الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الأربعاء، 27 فبراير 2013
الشيخ «حسن البنا».. والصحفي الأمريكي «روبير جاكسون»
الشيخ «حسن البنا»..
والصحفي الأمريكي «روبير جاكسون»
في ذكرى استشهاده والتي مرت علينا يوم 12 فبراير، نتذكر ما قاله الصحفي الأمريكي «روبير جاكسون» عن الإمام حسن البنا..
يقول «روبير جاكسون» في كتابه «حسن البنا الرجل القرآني»:
«في فبراير سنة 1946م، كنت في زيارة للقاهرة، وقد رأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص، وكتبت في «النيويورك كرونيكل» بالنص: زرت هذا الأسبوع رجلاً قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه، ذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان..
وقد صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكراً..
هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلاً بالكنز الذي يقع في يده، لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة عندما كنت أزور القاهرة بعد أن التقيت بطائفة من الزعماء المصريين ورؤساء الأحزاب، فقد كان خلاَّب المظهر، دقيق العبارة، بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية.
لقد حاول أتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه أن يصوروا لي أهداف هذه الدعوة، وأفاضوا في الحديث على صورة لم تقنعني، وظل الرجل صامتاً، حتى إذا بدت له الحيرة في وجهي، قال لهم: قولوا له: هل قرأت عن محمد؟ قلت: نعم.
قال: هل عرفت ما دعا إليه وصنعه؟
قلت: نعم. قال: هذا هو ما نريده..
وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغناني عن الكثير. لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط، ومظهره العادي، وثقته التي لا حد لها بنفسه، وإيمانه العجيب بفكرته، كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها، بل في الشرق كله.
كان الرجل عجيباً في معاملة خصومه، لا يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم إلى صفه، وكان يرى أن الصراع بين هيئتين لا يأتي بالنتائج المرجوة، وكان يؤمن بالخصومة الفكرية ولا يحولها إلى خصومة شخصية، ولكنه مع ذلك لم يسلم من إيذاء معاصريه ومنافسيه، فقد أعلنت عليه الأحزاب حرباً عنيفة.
كان حسن البنا الداعية الأول في الشرق الذي قدم للناس برنامجاً مدروساً كاملاً، لم يفعل ذلك أحد قبله.. كان مذهبه السياسي أن يرد مادة الأخلاق إلى صميم السياسة بعد أن نزعت منها، وبعد أن قيل: إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان..
وكان يريد أن يكذب قول «تاليران»: «إن اللغة لا تستخدم إلا لإخفاء آرائنا الحقيقة»، فقد كان ينكر أن يضلل السياسي سامعيه أو أتباعه، أو أمته، وكان يعمل على أن يسمو بالجماهير، ورجل الشارع، فوق خداع السياسة، وتضليل رجال الأحزاب.
من أبرز أعمال هذا الرجل، أنه جعل حب الوطن جزءاً من العاطفة الروحية؛ فأعلى قدر الوطن وأعز قيمة الحرية، وجعل ما بين الغني والفقير حقاً وليس إحساناً، وبين الرئيس والمرؤوس صلة وتعاوناً وليس سيادة، وبين الحاكم والشعب مسؤولية وليس تسلطاً..
وتلك من توجيهات القرآن، غير أنه أعلنها هو على صورة جديدة لم تكن واضحة من قبل.
الثلاثاء، 26 فبراير 2013
الشهرة بين الطلب والهرب
الشهرة بين الطلب والهرب
الشيخ الدكتور عمر بن عبدالله المقبل
الشيخ الدكتور عمر بن عبدالله المقبل
لا تكاد تخطئ عين القارئ في سير السلف الصالح ـ رحمة الله عليهم ـ الحديث عن كراهية الشهرة، فنقرأ أمثال هذه العبارات: "لم يكن يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة"، و "كان فلان يتوقى الشهرة" وقال أحد الأئمة يعظ أخاه: "إياك والشهرة , فما أتيت أحدا إلا وقد نهاني عن الشهرة"، وقال آخر: «بث علمك , واحذر الشهرة»، ورويت الجملة هذه عن غير واحد: «لم يصدق الله من أحب الشهرة»، وأمثالها كثير.
ولا ريب أن هؤلاء الأئمة لم تتوارد كلماتهم إلا وهم يدركون أثر الشهرة على القلب، وأن الإنسان كلما زادت شهرته، صارت التبعة على قلبه أكبر، من جهة المجاهدة على الإخلاص، والتجرد لله تعالى، ومكابدة القلب على تخليصه من حظوظه.
وهذا المعنى حقٌّ وظاهر، ولا يأباه من عرف سيرة القوم ومرادهم، إلا أن الذي رأيته في واقع بعضِ طلاب العلم، وبعض مَنْ لديه ما يمكنه الانطلاق به في الدعوة إلى الله تعالى، أنهم يستحضرون أمثال هذه الآثار ـ حقيقةً أو معنى ـ كلما عُرِضَ على أحدهم المشاركة في نشر العلم، أو الدعوة إلى الله تعالى، وكأن هذه الآثار نصوص نبوية قطعيّة محكمة غير منسوخة!
ولو سأل هؤلاء الإخوة ـ الذين يحتجون بمثل هذه الآثار ـ كيف وصلت إلينا هذه الآثار؟ وكيف عرفنا هؤلاء الأئمة؟ بل كيف صاروا أئمة يقتدى بهم، ويشار إليهم بالبنان؟ لم يكونوا كذلك إلا ببذلهم وعطائهم، ولو أنهم آثروا الخمول التام لما انتفع الناس بعلمهم، فهم ـ لعظيم فقههم ـ لم يكن حذرهم من تطلب الشهرة مانعاً لهم من الإنفاق مما وهبهم الله من العلم، وإلا كيف عرفناهم؟!
ولا يخفى على طلاب العلم، أن الشهرة بالعلم وطلب الحديث أحد شروط قبول رواية الراوي، وإلا كان ذلك مما يقدح في صحة ما يرويه؛ لدخوله في عداد المجاهيل ومستوري الحال.
وهذا الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أحد أشهر الأئمة الذين كانوا يكرهون الشهرة، ويهربون منها، حتى قال: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف، قد بليت بالشهرة، إني أتمنى الموت صباحا ومساء.
وقال مرة: ما أعدل بالفقر شيئا، ولو وجدت السبيل، لخرجت حتى لا يكون لي ذكر.
وقال لتلميذه المروذي: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك، فإني قد بليت بالشهرة. [ينظر في هذه النقول عن الإمام: سير أعلام النبلاء ط الرسالة (11 / 216، 226)، الآداب الشرعية (2/27) ].
هذا الإمام ـ الذي قال عن الشهرة ما قال ـ لم يمنعه ذلك من أداء ما أوجبه الله عليه من بلاغ العلم، ومخالطة الناس، بل والوقوف في وجه السلطان وعلماء السوء حين دعي إلى المقالة البدعية الكفرية: القول بخلق القرآن!!
والنظر في سيرة هذا الإمام ـ وغيره من الأئمة الذين كانوا يكرهون الشهرة كابن سيرين وأيوب السختياني والثوري ـ هو الذي يحدث التوازن في هذه المسألة التي صار فيها كثير من الناس بين طرفي نقيض.
ودونك هذا النص البديع من الإمام النووي ـ رحمه الله ـ حيث قال في كتاب القضاء من "روضة الطالبين" (11/92): وأما من يصلح ـ أي للقضاء ـ فله حالان، أحدهما: أن يتعين للقضاء، فيجب عليه القبول، ويلزمه أن يطلبه ويشهر نفسه عند الإمام إن كان خاملا، ولا يعذر بأن يخاف ميل نفسه وخيانتها، بل يلزمه أن يقبل ويحترز، فإن امتنع، عصا".
وقال بعد ذلك بقليل ـ (11 / 93) ـ: "وأما الطلب، فإن كان خامل الذكر، ولو تولى، اشتهر وانتفع الناس بعلمه، استحب له الطلب على الصحيح" انتهى.
وهذا ـ لعمر الله ـ هو الفقه الذي تجتمع به الأدلة، وقد ازداد جماله أنه صادر من عالم عابد زاهد.
والذي يظهر ويلاحظ في السير، ويُشاهد في أرض الواقع، أن الشهرة كالإمارة، من طلبها وكل إليها، وأصابه من ضررها بحسب ما في قلبه من الطلب، ومن أتته دون طلب وركض، أعين عليها.
إذا تبين هذا، فإن العاقل يحذر من طلب الشهرة، والركض خلف بريقها، أو القيام في بعض المواطن بقصد الذكر والشهرة بين الناس، كما ذُكِرَ في ترجمة أحدهم: "وكان يقرأ في التراويح بالشواذ رغبة في الشهرة"، أو يبلغ به الحال أن يكون كما قيل عن أحدهم: "لَهُ نفْسٌ شغفة بالشهرة، ومُشِفّة للعلو"! فإن مثل هذا أقرب للخذلان، وحرمان بركة العلم، بل وحبوط العمل ـ والعياذ بالله ـ!
والمسألة تحتاج إلى بسط أكثر، تجنبته عمداً، لأن القصد الإشارة، وإلا فهذه المسألة وثيقة الصلة بمسألتين كبيرتين: الإخلاص، ومسألة الخلطة أم العزلة؟ والبحث في تفضيل أحدهما على الآخر مما صنفت فيه المصنفات.
والموفق من تعاهد قلبه، وتفقد نيته، ومن صدق صدقه الله وأعانه، ومن تلبس بما ليس فيه شانه الله. اللهم أعذنا من شرور أنفسنا، ووفقنا لما تحبه وترضاه.
الطموح
الطموح
محب الدين الخطيب
محب الدين الخطيب
خلوت بنفسي ليلة، وحاولت الالتجاء إلى سكينة الماضي؛ لأستريح من ضوضاء الحاضر؛ فتَمَثَّلْتُ أجيال البشر الغابرة، وجماعات الأمم الخالية، كأنها المواكب تجتاز الوهاد والآكام، أو المراكب تمخر في بحار الأيام.
وما من موكب سائر في قفر، أو مركب سائر في بحر، إلا وله عند الأفق مَشْعَل تلوح أنواره من بعيد، وهذا المشعل هو المطمح السياسي العام الذي تتخذه القوميات هدفًا لها في كلِّ أعمالها، فتتجه نحوه الأنظار والألباب، وتتوحد به الجماعات والأحزاب.
إن الارتفاع والانحطاط من شأن هذه المواكب وهي في قفارها، ومن دأب هذه المراكب وهي في بحارها؛ ففي حالتي الاعتدال والارتفاع يكون المشعل باديًا لطالبيه، ومِنْ ثَمَّ يكون السير مستمرًّا على هدى نحو الهدف المعين.
وأما إذا جاء دور الانحطاط فهنالك تغيب أشعة المشعل عن الناظرين إليها، فتختلف الأفكار في تعيين الغاية المنشودة، وبالتالي تتعدد المسالك، ويتشتت شمل سالكيها، ولذلك قال الدكتور غوستاف لوبون:
ليس التاريخ إلا رواية الأحداث والأفعال التي قام بها الناس سعيًا وراء المطمح...
وإن انحطاط الأمة يبتدئ يوم لا يكون للأمة مطمح تحترمه بجملتها، فيجاهد كل فرد منها بنفسه في سبيل حمايته والذود عنه.
وفي اعتقادي أنه ليس هناك كبير خوف على المطمح إذا كانت الأمة تعرفه وتتعلق به، وتلمح أشعته أثناء سيرها في موكب الأيام مع طبقات الأيام.
وإنما الخوف من انحطاط يخفى فيه على الأمة مطمحها؛ فتجهل غايتها العامة، ومقصدها الأسنى.
وحينئذ يظهر في الأمة أناس ممتازون من أهل الطموح فيفنون في أمتهم، ويتنازلون عن شخصياتهم، ويصرفون كل قوتهم في سبيل إنهاض موكبهم إن كانوا في بر، أو مركبهم إن كانوا في بحر، حتى يجعلوه في مستوى معتدل أو مرتفع، فيلوح للأمة حينئذ شُعَاعُ مشْعَلِها؛ فتهتدي إلى طريقها على نور المطمح السياسي العام.
المطمح السياسي لهذه الأمة - في كل أعصارها وأقطارها- هو الحرية والاستقلال، وأهل الطموح هم الذين يأخذون بيد الأمة، وهي سائرة في موكب الأيام، فيرتفعون بها من وَهْدَةٍ إلى أَكَمَةٍ، أو ينتشلون مركبها من هوة إلى رأس لجة، حتى تكون مُبْصرةً مِشْعَلَها المنيرَ في الأفق، فتسير نحوه بأقدام ثابتة، كإقدام الأسود، وبخطوات واسعة، كخطوات المرَدَةِ.
مثل ذوي الطموح في الأمم كمثل العزم النوراني الشفاف المنبث في مواكب الأيام يدفعها نحو مشاعلها المتألقة في الآفاق، أو كالقوة البخارية التي تحرك مراجلَ مراكبِ الأنام؛ لتبلغ بها غاياتها المنشودة.
وكما أن قيمة المواكب تقاس بمبلغ ما فيها من نور العزائم، وقيمة المراكب تقاس بقوة البخار المحرك لمراجلها- فكذلك الأمم ما زالت، ولن تزال تقدر بأقدار أفرادها الممتازين، ورجالها البعيدة مرامي أنظارهم، الذين ندعوهم بذوي الطموح...
هذا هو الطموح الذي جعلته موضوع مقالي، وبه تَهُبُّ الأمة فترتفع من وهدتها حتى يشرف موكبها على منطقة الأفق، فيرى مشعَل المطمح العام، فيأنس به، ويُوَجِّهَ نحوه الأبصار والبصائر.
إنَّ حكمة الله في فوز أهل الطموح دائمًا ظاهرة من هبوط آيات الطموح الملهمة على قلوب أصحاب الحق، والحق من أسماء الله تعالى.
وإن من سنة الله في خلقه أن يقيض للحق أنصارًا من وراء سجف الغيب يؤيد بهم الثابتين على تأييد حقهم، المضحين بأرواحهم في سبيل الوصول إلى مطمح بني قومهم، الفانين في مصالح أوطانهم.
في استطاعة كل رجل من أفراد الأمة أن يكون من أهل الطموح إذا أذاب نفسه في الأمة والوطن، فصار يرى كل شيء فيه منهما ولهما، فإذا شعر بأن الأمة مهددة بخطر ينتاب مطمحها السياسي العام أدرك أنه لا قيمة بعد ذلك لماله وولده ونفسه فينسى كل هذه المقدسات الشخصية.
بمثل هؤلاء نهضت الأمم، وسلِمت الأوطان، وعلى قلوب هؤلاء هبطت ملهمات الفضائل، وعلى أيدي هؤلاء تتم جلائل الأعمال، وكل فرد يستطيع أن يكون منهم، وإن من عادة الأبطال من أهل الطموح أن يولدوا رجالًا كاملين عندما تتمخض بهم المصائب.
والليالي من الزمان حبالى
مُثْقلات يَلِدْنَ كلَّ عجيبة
المصدر: كتاب (الحديقة) لمحب الدين الخطيب، اعتنى به: سليمان الخراشي، الناشر: المكتبة السلفية، القاهرة. دار العاصمة، الرياض. (ص: 775) بتصرف.
الاثنين، 25 فبراير 2013
في الدعوة لإسقاط نظام مبارك
في الدعوة لإسقاط نظام مبارك
من مفارقات حياتنا في مصر أن بعض الأصوات أصبحت تنادي بإسقاط النظام الذي استجد في البلد، في حين أننا لم نتخلص بعد من النظام القديم الذي ثرنا عليه.
(1)
لم أصدق عينيّ حين وقعت في ذلك الصباح على خبر يقول إن مجموعة من الناشطين أطلقوا مبادرة عنوانها "وطن بلا تعذيب"، لأنني تصورت أن هذا موضوع حسم قبل سنتين، منذ اليوم الأول للثورة. وقلت إن ثمة أهدافا للثورة تحتاج إلى وقت طويل لتحقيق (العدالة الاجتماعية مثلا)، أما مسألة التعذيب، وغيرها من الأمور التي تتعلق بالكرامة الإنسانية. فإنها من الأمور التي يفترض أن تتوقف على الفور. إلا أن الشواهد دلت على أن الأمر ليس بهذه السهولة، لأن تقارير التعذيب التي توالت في الآونة الأخيرة اتفقت على أن الظاهرة لا تزال مستمرة، وأن مدرسة التعذيب لا تزال تمارس نشاطها، خصوصا في الأماكن البعيدة عن الأعين (في معسكرات الأمن المركزي مثلا).| أيا كان حجم التعذيب الحاصل فمجرد استمراره بعد سنتين من قيام الثورة يعد أمرا مشينا يشوه صفحتها، ويؤكد أن سياسات النظام القديم وأساليبه لم تتغير في قطاع مهم |
لن أختلف مع من يقول إن ثمة اختلافا في نطاق التعذيب في العهدين، فهو إذا كان قاعدة قبل الثورة فإنه أصبح استثناء بعدها. وهذا حق لا ريب، يرد عليه بأننا لم نكن غاضبين على حجم التعذيب ومداه، ولكننا كنا وما زلنا نرفضه من حيث المبدأ، فقليله مرفوض ومستهجن كما أن كثيره كذلك. ذلك أن تعذيب أي مواطن هو إهانة لكل المواطنين، وقد سبق أن قلت إنه قياس على النص القرآني الذى يقرر أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، باعتباره عدوانا على الحق في الحياة، فلنا أن نقول نفس الشيء بالنسبة لمن عذب إنسانا، لأن ذلك يشكل عدوانا على الحق في الكرامة، الذي كفله الله سبحانه لكل بني البشر (ولقد كرمنا بني آدم).
أيا كان حجم التعذيب الحاصل، فمجرد استمراره بعد سنتين من قيام الثورة يعد أمرا مشينا يشوه صفحتها، ويؤكد أن سياسات النظام القديم وأساليبه لم تتغير في ذلك القطاع المهم. وهو ما يثير سيلا من الأسئلة، بعضها يتعلق بتجذر تلك السياسات وصعوبة اقتلاعها، وبعضها يتعلق بموقف قيادات الأجهزة الأمنية ومدى استعدادهم لتغير تلك السياسات. ومن ثم مدى تجاوبهم مع الثورة التي قلبت نظاما كانت تلك الأجهزة سنده الحقيقي وسلاحه في مواجهة المجتمع. وهناك سؤال مهم آخر حول قدرة الرئيس على إعادة هيكلة تلك الأجهزة لتصبح أكثر تجاوبا والتزاما بقيمة النظام الديمقراطي الجديد. وهذه نقطة دقيقة وحساسة تحتاج إلى وقفة خاصة.
(2)
أستشهد هنا بما قاله الرئيس محمد مرسي يوم السبت الماضي (22/2) عن الصعوبات الجمة التي تعترض عملية إعادة بناء المؤسسات في مصر وقوله إن دونها عقبات جساما يتعين التعامل معها، ولست متأكدا من أنه يعني الأجهزة الأمنية تحديدا، أم أنه يتحدث عن موقف الجهاز البيروقراطي العتيد في مصر.لكنني أسمح لنفسي أن أقول بأن استمرار النظام السابق لثلاثين عاما متصلة، مكنه من أن يترك بصمات قوية على ذلك الجهاز، ودلت تجربة ما بعد الثورة على أن تلك البصمات أعمق مما كان متصورا، كما أن امتداداته وأصابعه لم يكن من السهل بترها بمجرد سقوط رأس النظام. وهذه الامتدادات ليست كامنة فحسب، ولكنها متحركة أيضا. وغني عن البيان أن حركتها لا تصب في صالح تأسيس النظام الجديد، وإنما العكس هو الصحيح لأن القرائن المتوافرة دلت على أن تلك الأصابع الموزعة على بعض أجهزة الدولة المهمة عملت على تعويق المسيرة وليس الإسهام في انطلاقها.
| خبرة الأشهر التي خلت والممارسات التي تمت خلالها أكدت بما لا يدع مجالا للشك وجود ركائز للدولة العميقة في مصر، جمعت أشتات الذين أضيروا من قيام الثورة وخصوم التوجه الإسلامي |
كما تبين أن هناك اختراقات غير محمودة لبعض تلك الأجهزة لم توفر شعورا كافيا بالاطمئنان إلى تمام ولائها، وهذه الملابسات تستدعي إلى أذهاننا فكرة "الدولة العميقة" التي عرفتها تركيا، ولا تزال حكومة حزب العدالة والتنمية منذ عشر سنوات تحاول تتبع خيوطها وكشف أصابعها المبثوثة في مفاصل الدولة وأجهزتها الحساسة. ذلك أن خبرة الأشهر التي خلت والممارسات التي تمت خلالها أكدت بما لا يدع مجالا للشك وجود ركائز للدولة العميقة في مصر، جمعت أشتات الذين أضيروا من قيام الثورة وخصوم التوجه الإسلامي.
وهؤلاء خليط من رجال الأجهزة الأمنية وأعضاء الحزب الوطني الذي هيمن طيلة عهد مبارك تحولوا إلى مراكز قوة في تلك المرحلة، فضلا عن بعض رجال الأعمال المحسوبين على ذلك النظام، إضافة إلى شخصيات نافذة في عالم البلطجة. وثمة لغط مثار حول مصادر تمويل الناشطين في ذلك المجال، داخلية كانت أم خارجية.
(3)
قبل أسابيع قليلة نشرت إحدى الصحف أن الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء سمح لرجال الشرطة أن يستخدموا الرصاص الحي ضد المتظاهرين. وفوجئ الرجل بذلك لأن الخبر كان مكذوبا من أساسه، فقدم بلاغا إلى النيابة العامة ضد الجريدة طالبا فيه التحقيق في ادعائها. وقال لي إنه استغرب ليس فقط لإقدام الجريدة على اختلاق الخبر، ولكن لأن بلاغه لم يتم التحقيق فيه، الأمر الذي دفعه إلى الاتصال بوزير العدل ليستفهم منه عن سبب تجاهل بلاغه.
نفس الشيء حدث مع وزير التنمية المحلية الدكتور محمد علي بشر الذي نقلت الجريدة نفسها على لسانه اتهامه للحكومة بأنها عاجزة، ولأن الكلام لم يصدر عنه، فإنه قدم بلاغا مماثلا إلى النيابة، لقي نفس مصير بلاغ الدكتور هشام قنديل.
هذا النوع من الأخبار المكذوبة أصبح أحد الأسلحة المستخدمة في تسميم الأجواء وإشاعة البلبلة في المجتمع، إذ منها ما يسعى إلى استثارة الجيش وإقحامه في الصراع السياسي والتلويح بإقالة قادته وفي مقدمتهم الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، ومنها ما يتحدث عن مخططات أخونة الشرطة والجيش، أو يروج للتقارير التي تستهدف التخريب والترويع تارة، واغتيال بعض الشخصيات تارة أخرى.| الأخبار المكذوبة، أصبحت أحد الأسلحة المستخدمة في تسميم الأجواء وإشاعة البلبلة في المجتمع. إذ منها ما يسعى إلى استثارة الجيش ومنها ما يتحدث عن مخططات أخونة الشرطة والجيش |
كنت قد رصدت تلك الوقائع في أحد الأعمدة قبل عشرة أيام، وقلت إنها صدى للمعارك التي خاضها إعلام مبارك، الذي أدار ظهره لما يقوم به الأميركيون والإسرائيليون في مصر، واعتبر أن خصومته ومعركته الإستراتيجية هي ضد الإسلاميين في الداخل وضد حماس وإيران وقطر في الخارج. وأردت بذلك أن أنبه إلى أن إعلام مبارك لا يزال حاضرا وفاعلا في مصر بعد الثورة، وأن أبواقه لا تزال تواصل بثها في ذات المسارات التي حددها نظامه، الأمر الذي لم يمكن للأصوات الوطنية والمستقلة من أن تعبر عن الواقع الذي استجد بعد الثورة، وفاقم المشكلة أن بعض معارضي النظام لجؤوا إلى تطبيع علاقاتهم مع إعلام مبارك، فاستخدموا منابره لرفع أصواتهم وتوصيل رسالتهم، وتصور بعضهم أنه يدافع عن أهداف الثورة، في حين أنه يتحرك في حضن الثورة المضادة.
(4)
ما سبق ذكره يسلط بعض الضوء على جوانب من مخلفات النظام القديم وصعوبات إقامة النظام الجديد، ولست أشك في أن تلك الخلفية لها أثرها في تعقيد حسابات الرئيس محمد مرسي وبطء حركته وربما في تردده. ولا أعرف بالضبط إلى أي مدى أثرت على قراراته. وفي هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأننا لا نكاد نرى في تلك القرارات ما يعبر حقا عن تطلعات الثورة، ذلك أنها وباستثناء قرار حل المجلس العسكري بدت إصلاحية في عمومها، ومن ذلك النوع الذي يمكن أن يصدر عن أي حكومة حسنة النية، ودونما حاجة إلى ثورة تطيح برأس النظام وتزلزل قواعده، وتسيل فيها دماء ويسقط شهداء كثر جراء ذلك.ذلك كله لا يعفي الرئيس محمد مرسي وإدارته من المسؤولية، لأنه من الطبيعي أن تواجه الثورة تحديات داخلية وخارجية (دولية وإقليمية) أثناء سعيها لإقامة النظام الجديد. وفي هذه الحالة تقاس الكفاءة بمعيار قدرة النظام الذي أفرزته الثورة على مواجهة تلك التحديات. ورغم أن ثمانية أشهر من حكم الرئيس محمد مرسي لا تكفي للحكم على تجربته، إلا أن خبرة الأشهر الثمانية كشفت عن ثلاث ثغرات أو عورات أساسية أحسب أنها عوقت بدورها التقدم صوب إقامة النظام الجديد، وهذه العورات تتمثل فيما يلى: غياب الرؤية -قلة الخبرة -سوء التقدير.
| لا يزال أمام الرئيس مرسي مهمتان لكي يقيم النظام الجديد, الأولى عاجلة تتمثل في إطلاق مبادرات تستلهم روح الثورة وأهدافها, والثانية آجلة تتمثل في تفكيك مؤسسات الدولة القديمة وإعادة هيكلتها |
الأفق ليس مسدودا كما يبدو لأول وهلة، إذ لا يزال أمام الرئيس مرسي مهمتان لكي يتقدم على طريق إقامة النظام الجديد، الأولى عاجلة تتمثل في إطلاق مبادرات تستلهم روح الثورة وأهدافها، خصوصا ما تعلق بتحقيق العدل الاجتماعي ومواجهة مشكلتي العشوائيات والبطالة، أو ما تعلق بتطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، أو باستصلاح الأراضي وتوزيعها على الفلاحين... إلخ.
أما المهمة الثانية والآجلة فتتمثل في تفكيك مؤسسات الدولة القديمة وإعادة هيكلتها، والعمل على استثمار الطاقات والخبرات والإمكانيات الوطنية المحلية واعتبارها قاطرة التنمية والاستقلال الاقتصادي.وهذه مجرد أمثلة استلهمتها مما سمعته من خبراء ناقشتهم في مخارج الأزمة التي تمر بها مصر، في المقدمة منهم الدكاترة حازم الببلاوي ومحمد محسوب وعماد الدين شاهين وحامد الموصلي. ولست أشك في أن الإنصات إليهم هم وأمثالهم يمكن أن يثري محاولة العثور على ضوء نهتدي به في مسعى إسقاط نظام مبارك، وإجهاض الدعوة للانتحار ووأد النظام الجديد.
المصدر:الجزيرة
متحف الألم!
متحف الألم!
د. سلمان بن فهد العودة
25/02/2013
قالت له أمه وهو يستعد لزيارة القاهرة:
- أحرج عليك ألا تزور ميدان التحرير!
- ماذا أفعل ووجهتي هي ميدان التحرير؟
في الطائرة تحدث مع صديقه عن( المتاحف) التي يحسن أن يزورها السائح..
- أحرج عليك ألا تزور ميدان التحرير!
- ماذا أفعل ووجهتي هي ميدان التحرير؟
في الطائرة تحدث مع صديقه عن( المتاحف) التي يحسن أن يزورها السائح..
في قلب ميدان التحرير متحف الثورة الذي ضم صور الأحداث، الشهداء الذين رحلوا وهم يحلمون أن يروا المحروسة بصورة مختلفة، غرف صغيرة وسقف بسيط من الخشب، يوحي بأنه بُني بتبرعات المصريين، تعليقات ورسومات بطريقة كوميدية أوكاريكاتورية، تشمل رجال الحكومة والمعارضة.
في دار الأوبرا معرض فنون تشكيلية، في الفيس بوك عشرات المتاحف الافتراضية لثورة25 يناير، سنظل نذكر الأرواح التي رحلت دون أن ترى التغيير، وسنعرف فضل الذين ذهبوا طاهري الجيوب لم يتنازعوا على الدنيا، ثم زوار يتمنون أن يعيشوا لحظات الثورة كلما شاءوا، ليستعيدوا فرحتها التي لا تتكرر، وسواح ومؤرخون يريدون توثيق الهتافات الرائعة التي ابتكرها المصريون، وصار العالم يرددها من ورائهم: "الشعب يريد إسقاط النظام"، تدوين أسماء الراحلين في محطات المترو والميادين العامة مقرونة بأدوارهم، تحقق معني الشهادة، فالناس شهداء الله في أرضه.
ما أكثر الفنانين والمصورين الذين ينتظرون فرصة للمشاركة في إثراء المتحف بما لديهم..
دور الصورة هائل في إلهاب الحماس وتصوير المعاناة وإلهام المشاهد ما تعجز عنه الكلمات، وكلما مر الزمن عليها تضاعفت أهميتها، الصورة ستلهم المزيد من التسامح والتصالح والتغافر والالتفات للمستقبل والوفاء لأهداف الثورة العظيمة، عروض ثلاثية الأبعاد تجعلك ضمن المشهد، عروض (الفيديو) الحاسمة، ليعلم كل رئيس أنّ للشعب كلمته.
فنّ الشارع فكرة جديدة لتنزيل الفن من برجه العاجي ليتذوقه أي أحد، إنّها أحد منجزات الثورة؛ حيث أصبح الفن ديمقراطيًّا، وها هو( بانكسي) الرسام المشهور المجهول يرسم نسخة من الموناليزا للفقراء، ويتحدي الصهاينة بتخليد المأساة الفلسطينية!
في الجيزة متحف متميز خاص بأدوات التعذيب في العالم، لكن متحف الرعب الذي ينتظره السواح يجب أن يجمع أدوات التعذيب والتنصت والاستجواب والوسائل الاستخباراتية، ليقول الناظر مذهولاً فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.
الوثائق والمستندات والتقارير السرية وكل ما تحت الأقبية مما لا ضير في نشره يجب أن يراه الناس، أخلاق الثائر تؤمن بالصفح وطي صفحة الماضي، ولكن ليتأكد كل مصري أنّ الجميع قرروا أنّ ذلك الماضي البائس لن يعود.
نريد أن نقرأ التقارير الأمنية التي كانت أداة الإدانة من المحكمة، ليستحضر هذا كل من يهم بأن يكذب فيما يكتب! الحرية تقود الشعوب.
لوحة في متحف اللوفر بفرنسا حاولت امرأة تشويهها فثار الفرنسيون، هم ينظرون إلى تاريخهم عبر تلك اللوحات، ومن يسرقها أو يشوهها فهو يعبث بذاكرة الشعب.
التوانسة- الليبيون- اليمنيون- والسوريون- يجب أن يوثقوا تاريخ الألم والتضحيات، وتاريخ ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وأن يجعلوا ذلك في أهم ميادينهم وأشهرها.
ليس لنعيش الألم، بل لنحاربه.
الفلسطينيون أنشئوا متحفًا رائعًا في لندن، كان إحدى وسائل الدفاع عن قضيتهم العادلة.
معارض الكتب يجب أن تحتفي بما يخص تاريخ الثورة، فهي متاحف ثقافية.
في أجواء الحرية لا يبقى عذر في أن يأخذ فرد زمام المبادرة ويجمع حوله الممولين والداعمين، وما أكثرهم! وستكون الشبكات الاجتماعية أسهل طريقة للتنسيق كما حدث ذات ثورة.
أحلم قريبًا أن تحط بي الطائرة في مطار القاهرة فأراه يخضع لعملية إصلاح واسعة، وأن يصحبني سائق التاكسي الذي صاغته الثورة ليكون معبرًا عن روح مصر، إلى (المتحف الثوري) الذي أصبح قبلة الزوار! وأين ؟ في مبني الحزب الوطني السابق وما حوله!
سيكون جميلاً أن يتم تحييد ميدان التحرير بعد هدوء العاصفة ليبقي معلمًا سياحيًّا يفضي إلى العديد من المتاحف والمنجزات التي يتقن المصريون صنعها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)