الأحد، 17 أبريل 2022

من حكايات "النخبة المصرية" (3)

من حكايات "النخبة المصرية" (3)

في أواخر فبراير/شباط من عام 2004 اتصل بي الصحفي الأستاذ أنور الهواري، وكان وقتئذ يعمل مديرًا للتحرير بمجلة "السياسة الدولية" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام، وفي الوقت نفسه كان قد بدأ العمل رئيسًا للتحرير في جريدة يومية جديدة سوف تصدر لاحقًا باسم "المصري اليوم". كان الاتصال من أجل دعوتي للانضمام إلى فريق الجريدة الجديدة، وأن أعمل رئيسًا لقسم الرأي والمقالات بها. كنت وقتئذ لا أزال أعمل باحثا بمكتب وزير التجارة الخارجية يوسف بطرس غالي، وكنت أتحيّن الفرصة كي أنتقل من العمل الحكومي وأن أهجر البيروقراطية المصرية العتيقة إلى مكان آخر أكثر رحابة وحيوية وإمتاعًا، بعيدًا عن العمل الروتيني الذي ييبّس العقل، ويسطّح الفكر، ويقتل الروح.

استجبت لدعوة صديقنا الهواري، وكنت قد عقدت معه اجتماعات عدة في الأسابيع اللاحقة من أجل فهم رؤية الجريدة الجديدة ومساحة الحرية المتاحة بها، ومدى استقلاليتها عن مموّليها وعن مجلس إدارتها. وقد وُعدنا بأنها سوف تكون جريدة "ليبرالية" تعمل بمهنية من دون انحياز أو تحزب لتيار أو جماعة أو حزب أو مؤسسة بعينها، وإنما هي جريدة كل المصريين. مثّلت الروح والرؤية التي كان يتحدث بها الهواري عن مشروع الجريدة الجديدة إلهامًا لمجموعة الشباب الذين وقع تعيينهم بعد اختيارهم من مؤسسات صحفية مصرية مختلفة، ممن يتمتعون بدرجة جيدة من المهنية، والشغف والرغبة في النجاح، وكانت مصر في تلك المرحلة تفتقد وجود صحافة حرة ومستقلة على نحو حقيقي، وذلك بعيدًا عن الصحف الحكومية التي تسمّى بالصحف القومية، وكذلك الصحف الحزبية التي تناكف النظام وتعارضه بشكل متواصل، وكانت الصحف القومية وقتئذ مغلقة ومحتَكرة من قبل "أبناء مبارك" دون مجال للتغريد خارج السرب.

كانت مهمّتي هي محاولة إنشاء مدرسة جديدة للرأي في الصحافة المصرية تلتزم بأعلى سقف ممكن من حرية التعبير بعيدًا عن الإسفاف والهزل وفي ظل احترام جميع الآراء وتنوعها. في ذلك الوقت لم تكن هناك مساحة للأصوات والشخصيات المعارضة لمبارك في الصحف القومية، بحيث يمكن انتقاد نظام مبارك أو حكوماته انتقادا حقيقيا. وقد تزامن ذلك مع قدوم حكومة جديدة برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف سُميّت بحكومة "رجال الأعمال" أو حكومة "جمال مبارك" كونها ضمّت عددًا كبيرًا من رجال الأعمال "النيوليبراليين" المرتبطين بجمال مبارك نجل الرئيس الراحل حسني مبارك، كان من أبرزهم وزير السياحة زهير جرانة وأحمد المغربي وزير الإسكان ورشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة ووزير النقل محمد منصور وكذلك الدكتور محمود محيي الدين الذي كان يرأس آنذاك اللجنة الاقتصادية في حزب مبارك، الحزب الوطني الديمقراطي وغيرهم.

استغل البعض غياب الهواري في رحلة صحفية إلى جزيرة سومطرة الإندونيسية التي كانت وقتئذ تعيش مأساة زلزال تسونامي العنيف الذي أودى بحياة المئات، وقام بنشر إعلان لشركة تبيع "الخمور" في يوم وقفة عيد الأضحى المبارك عام 2004، وهو ما يتعارض مع السياسة التحريرية للجريدة، وينافي الميثاق الأخلاقي لنقابة الصحفيين.

بدأت التواصل مع عدد من الكتّاب والباحثين من أجل التعاون والكتابة في الجريدة والانضمام إلى قائمة كتّابها المستقبليين، وبدأت بالأسماء المعروفة، وضمّت القائمة الراحل الدكتور محمد السيد سعيد الذي كان من أهم المثقفين المناضلين والمعارضين لنظام مبارك منذ الثمانينيات حتى رحيله عام 2009، والدكتور وحيد عبد المجيد، والدكتور حسن نافعة، والناشط المعروف أحمد بهاء الدين شعبان، والأستاذ حسين أحمد أمين -نجل المثقف والباحث الأصولي المعروف أحمد أمين وشقيق الدكتور جلال أمين- والصحفي الأستاذ سلامة أحمد سلامة الذي اعتذر بأدب شديد، وكذلك الأستاذ صلاح عيسى الذي قبل الدعوة والشاعر المعروف أحمد فؤاد نجم وغيرهم الذين قبلوا الدعوة وانضموا إلى قائمة الكتّاب. كذلك ضمت القائمة بعض الأديبات اللاتي يكتبن في الحقل الأدبي مثل ميرال الطحاوي وسحر الموجي وشيرين أبو النجا وغيرهن.

