أهل السنة؟! بل ولماذا يتم إعداد مؤتمر للتعريف بأهل السنة، كأنها مسألة سنعيد اختراعها من جديد؟! فمُسمى المؤتمر نفسه مشبوه، في نفس الوقت الذي تغرق فيه الأمة في العلمانية، ويُستباح دمائها وثرواتها وبلادها.
ولكن عندما تتدخل السياسة والمصالح الحزبية والطائفية في مسائل الدين؛ تضيع معالم الحق، لأن الجميع سيُقدم مصالحه باسم الدين، وباسم الدفاع عن السنة، وسنحاول في هذه السطور إلقاء الضوء على التشابكات والتعقيدات التي تخص موضوع "أهل السنة".
***
تناقضات وأهواء
بدأت السلفية هجومها على المؤتمر من خلال الهجوم على رئيس الشيشان رمضان قديروف - والذي يُسمى فتى بوتين المدلل وجنده المخلص الذي قاتل المجاهدين، والذي قال إنه مستعد أن يهب حياته دافعاً عن بوتين! - والسخرية من رعايته للمؤتمر، ومن عمالته لبوتين رئيس روسيا؛ كونه قاتل المسلمين في بلاد القوقاز، وهو الذي دمر عاصمة الشيشان وقتل آلاف المسلمين، وهو يقتل المسلمين في سوريا الآن، وهذا الكلام كله حقيقة.
ولكن في العام الماضي فتحت السلفية أبواب الكعبة لقديروف وعائلته، وقام القارئ السلفي مشاري العفاسي بإنشاد نشيد مع ابنة قديروف ونزل في ضيافته، وقال الشيخ القرضاوي عن قديروف في مؤتمر "الإسلام دين السلام 2010" المعقود في غروزني: «إن جمهورية الشيشان لها في أنفسنا مكانة أي مكانة فهي جمهورية إسلامية نعتز بها وبمواقفها خاصة في عهد رئيسها الجديد رمضان قديروف والذي عرفنا أنه من أسرة علمية ودينية تعتز بالإسلام، فهو إضافة الى هذا الشعب والشيشان الحبيب». وبالفعل أسرة قديروف محجبة، وابنته تحفظ القرآن كاملاً !
ثم قال الشيخ القرضاوي عن مؤتمر اليوم إنه "مؤتمر الضرار"، وقد قال - من قبل - في جوابه عمن يطعن في عقيدة الأزهر: "ليس الأزهر وحده أشعرياً، الأمة الإسلامية أشعرية... كل العالم الإسلامي أشعرية، السلفيين مجموعة صغيرة، حتى إذا قلنا السعودية سلفية، ليس كل السعودية سلفيين".
ويجب كذلك أن لا نغفل أيضاً أنه بتأييد المدرسة السلفية السعودية تم تقسيم الجزيرة العربية برعاية الإنجليز، وقالت السلفية إن ابن سعود - مُتولي الإنجليز - هو (إمام المسلمين!) الذي يحق له وحده النظر في مصالحهم، ولما اعترض "إخوان من أطاع الله" تم إصدار فتوى جامعة بتكفيرهم، وهم جند المدرسة المخلصون، وتم قذف تجمعاتهم بطائرات الإنجليز، وباسم فتوى المدرسة السلفية السعودية تم مجيء الاحتلال الصليبي للجزيرة - وعلى مقربة من الحرمين - وتم تدمير العراق.
وقال الكاتب محمد آل الشيخ - سليل أسرة الشيخ ابن عبد الوهاب رحمه الله - : "كنا مع السيسي لأن الإخونج والسلفيين المتأخونين أعداء لنا وله" والسيسي قاتل شعبه في نظر كثير من المصريين، مثل قديروف !
ونجد رموز السلفية المعاصرة دوماً يؤكدون على أنهم وحدهم هم أهل السنة، وما دونهم مبتدعة على درجات، فالتراشق مستمر متى فُتح هذا الموضوع.
ومن جانب آخر نرى سلفية تجاهد العدو المحتل، وتضحي بالنفس والمال من أجل إخراجه من ديار المسلمين.
فعند الرؤية الواقعية لا تُقدم الجانب الذي يخدم مصالحك، وتغفل الجوانب الأخرى. ونقول هذا الكلام لنُبين الفرق بين الشهادة لله، والشهادة للذات والجماعة. ولنعرف كيف تتمزق الحقيقة وتضيع بين الأطراف المتنازعة والمتعصبة.
غضب السلفيون، وأصدروا بيانات يؤكدون فيها أنهم حصراً هم أهل السنة، والباقي هم المبتدعة ! مثلما حصل قديماً، ويبدو أن لدينا من الألغام في فكرنا الإسلامي ما تجعل من السهولة استغلالها في: التفرق في الدين، وإفساد ذات البين، وجعل البأس بيننا. ويجب تفكيك هذه الألغام حتى لا يُفجرها أحد فينا في اللحظات الحرجة.
***
قضية أهل السنة، ومن هم أهل السنة
بعد سقوط الخلافة الراشدة.. تحول الصراع السياسي بين المسلمين إلى اختلافات دينية، وفرق حزبية، فكان الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والأمويون، وكانت الدولة الأموية تُطلق على أي معترض على سياستها "خوارج"!، وكانت تُطلق على شيعة علي - كرّم الله وجهه - "السبئية الترابية" قبل دخول الرفض والأفكار الباطنية عليهم.
وفي الدولة العباسية: ومع دخول الفلسفات اليونانية، ودخول أخلاط شتى من الأمم إلى الدين الإسلامي، واستقرار أمر الدولة، بدأت تظهر على السطح بعض الصدامات والتساؤلات حول الدين الإسلامي يثيرها من كانوا على أديان أخرى، أو من تأثروا بالفلسفة الجديدة الوافدة.. وكانت قضية "الآيات المتشابهات" أحد أهم مسارح الصراع الفكري، وقد تصدر "المعتزلة" قضية الدعوة إلى الإسلام أمام الأديان الأخرى، والرد على شبهات الخصوم، ولكنهم "غالوا" في تقديس العقل، مما أبعدهم عن روح الإسلام.
ثم ظهر بعد ذلك "الأشاعرة" و"الماتريدية" يردون على المعتزلة والمرجئة، و"أهل الحديث - السلفية" يردون على الأشاعرة والماتريدية.
وبدأ يتكون لكل فرقة أصولها وأفكارها، مع محاولة حصر "السنة" في كل فرقة.. قال بعض الأشاعرة والماتريدية إنهم وحدهم هم أهل السنة، وإماما أهل السنة هما أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي.. حيث لا كبير فرق بينهما.
وقال أهل الحديث إمام أهل السنة حصراً هو أحمد بن حنبل بعد صموده في قضية "خلق القرآن" واللغط الدائر حول "كلام الله" وكيف يكون.
أما المتسامحون منهم فقد وسعوا الدائرة، وقالوا أهل السنة هم: "الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث (السلفية، الأثرية)" وأحياناً يخصصون أهل الحديث بـ "الفضلاء من الحنابلة".
ثم تخبو الصراعات حيناً، وتشتعل حيناً آخر، تغلوا جماعة على هذا الطرف، وتغلوا جماعة على الطرف الآخر، ويتم استغلال هذا "الغلو" في إدانة الفرقة الأخرى، والتشهير بها.
***
التوزيع الجغرافي لأهل السنة:
لعب التبني السياسي للآراء العقائدية دورا كبيراً في انتشارها، فلقد تبنى (المعتصم، والواثق، والمأمون) - ملوك الدولة العباسية - فكر المعتزلة، وكانوا به معجبين، ومشاركين في المناظرات التي تقع بينهم وبين خصومهم، لكن غلوهم في سحق الخصوم، وامتحان الناس، والبغي عليهم.. ولّد حالة من الغلو المضاد على الجانب الآخر، ولما جاء المتوكل انتصر لمذهب الإمام أحمد - رحمه الله - واستقرت المذاهب الفقهية على التالي:
مذهب أبو حنيفة ( ماتريدية ). مذهب الشافعية والمالكية ( أشاعرة ). مذهب الإمام أحمد (سلفية).
فكان المغرب العربي كله: مالكية في الفقه، أشاعرة في العقيدة.
وكان أهل مصر والشام وإيران (قبل الصفوية) واليمن وأجزاء من أفريقيا، وجنوب شرق آسيا، وأجزاء من العراق: شافعية في الفقه، أشاعرة في العقيدة.
وكان بلاد ما وراء النهر (آسيا الوسطى) وشبهة القارة الهندية وتركيا: أحناف في الفقه، ماتريدية في العقيدة.
وكان أجزاء من العراق، والشام ( ثم بعد ذلك الجزيرة العربية ): حنابلة في الفقه، سلفية في العقيدة.
وكان لتبني الدولة العثمانية للمذهب الحنفي في الفقه، والماتريدي في العقيدة دوراً كبيراً في انتشار الماتريدية في طول العالم الإسلامي بحكم قوة الدولة، وبحكم رئاسة القضاء والإفتاء، فكانت تركيا وما حولها من بلاد على المذهب الماتريدي في العقيدة.
***
مشاهير الماتريدية
[ إمام المذهب أبو منصور الماتريدي - أبو جعفر الطحاوي - أبو الهمام صاحب فتح القدير - محمد الفاتح - أبو المعين النسفي - ابن نجيم صاحب البحر الرائق - ابن عابدين فقيه الديار الشامية، ويقال أشعري كذلك - محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية للدولة العثمانية]
مشاهير الأشاعرة:
[إمام المذهب أبو الحسن الأشعري - الحاكم صاحب المستدرك - ابن حبان صاحب الصحيح - البيهقي صاحب السنن - الجويني إمام الحرمين - النووي شارح صحيح مسلم - أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء - ابن حجر شارح صحيح البخاري - العز بن عبد السلام - الدارقطني صاحب السنن وعلل الحديث، وهؤلاء من الشافعية.. أما المالكية: ابن رشد شيخ المالكية - القاضي أبو بكر الباقلاني صاحب الإنصاف - القاضي عياض صاحب الشفا - الشاطبي صاحب الموافقات - القرطبي صاحب التفسير - أبو بكر ابن العربي صاحب أحكام القرآن]
مشاهير السلفية "أهل الحديث":
[إمام المذهب أحمد بن حنبل - ابن حامد صاحب تهذيب الأجوبة - القاضي أبو يعلى الفراء صاحب بطلان التأويلات - ابن الجوزي صاحب زاد المسير - ابن بطة صاحب الإبانة - ابن قدامة صاحب المغني - ابن رجب صاحب شرح علل الترمذي - أبو بكر الخلال صاحب كتاب السنة - البربهاري شارح كتاب السنة - ابن المفلح صاحب شرح المقنع -  ابن تيمية صاحب مجموع الفتاوى - ابن القيم صاحب زاد المعاد]
***
 كتب العقائد:
الناظر في القرآن الكريم يرى أسلوباً مختلفاً عما جاء في كتب ما يُسمى "العقائد" جميعها.. فلغة القرآن سهلة عميقة بعمق الناظر إليها، يستوعبها الإنسان في يسر وبساطة، فنجد في القرآن أسلوباً عاطفياً روحياً تارة، وأسلوباً تقريراً عقلياً تارة أخرى، وأسلوباً متحدياً في مواطن، وأسلوباً يتحدث عن الآخرة كأنها هي اللحظة الحاضرة في صورة إعجازية لا يقدر عليها سوى القرآن.. وهذا الكتاب هو كتاب الإيمان، وكتاب العقيدة الحقة. [ راجع - إن شئت - مقال: العقيدة الإسلامية ].
ولكن وجود الآيات المتشابهات في القرآن الكريم، والتي كان يمر عليها الرعيل الأول من الأمة بالتسليم، دون تقعير أو تعقيد، ومن كان له رأي في مسألة.. فهو له، دون الحاجة إلى إقامة معارك أو تكوين جماعات وفرق على أساس الموقف منها.
ومن أشهر الآيات التي كان اللغط حولها، قوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } فمن يُأول هذه الآية - ونظيراتها - أو يفوض معناها إلى الله فهو من "الأشاعرة، الماتريدية" وجيل منهم يميل إلى "التفويض"، وجيل آخر يميل إلى "التأويل" ليرد به على شبهات الخصوم؛ والتأويل في الآية يعني تفسير "الاستواء" بالهيمنة والاستعلاء، والكناية عن المُلك.
ومن يُثبت الاستواء فهو من "أهل الإثبات" من الحنابلة، ويبدو للحنابلة مدرستين في الإثبات: الأولى: "الإثبات مع التفويض والتنزيه"، والثانية: "الإثبات مع إجراء اللفظ على دلالته اللغوية وظاهره، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تأويل" ومع الثانية هذه تدور معارك كثيرة!
كما تم تقسيم الصفات الإلهية إلى نوعين: الأول: صفات معنى كالحياة والقدرة والإرادة. والثاني: صفات عين كالوجه واليد. وحول النوع الثاني يدور اللغط.. فمنهم من يُثبت صفات الوجه واليد كصفات معنى لا كجوارح، ومنهم من يُثبتها كجارحة وأجزاء؛ ومن ثَم تبعيض الذات الإلهية.. وحمل الصفات على مقتضى الحس؛ فيقع في التشبيه والتجسيم، ثم يجمع صفات العين مع بعضها: (الوجه، والصورة، والنفس، والعينين، والجنب، والحقو، والحُجْزَة، والساق، والساعد، واليد، والأصابع، والرِّجْلِ، والقَدم، والفخذ...إلخ ) وصفاً للذات الإلهية !! وقال بعضهم: "نُثبت لله صفات أنه (شاب وأمرد وجعد وقطط والفراش والنعلان والتاج).. نُثبت ذلك تسمية لا نعقل معناها، ولا نُكيفها، ولا نقول هي جارحة ولا أبعاض" فيقولون عن الساق والساعد والحقو والأصابع...إلخ "صفات لذات الله لا على وجه الجارحة"، وهذا تناقض عجيب، وهدم لمقتضيات اللغة، فهو تجسيم صريح ثم نفي هذا التجسيم والبراءة منه!!  
وقال بعضهم: "يجب الامتناع عن القول بأن الله - جل جلاله - لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه، فإن مقتضى هذا كونه معدوماً"؛ حتى لا يقع في التناقض!!
وقالوا من ينكر حديث: "رَأَيْتُ رَبِّي فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ، لَهُ وَفْرَةٌ جَعْدٌ قَطَطٌ، فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ " فهو زنديق، ومن شك في هذا الحديث أو في شيء منه فهو جهمي لا تقبل شهادته، ولا يسلم عليه، ولا يعاد فِي مرضه!!
  وجعلوا كل مضاف إلى الله صفة من صفات ذاته سبحانه ! ثم بعدها يقولون "لا كما نعقل" ! وقال بعضهم: "يجب الإيمان بأن لله سبحانه ساقاً صفة لذاته، فمن جحد ذلك كفر" !
وبذلك هناك نوعين من الإثبات: الأول: "إثبات تنزيه" ( وهذا فيما يبدو لا خلاف عليه ). والثاني: إثبات تبعيض.. أي جعل الذات الإلهية ذات أبعاض وأجزاء وجوارح، مع البراءة منه تارة، والتصريح به بألفاظ معقدة تارة أخرى  ( وهذا الذي عليه الصراع والخلاف والاتهام بالتجسيم والتشبيه ). ويبدو أن هناك من يخلط بين النوعين ولا يُميز الفرق بينهما.
وهناك من يُقسم الصفات إلى: "صفات ذات" و"صفات أفعال".
***
وكتب ما يسمى العقائد هي عبارة عن "تفسير الآيات المتشابهات" في القرآن أو ما قد يبدو فيها تعارضاً، وعلى أساس موقفك منها يتحدد العقيدة التي تَدين بها. والذي أراه أنه كان من الأفضل أن لا تُسمى "كتب العقائد" بل تسمى "الآيات المتشابهات" منعاً لتضخيم أمر لم يُفصله القرآن، ولم يكن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومنعاً لفرقة المسلمين على أمور ليست من أصل الدين، والتحزب عليها، وتهيّج الناس، وتبلبل أفكارها.
ولكن حصل العكس تماماً، لقد تحولت قضية الدين كله - في فترة من الفترات - إلى قضية "الاستواء على العرش" وحصلت معارك فكرية خطيرة، وتطور الأمر إلى التشهير، والسجن، والمحاكمات، والقتل، والتبديع، والتفسيق، والتكفير !.
فأصبح الأشاعرة والماتريدية ينعتون خصومهم من الحنابلة بـ "أهل التشبيه والتجسيم والحشوية" وقد وقع ذلك بالفعل في بعض حالات الغلو في الإثبات مما دفع العلامة ابن الجوزي الحنبلي تصنيف كتابه "دفع شبهة التشبيه".
وأصبح السلفية الأثرية ينعتون خصومهم من الأشاعرة والماتريدية بـ "أهل التعطيل ونفاة الصفات والجهمية" وقد وقع ذلك بالفعل في بعض حالات الغلو في التأويل.
وأصبح سلاح التبديع والتكفير - سواء الصريح أو المبيت - في يد الجميع، وفي يد السفهاء كذلك، يضرب بسيف الفرقة، والتحزب على قضية لم تكن يوماً أصلاً من أصول الدين.
بل أصبح موقفك من تفسير آية واحدة يُحدد الفرقة التي تُنسب إليها، فمن يقول سنرى الله في الآخرة لقوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } فهو من أهل السنة، ومن ينفي ذلك لقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} فهو من المعتزلة؛ واستلزم كل فريق لله جل جلاله لوازم عقلية حاكمة على الآيات ! فمن يقول بالرؤية يُلزمه الطرف الآخر بأن الله تعالى جسماً، ومن لم يقل بالرؤية يلزمه الطرف الآخر بانتفاء الذات الإلهية، وهكذا في تعقيدات لا نهاية لها !.
وفي قضية "ماهية القرآن" قال المعتزلة: هل القرآن كلام الله الأزلي أم هو مُحدث؟! وانتهوا إلى أنه مُحدث وأنه مخلوق، ومن يقول غير ذلك فهو يجعل لله صفة التغير ! وبذلك لا يوحد الله في ذاته ولا صفاته، فقالوا: كلام الله عبارة عن أصوات وحروف يخلقها الله في غيره فتصل إلى النبي عن طريق المَلك؛ فبذلك فالقرآن مخلوق ! واستشهدوا بقوله تعالى:{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } كما فسرها الزمخشري المعتزلي في تفسيره الكشاف، ومعنى أن كون الله متكلماً أنه خالق الكلام وفاعله.
 وقالت السنة: القرآن كلام الله غير مخلوق؛ واستدلوا بقوله تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } وكلام الله صفة من صفاته، وصفات الله غير مخلوقة، إذن فالقرآن غير مخلوق. وقالو أيضاً: القرآن من علم الله وعلم الله غير مَخْلُوق وَالدَّليل على ذلك قَوْله تعالى: { وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم }..
وقال البعض: القرآن كلام الله ولا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وقال البعض: الكلام كلامان كلام ذاتي أزلي، وكلام مقروء محدث. وقال البعض: من يقول القرآن مخلوق فهو كافر، ومن يشك في أنه غير مخلوق فهو كافر، وقال غيرهم: من يقول القرآن كلام الله ويقف ولا يقول غير مخلوق.. فهو من "الواقفية" وهو أيضاً كافر، وقال غيرهم: من يقول القرآن كلام الله، ولفظي بالقرآن مخلوق فهو من "اللفظية" وهو كافر، وقال غيرهم: القرآن كلام الله قاله بحرف وصوت، والكلمات فيه أزلية غير مخلوقة !
والحمد لله أن الجميع متفقون على أن القرآن "كلام الله ووحيه" ولكنهم مختلفون في ماهية وطبيعة هذا الكلام هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ هل هو أزلي أم محدث؟... إلخ من الأمور الفلسفية المُعقدة.
والموضوع كما يظهر للقارئ مغرق في التعقيد، والصعوبة، والتحديد، واختلاط الفواصل بين المفاهيم، وعجز ألفاظ اللغة عن احتوائه، ووصفه.. لأنه إغراق في الحديث عن ذات الله، وذاك أمر محال على العقل البشري، ومعرفة أي شيء فرع عن تصوره، وكل تصور عن ذات الله غير صحيح، فهو ليس كمثله شيء، ولا نعلم له سميا، وهو شديد المحال عن وصول الأفهام إليه جل جلاله، وإذا جهلنا الذات.. جهلنا بالتبع كيفيات أفعاله جل جلاله، والحديث عن الذات والكيفيات بعيد كل البعد عن روح الإسلام.
وخرجت "الصوفية" تحاول معالجة القسوة العقلية الناتجة عن الصراع الفلسفي حول تفسير الآيات المتشبهات وتعريف الإيمان والصفات الإلهية.. إلى التوجه نحو القلب والنفس، في محاولة لتزكية النفوس، وتربية الأخلاق، والزهد في الدنيا، ثم كان شأنها شأن كل جماعة تخرج كحالة رد فعل تجاه الغلو في أمر ما، ويكن لها من الحق في أمور معينة، ثم يدخل عليها "الغلو" هي الأخرى؛ فتحول التصوف فيما بعد إلى الدروشة والقعود عن الجهاد، وإلى الرقص والإنشاد، والغلو في الصالحين والمقامات والأقطاب !.
ولقد تضخمت العقول بهذه الصراعات، وقست القلوب عن روح القرآن ومعانيه ومقاصده.. وإن الذين في قلوبهم زيغ عن الحق هم الذين يغرقون ويُغالون في "اتباع المتشابهات" من الآيات، ثم يمزقون الأمة بعدها فرقاً وأحزاباً.. يلعن بعضها بعضاً، ويُكفر بعضها بعضًا، ويبغي بعضها على بعض.. حتى يكون البأس بينها شديد.
***
والمسلم الذي يبحث عما يعمر قلبه بالإيمان - بعد قراءة هذه التنازعات - يردد في النهاية قوله تعالى: { وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ويطمئن قلبه لقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ويعرف أن الله العظيم يُعرفنا إليه من خلال ألفاظ اللغة التي يمكن أن تدركها عقولنا المحدودة الصغيرة فضلاً وتكرماً منه على الإنسان.. وليس معنى ذلك أن يتطاول الإنسان، ويتجاوز حده، فيغرق في التعسف والتقعير والتكلف واللغو والغلو أياً كان اتجاهه.
***
وإن النزعة "العقلية التحررية" كالمعتزلة، والنزعة "المحافظة التقليدية" كأهل الحديث، والنزعة الوسط بينهما "كالأشاعرة والماتريدية" والنزعة "الروحية القلبية" كالصوفية.. هي نتاج طبيعي لحركة مجتمع عالمي مفتوح يضم أخلاط شتى، وأجناس متنوعة، وأفهام مختلفة، وفي الغالب فإن عموم الناس تنتسب - وتتعصب - لهذه النزعات استجابة نفسية عاطفية ليست قائمة على تمحيص الأدلة، ولا المقارنة بينها، ولا النظر في أدلة الأطراف الأخرى.. ولكنه الاتجاه والميل النفسي نحو الجماعة التي تجسد حالته النفسية، فمن يميل إلى التحرر العقلي وحرية النظر والفكر سيُعجب بفكر المعتزلة، ومن لدية التخوف من الخوض في النصوص والقول فيها بما لم يقله السابقون فسيتجه إلى أهل الحديث، ومن يحاول الموازنة بينهما وتقريب وجهات النظر سيتجه إلى الأشاعرة والماتريدية، ومن يَمل من هذا التناطح العقلي، ولا يحب الخوض الفكري في هذه الأمور، وقلبه يجنح إلى الروحانية.. سيتجه إلى التصوف.
وخطورة هذه النزعات كلها تتمثل في: 
(1) حالات "الغلو" التي تسبب البغي على المخالفين، والتفرق في الدين، والتحزب شيعاً. 
(2) والخروج عن روح الإسلام، وتعاليم القرآن.. عندما يبلغ الغلو مراحله الخطيرة.
***
قلت لنفسي، وقالت لي:
قلت لنفسي: ألا يمكن أن ينادي مناد من السماء أن الجماعة الفلانية هي جماعة الحق، فالزموها ؟
فقالت لي: لقد كان ذلك بالفعل، ألم يُنزل الله كتابه، ويُرسل رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ ألم يقل الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } ؟
قلت: بلى، ولكن ما جواب ذلك في القرآن حول هذه الجماعات المختلفة؟
قالت: قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } { فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } { وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }.
فقلت: وكيف نتعامل مع هذه الأفكار والطوائف والعقائد المختلفة ؟
قالت: بروح التسامح، والحب، والألفة، ورد الإساءة بالإحسان.. وإياك ثم إياك والبغي سواء بالقول أو بالفعل، وإياك والكذب وشهادة الزور على دين الله انتصاراً للمذهب، وإياك وإدخال السياسة النفعية والخصومات الشخصية في دين الله.
قلت: وإلى ماذا أدعو الناس ؟
قالت: إلى كتاب الله، وتعاليم رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمر بالعدل والإحسان، واِنهَ عن الفحشاء والمنكر والبغي.
قلت: وإذا حكمت وكان لي السلطان، لأي جماعة انتصر ؟
قالت: إذا كان لك السلطان فاحكم بالحق والعدل الرباني، ولا تظلم المستضعفين من المسلمين المخالفين لك، ولا تُكره أحداً على أمر ليس من أصول الدين، وارفع من كرامة المسلم، يكن لك كالبنيان المرصوص، وادع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإقامة شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج، وإلى الإحسان في كل شيء، وإن كان لك - أو لجماعتك - من مذهب أو رأي فقل به في إحسان وإنصاف وتراحم وتسامح، بلا عدوان، ولا استطالة، وبلا تمزيق للأمة.
***
البغي والظلم:
إنني أحسب وأظن أن الله تعالى - يوم القيامة - لن يسأل المسلم لماذا تأولت قولي:{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }على أنها معية الله، ونصرته، وتأييده، وبركته ؟ ولن يسأل المسلم لماذا أثبت لي "اليد" ولم تأولها ؟
ولكنه سيسأله: لماذا "بغيت" على أخيك المسلم، ونعته بالبدعة والفسق والكفر لأنه تأول الآية أو أثبتها؟ لماذا ظلمته وشهّرت به سواء بالقول أو بالفعل؟ لماذا حرّضت عليه الظالمين؟ لماذا فرّقت الأمة في أمر لم يكن يوماً أصلاً من أصول رسالة الإسلام؟
{ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً }.
إننا إن عجزنا عن روح التسامح والألفة والمحبة بين أمة الإسلام، فليس أقل من الامتناع عن "البغي" الذي يُفرق الأمة، ويفسد عليها أمرها.
ولا نجعل من الخصومات أو الاختلافات الفكرية.. غذاءً وممداً لروح البغضاء والتعصب والحقد والحسد والغل الذي يحلق الدين كله.
***
خاتمة
إن في فكرنا الإسلامي ألغاماً مثل ألغام "التأويل والإثبات" ويجب على عقلاء هذه الأمة، نزع فتيل هذه الألغام.. حتى لا يستغلها الأعداء في إزكاء الخلافات بيننا، وتحويل الصراع إلى أن يكون صراعاً مع أنفسنا، نقاتل فيه أنفسنا، ونُخرب به بيوتنا. كمثل الصراع الذي حصل بين "الكاثوليك والأرثوذكس" وكان صراعاً حول طبيعة المسيح اللاهوتية والناسوتية، وها نحن نمضي في طريقهم حذو النعل بالنعل ! وإن كانوا هم اليوم أكثر تراحماً وتسامحاً فيما بينهم؛ حتى يتفرغوا لحربنا.
ولنا أن نتخيل: إخوة من الجزيرة من السلفية، مع إخوة من مصر من الأشاعرة.. يَستعدون لقتال عدو محتل كافر، فعرف هذا العدو أن هناك لغماً فيهم يسمى "التأويل والإثبات" فزرع فيهم من يُزكي هذه الخلافات، وينميها، وحرّك وسائل الإعلام للنفخ في ذلك.. ثم حصل أن قال إخوة الجزيرة للمصرين: أيها المعطلة النفاة الجهمية. وقال المصريون لهم: أيها المجسمة الحشوية المشبهة. ثم كان في يد كل واحد منهم سلاحه، ثم تخرج الفتوى بأن قتال أهل البدع والمبتدعة مُقدم على قتال العدو المحتل؛ حتى تتطهر الصفوف فلن ننتصر بهذه البدع، وقال الإمام فلان المجسمة كفار، وقال العلاّمة فلان الجهمية كفار !! ولو تمكن المصريون سيسجنوننا كما سجنوا ابن تيمية من قبل.. هيا نقاتل أنفسنا !
ونضرب هذا المثل لنتصور خطورة ومحاولة "تقسيم الأمة" فإذا هي بالفعل طوائف ومذاهب شتى، فكيف إذا تم تقسيم أهل السنة أنفسهم؟! في نفس اللحظة التي يعد فيها العدو خطة "سايكس بيكو" جديدة لتقسيم المقسم، وتفتيت المفتت ؟!
وإن طغاة هذه الأمة لا يعنيهم كونك أشعرياً أو سلفياً أو صوفياً أو حتى ملحداً.. كل ما يعنيهم هو "توظيف الدين" في خدمة عروشهم، وشرعنة بغيهم وظلمهم..
وتحرير الأمة من الطغاة.. وإعادتها إلى سبيل الرشاد، هو ما يجب أن يشغل بال المسلم أياً كان مذهبه.

***
كتبها/ أحمد طه

الأحد، 25 أغسطس 2019

غثاء السيل… فمتى نستفيق؟

غثاء السيل… فمتى نستفيق؟

جاء في سنن أبي داود: عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [سنن أبي داود/ 4297، مسند أحمد/ 21890، مسند أبي داود الطيالسي/ 1085]

تحليل اجتماعي لحالة الأمة المسلمة

هذا المتن عجيب في بابه، فهو كأنه تحليل اجتماعي سنني لحالة الأمة المسلمة، بل أحوال الأمم جميعاً، وفيه من الحِكم البالغة، والتوجيه الرشيد ما يشير بأنه من “أنوار النبوة” أو قريب منها.
فيبدأ الحديث بتحذير الأمة من اقتراب تداعي الأمم والأقوام والأعداء عليها، والذي عبّر عنه الحديث بقوله “يوشك” ولعل هذا الاقتراب هو الاقتراب المعنوي وليس الزمني، كمثل {اقتربت الساعة} فهو مسألة نسبية، وفيه أيضاً أخذ العظة والعبرة بغض النظر عن إدراك ذلك الزمان أو لا.
فالأمة الإسلامية في زمن ثوبان رضي الله عنه وإلى العصر العباسي الأول كانت في عزة ومنعة يهابها الجميع، ويُعمل لها ألف حساب، ويمكن التأريخ لهذا التداعي مع هجمات المغول من جهة الشرق، والصليبيين من جهة الغرب على بغداد، وسقوطها، وإن كانت أسباب التداعي قد بدأت مع بداية الملك العضوض.

و”تداعي الأعداء” علينا يوضح أن الأمة أصبحت لقمة سهلة، قريبة، لا عناء في الاعتداء عليها، وسرقة ثرواتها، واستباحة أهلها، كمن يدعو الناس إلى طعام مجاني!

أسباب تداعي الأمم علينا

الأول: هو أن القوة لا تعرف السكون

فالأمم القوية تسعى لفرض إرادتها وثقافتها على الأمم الضعيفة، كنوع من السيطرة والسيادة وانتزاع الثروات من أيدي أصحابها، وقد عرف التاريخ البشري ألوان وصنوف شرور هذه القوة عندما تنطلق من أجل المتعة أو لذة السيطرة بدون وازع إيماني أو أخلاقي فتصبح قوة ساحقة هادمة تسحق في طريق رغبتها ملايين البشر، وقد ذاقت الأمم الضعيفة-بغض النظر عن دينها وفكرها-شرور هذه القوة.

والثاني: الأمة بحد ذاتها هدفاً مرصوداً من قِبل الباطل وأهله



فطبيعة وأهداف الأمة المسلمة يجعلها بحد ذاتها هدفاً مرصوداً من قِبل الباطل وأهله، والتدافع بين الحق والباطل من سنن هذه الحياة، فحتى لو الأمة المسلمة في حالة القوة، فلا بد أن يكون هناك نوعاً من التدافع والتحدي، فما بالنا إن ضعفت الأمة المسلمة وتحولت إلى غثاء السيل والعياذ بالله، ولذا حذرها القرآن الكريم من الغفلة عن إعداد القوة، وأمرها بالاجتماع على كلمة سواء، والاعتصام بحبل الله المتين، وعدم التنازع، وإن وقع التنازع حرّم الاحتراب الداخلي، وأمر بالتعاون على البر والتقوى.

ولا يتصور أحد حالة التداعي إلا في حالة “القلة” فقال قائل: “أمن قلة؟” فكان الجواب: “لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل!” وهذا التعبير هو فريد ودقيق ومُعبر. “غثاء السيل” كثرة لا قيمة لها، يجري بها التيار العارم ويأخذها حيث شاء، فلا قيمة لها، ولا إرادة قيادية في حركتها، بل همل كثير، قد يضر أكثر مما ينفع، يمضي بلامبالاة حيثما يصطدم السيل بنهايته.
















وهو وصف اجتماعي لحالة من تفسخ الأمة، وتحول الكثرة إلى مجرد أكوام اجتماعية ليس لها رابط يجمعها، ولا هوية توحدها، ولا غاية تصل إليها، بل حيث يأخذها السيل تمضي، فبذلك تفقد الأمة فاعليتها، وريادتها، وتموت الروح التي تسري فيها.

كيف تنهض الأمم؟


وإذا تحدثنا عن الأمم عامة: فإن تكوين كل أمة يجب أن يجمعه ثقافة متجانسة، وروابط مشتركة، وفاعلية حيوية، وغاية واحدة يعمل من أجلها الجميع، فنجد في الأمم القوية المادية. الروح الدافعة للسيطرة على المادة وتحقيق أقصى استمتاع بالحياة، حتى ولو كانت الوسائل خاطئة، ولكن وجود “هدف – طموح – إرادة – رغبة في التفوق” يجعل هذه الأمم ذات فاعلية وعزيمة لا تكون فيها في “حالة غثائية” بل في “حالة ريادية قيادية” تفرض قوتها وإرادتها وفكرها وموازينها على الأمم الضعيفة، بل وتستبيحها حينما يغيب الوازع الأخلاقي والأخروي، ويحضر الاغترار بالنفس والدنيا، إلى أن تستنفذ أغراضها، وتموت فاعليتها ودوافعها، فتتحول إلى “الحالة الغثائية” لتصبح في خانة “المفعول به” من طرف الأمم الناهضة الريادية التي تأخذ دورتها هي الأخرى في هذه الحياة.

وإذا تحدثنا عن الأمة المسلمة خاصة: فإن تكوين هذه الأمة ذات طبيعة خاصة، لقد أنشأها القرآن الكريم إنشاءً، ورفع الله ذكرها بالكتاب الذي أنزله إليها {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] فالأمة المسلمة ليست أمة عربية، ولا قومية، ولا حتى زمانية. بل هي امتداد لموكب الرسل الكريم على مدار الأزمان، وأخرجها الله للناس على هذا النحو-بلا اعتبار لقوم أو لون أو جنس أو لغة أو أرض-لتكون خير أمة أخرجت للناس، ولتكون هي الشاهدة والمُعلِّمة والحاملة للرسالة، والقائمة بها. وكل ما يجنح إليه البعض من الاعتزاز بقوم أو لغة أو جنس هو من أوضح ضروب الجاهلية التي جاء الإسلام ليقضي عليها، ولقد ظلت هذه الروح تسري في الأمة، حتى ما تكاد تنحسر وتختنق، حتى يعود ميلادها من جديد.

سايكس بيكو

الوهن وأثره في حياة الأمة المسلمة

ويبدو في لحظات الانحسار والاختناق تتحول الأمة إلى “الحالة الغثائية” التي عبّر عنها الحديث أعلاه، وعندها لا تستطيع النهوض والحياة بغير “روح الإسلام” ولذلك كانت كافة محاولات النهوض والحياة بغير الإسلام جميعها باءت بالفشل، وزادتها وهناً على وهن.

والوهن الذي يصيب القلوب هو شعور الاستضعاف، والضياع، شعور الخوف، والاضطراب، شعور فقدان الإرادة والاستسلام لرغبة وضربة السيل الجارف، هو شعور اللامبالاة وعدم الاهتمام بأمر الأمة، هو قبول الإهانة وفقدان الكرامة بل مقاومة ولا تدافع. هو ليس فقدان القوى المادية التي تحقق النصر والتمكين، وإنما هو فقدان “إرادة النصر” والقابلية للهزيمة والاستسلام، هذا هو الوهن الذي يدمر مصادر القوى المتوفرة للأمة، ويمنع عنها تحقيق المزيد منها، ويجعلها تتراجع في كل مظاهر الحياة والقوة.

فما إن تنحسر روح الإسلام فيها، إلا وَيَدُبّ الوهن في كل شيء في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر، والوعي والإدراك. فالوهن هو ضعف الروح عن الحركة والعزيمة، والفتور والجبن عن الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] والأمة التي تُظهر الوهن والاستضعاف-أو لا تفكر في رفعه ومقاومته-فإنها تعلن بذلك أنها أصبحت “وجبة مجانية” تدعو بنفسها الأعداء أن ينهشوها بلا خوف من ردة فعل أو رعب من ضربة على يد المعتدي.

سبب هذا الوهن

هو حب الدنيا، وكراهية الموت. والنكوص عن الجهاد في سبيل الله، فالوهن يسبب للنفس أيضاً مرض “الفردية والتوحد” والتمحور حول الذات، دون النظر بأي قيمة لأمة. أصبحت كغثاء السيل، ومن ثم تفترق الوحدة الجامعة للأمة، وتتفسخ الروابط الروحية التي تجمعها، وتُستباح روابطها المادية، فيهرب كل فرد إلى ذاته، ويختل التوازن الاجتماعي، ويقع الانهيار الحضاري للأمة.

ولعل حب الدنيا المقصود هو التنافس على متاعها والتقاتل عليه، واستباحة كل شيء في طريق هذا المتاع، وأخطر ما في حب الدنيا هو: نزعة حب التملك والسلطة، ونزعة جمع المال والثروة، وفي سبيلهما يُستباح كل شيء، فجاء في الحديث المرفوع للنبي ﷺ أنه قال: “وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ” [صحيح البخاري/ 4015]

وجاء في الأثر: ” إِنَّكُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ مَا لَمْ تَظْهَرْ فِيكُمْ سَكْرَتَانِ، سَكْرَةُ الْجَهْلِ، وَسَكْرَةُ حُبِّ الْعَيْشِ، وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ حُبُّ الدُّنْيَا فَلا تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلا تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلا تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْقَائِلُونَ يَوْمَئِذٍ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ كَالسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالأَنْصَارِ ” [مسند البزار/ 2631]

ولعل “حب الدنيا وكراهية الموت” هو كناية عن فقدان الروح الدافعة والنكوص عن حمل الرسالة، وما يستلزم ذلك من حركة ودعوة وجهاد وعمل دؤوب ووحدة واتحاد في الأهداف والغايات، وكراهية الموت دلالة على عدم تمني لقاء الله، والاستعداد للدار الآخرة، فالمسلم في هذه الدنيا ليُعد لمقامه الأخروي، وهو في شوق لهذه الدار، فلا يكره الموت، بل يستعد له، فهو أحرص الناس على الحياة الآخرة؛ فلا يتسلل إليه شعور الخوف والحرص الذي يجعله يُعرض عن المضي في معتركات الحياة.

وإن حب الدنيا لم يصب الأمم الأخرى بالوهن، بل جعلها أكثر حرصاً على القوة، وأكثر إدراكاً للسيطرة على المادة، وقد اختارت طريقها “متاع الدنيا وزينتها”. بعدما أصاب الوهن الروح، حتى قتلها، وسد عليها منافذ النور.
ولكن الأمة المسلمة وطبيعة تكوينها يجعلها لا تستطيع أن تنهض إلا بروح الإسلام سواء أرادت الدنيا أو الأخرة، فإن فقدت هذه الروح أو اختنقت أو انحسرت. خسرت الدنيا والآخرة.

ختامًا

وهذا الحديث وإن كان يشير إلى العلة وأسباب المرض، فإنه كذلك يشير-بطريقة ضمنية ومعنوية-إلى طريق العلاج وهو: الانتقال من “الحالة الغثائية” إلى “الحالة الريادية” هو إيقاف هذا السيل الجارف وعدم الاستجابة لضرباته، والمدخل الشيطاني لبقاء حالة الغثائية، هو الوقوف على مجرى السيل، “يُزين” للناس سباحتهم مع التيار ويجعلها ضرورة قاهرة، وجبرية لا مناص منها ولا خلاص، وإرادة قدرية لا يمكن تغييرها. بل أمر الله بها!! والهلكة كل الهلكة في محاولة السباحة ضد التيار، و”يخُوفهم” بمصير أولئك الذين حاولوا المضي عكس تيار السيل فهلكوا، وشُردوا، ليحاصر العقل الإنساني بتزينه الباطل، وبتخويفه من طريق الخلاص.

وإن السباحة ضد تيار السيل قد يبدأ معها الإنسان ضعيفاً لا يقوى على المواجهة، وحيداً لا يقدر على المقاومة، ولكن إذا صدق، وعزم، وقام بعد كل ضربة من ضربات السيل، فإنه يكتشف في نفسه القوة، والقدرة على المقاومة، وتقوى عضلاته شيئاً فشيئًا.ثم يبدأ الناس في الاجتماع، حتى تنخار عرامة السيل وهيجانه، ثم ينهض الناس شيئاً فشيئًا كأنهم يستفيقون من سكرة شديدة، وتتكشف لهم الحقائق كأنه “الميلاد الجديد”
فالطريق ليس الاستسلام إنما مقاومة السيل، ودفعه بقوة من يريد أن يملك قراره، ويصبح “حراً” وليس “عبداً” لحركة سيل أعمى، ويريد أن يتحول من “غثاء” يجره السيل، إلى “إنسان” كريم حر يقود الحياة نحو خلافة راشدة في الأرض، ويرتفع إلى مستوى الكرامة الإنسانية، والرفعة الإيمانية التي تبني حضارة ربانية لا تستسلم للوهن ولا للضعف ولا للطغيان ولا للفساد ولا للعبث، بل تمضي لتكون خير أمة أخرجت للناس.

السند:

الراوي: ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ، وقد انفرد برواية هذا الحديث، ويرويه عنه أبو هريرة كذلك.

سلسلة الرواة:في سنن أبي داود: فيها “صالح بن رستم الهاشمي” (أبو عبد السلام) وثقه ابن حبان والذهبي، وقال أبو حاتم الرازي، وابن حجر العسقلاني “مجهول لا نعرفه”.في مسند أحمد: فيها “مبارك بن فضالة القرشي” (ابن أبي أمية) مدلس، وهناك من وثقه.في مسند أبي داود: فيها “عمرو بن عبيد التميمي” وهو مقبول، وقد روى عن ثوبان فقط هذا الحديث.في شعب الإيمان: يبدو هناك احتمال أن يكون الحديث موقوفاً.التقييم العام للسند (فيما أرى):حسن، ويحتمل الضعف.