كذلك تواصلت مع مجموعة أخرى من الباحثين والكتّاب الصحفيين الذين كانوا في مرحلة الصعود في الفضاء العام مثل الدكتور عمار علي حسن والدكتور عمرو الشوبكي والأستاذ هاني رسلان، والصحفيين محمد الغيطي وحمدي رزق وإبراهيم عيسى وغيرهم مما لا تسعفني الذاكرة في تذكر أسمائهم الآن. كان الهدف ضخ دماء وأفكار جديدة في جسد الصحافة المصرية، وقد ساعد على ذلك المناخ السياسي الذي كان قد بدأ يشهد بداية انفتاح سياسي محدود، تحت وقع ضغوط إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش الذي تعهد بدعم الديمقراطية في المنطقة وذلك أحد أهداف مرحلة ما بعد الـ11 من سبتمبر/أيلول، وهو ما اضطر مبارك إلى الاستجابة لهذه الضغوط وفتح المجال العام أمام الصحافة المكتوبة والمرئية.

وفي السابع من يونيو/حزيران 2004 انطلقت جريدة "المصري اليوم" بشكل رسمي، وكان ذلك حدثًا فارقًا وقتئذ في مسيرة الصحافة المصرية المستقلة. وأذكر جيدًا كيف أن مقال رئيس التحرير الأستاذ أنور الهواري الذي حمل عنوانا جريئًا باسم "إلى فرعون مصر"، الذي كان يوجه فيه رسالة قوية لمبارك بطريقة لم يعتد سماعها، قد أثار كثيرا من الجدل في الداخل والخارج إلى الدرجة التي عدّته وكالة رويترز خبرًا يستحق التغطية وأجرت لقاء مع الهواري بشأن ما جاء بمقاله.

مواقف وحكايات وطرائف كثيرة حدثت أثناء رئاستي لقسم الرأي في جريدة "المصري اليوم"، التي لم تدم طويلًا فقد استقلت بعد 9 أشهر فقط مع الهواري والصحفي الراحل المهذّب عادل القاضي، وذلك نتيجة لخلاف وقع بين الهواري ومجلس إدارة الجريدة وعضوها المنتدب آنذاك الناشر المعروف هشام قاسم، إذ استغل البعض غياب الهواري في رحلة صحفية إلى جزيرة سومطرة الإندونيسية، التي كانت تعيش مأساة زلزال تسونامي العنيف الذي أودى بحياة المئات، وقام بنشر إعلان لشركة تبيع "الخمور" في يوم وقفة عيد الأضحى المبارك عام 2004، وهو ما يتعارض مع السياسة التحريرية للجريدة، وينافي الميثاق الأخلاقي لنقابة الصحفيين، وكذلك يتنافى مع أخلاق العاملين بالجريدة (اتضح لاحقًا أن نشر الإعلان كان فقط مجرد ذريعة للتخلص من الهواري!).

أما أكثر المواقف التي أذهلتني وقتئذ فهو عندما اتصل بي أحد كتّاب الأعمدة بالجريدة كي يطلب مني أن أحدد له موضوع عموده الأسبوعي، فقلت له "اكتب ما تشاء ما دام ليس به إسفاف أو سبّ وقذف ولا يحرّض على الكراهية". لم يصدّق الرجل أنه له كامل الحرية في اختيار موضوع عموده من دون تدخل مني أو من الجريدة. وقد عرفت لاحقًا أن ذلك هو السائد في معظم الصحف المصرية الحكومية التي لا بد أن تمر مقالاتها وأعمدتها على الأجهزة الأمنية، وأن هناك مسؤولا أمنيا عنها تجب عليه مراجعة المقالات قبل النشر للتأكد من أنها ضمن ما هو مسموح به.

كما علمت لاحقًا من بعض الأصدقاء والزملاء أن صاحبنا من أكثر الصحفيين المرتبطين بالأجهزة الأمنية في مصر، وهي ظاهرة معروفة وليست سرًّا، وأنه لا يكتب إلا ما ترضى عنه الأجهزة الأمنية، خاصة أنه يعمل بإحدى المجلات الأسبوعية التي تموّلها الحكومة. الطريف أن صاحبنا هذا لا يزال يكتب عمودًا يوميا في "المصري اليوم" وله برنامج تلفزيوني بإحدى القنوات التابعة لأجهزة الأمن، ومن أشد المنافحين والمبررين لجرائم النظام الحالي، وكلما قرأت عموده اليومي، مصادفة، تذكرّت تلك الواقعة الطريفة، وتأكدت أنه ما زال لا "يقدح من رأسه" وإنما يكتب ما يمليه عليه مسؤوله الأمني، ولله الأمر من قبل ومن بعد.




 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق