الجمعة، 8 أبريل 2022

هدنة جورج قرداحي في اليمن

هدنة جورج قرداحي في اليمن

      صورة جورج قرداحي على لوحة إعلانية تقديرا له في صنعاء      


وائل قنديل

الصحيح أنّ السعودية والإمارات قرّرا إحالة الرجل المقيم في العاصمة السعودية إلى التقاعد، وتقسيم السلطات والمزايا الممنوحة له على سبعة أشخاص، يشكّلون فيما بينهم مجلسًا رئاسيًا قياديًا، انتقاليًا لليمن، يتقاسم النفوذ عليه، كلّ من الرياض وأبو ظبي.

من العبث أن يقال إنّ عبد ربه منصور هادي قرّر هذا، أو أصدر إعلانًا بذاك، أو أعفى فلانًا أو عيّن هؤلاء، فالرجل الذي يعمل موظفًا في العاصمة السعودية بدرجة رئيسٍ صوري، عن بعد، لكيان ممزّق اسمه اليمن، لا يملك من أمر نفسه شيئًا، ولا يخطو خطوة واحدة من دون توجيهٍ من الذين يستضيفونه ويديرونه، وبالتالي الكلام عن أنّه استبق إعلان المجلس الانتقالي بإعلانٍ عن إعفائه نائبه القوي علي محسن الأحمر، هو نوع فاخر من العبث.

إذن، تحالف الرياض/ أبو ظبي هو الذي أعفى واستبدل وعيّن وأزاح، وهو أيضًا المعني بمخاطبة الحوثيين بلغة جديدة مهذّبة، تسميهم "أنصار الله" بعد أن كانوا المليشيات الإرهابية العميلة لطهران. كما يمكن، تأسيسًا على ذلك، الزعم إنّ مفاوضات الهدنة التي توصلوا إليها في اليمن، وإنْ كانت في ظاهرها بين منصور هادي والحوثيين، فإنها في باطنها وجوهرها الحقيقي بين السعودية والإمارات من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وفق صياغة الإعلان، الصادر من الرياض، منسوبًا لمنصور هادي "أن مجلس القيادة الرئاسي يتولى التفاوض مع "أنصار الله" الحوثيين لوقف إطلاق نار دائم في كافة أنحاء الجمهورية والجلوس على طاولة المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي نهائي وشامل يتضمن مرحلة انتقالية تنقل اليمن من حالة الحرب إلى حالة السلام".

ماذا تعني هذه الصياغة؟ أول ما يتبادر إلى الذهن، وأنت تقرأ هذه التحولات، أنّ ثمّة إقرارًا من كلّ الأطراف بأنّ الحرب في اليمن عبثية من أولها إلى آخرها، الأمر الذي يوجب على كل الذين رجموا وزير الإعلام المقال، جورج قرداحي، الاعتذار له، والاعتراف بأن توصيفه المشهد اليمني كان صحيحًا، حين قال، في مقابلة تلفزيونية، قديمة، إن هذه الحرب اليمنية عبثية ويجب أن تتوقف.

هذه العبارة هزّت لبنان كلّه، وانتهت بخضوع الحكومة اللبنانية للرغبة السعودية في معاقبة قرداحي وإقصائه من منصبه وزيرًا للإعلام، في مشهدٍ مهينٍ لكل معاني الكرامة الوطنية، وخصوصًا أنّ الرجل لم يرتكب جريمة، ولم يخطئ في الوصف حين وصف الحرب في اليمن بأنها عبثية. وقلت وقتها "أما وأنها حربٌ عبثيةٌ فهذا مسلّمٌ به ومفروغ منه، يشهد به كل مراقب منصف للمشهد اليمني. أكثر من ذلك، يمكنك القول إنها حربٌ ليست من أجل اليمن، يتناوب فيها طرفاها، المفترض أنهما خصمان، افتراس اليمن، سيادًة وحضارًة وإنسانًا، وبعبارة واحدة: هي واحدةٌ من غارات الحرب على الربيع العربي، في اليمن.

أما وأن جورج قرداحي قد قال إن الحوثيين يدافعون عن أنفسهم، فهذا صحيح تمامًا، من دون أن تكون محصلة هذا القول إن الحوثيين أصحاب حق، أو ضحايا، أو مقاومون يذودون عن التراب اليمني، فالحقيقة أنهم يدافعون عن وجودهم ومصالحهم وأهدافهم، بشراسةٍ تصل إلى ارتكاب مذابح جماعية بحق الشعب اليمني، كما أنّ الطرف المكوّن من السعودية والإمارات يدافع، هو الآخر، عن مصالحه ومخططاته وأهدافه، وفي مقدمتها قتل أي ملامح لثورة شعبية بدأت في اليمن 2011 ضمن تيار الربيع العربي الجارف.

كان ذلك في نوفمبر/ تشرين ثاني من العام الماضي، والآن ها هم رماة جورج قرداحي بالحصى، ينزلون عند رأيه ويرون الحرب عبثيةً ينبغي لها أن تتوقف، وأن تعقد هدنة سلامٍ مع الذين كانوا "مليشيات إرهابية" فصاروا بعد أقل من خمسة أشهر "أنصار الله" الذين يشاركونهم مفاوضات لإنهاء الأزمة اليمنية، بالتزامن مع اقتراب الخطى من توقيع الهدنة الأكبر في فيينا، لإحياء اتفاق البرنامج النووي بين إيران والولايات المتحدة والقوى الكبرى.

فور إعلان الهدنة، وتشكيل المجلس القيادي، وتغيير صفة الحوثيين من ميليشيا الإرهاب العميلة إلى أنصار الله، كان ثمّة إعلان آخر عن ضخ ثلاثة مليارات دولار من الرياض وأبو ظبي لمساعدة اليمن .. يتزامن ذلك مع الحديث المندلع بكثافة عن إفلاس لبنان واقترابه من الهاوية، الاقتصادية والسياسية، من دون أن يهتم أحد من العرب لما يجري هناك، في الوقت الذي بدأت فيه أبو ظبي ضخّ الدفعة الأولى من عشرة مليارات دولار مخصّصة لدعم الاقتصاد الإسرائيلي، من خلال صندوق أبو ظبي للتنمية، باكورة الصناديق الإماراتية التي ستبدأ الاستثمار في إسرائيل، عبر ضخ 200 مليون دولار سنوياً على مدى عشرة أعوام، بحسب الصحف الصهيونية.

هل ما يجري من ترتيبات في المشهد اليمني بعيد عما ينتظره لبنان؟ الشاهد أن ما يسمّي نفسه معسكر الممانعة المرتبط عضويًا بطهران يبدو مرحّبًا بهذه التطورات في المشهد اليمني، إن لم يكن مشاركًا في صمت ومن بعيد في هذه التفاهمات، اتساقًا لمقاربةٍ جديدةٍ من قضايا المنطقة، باتت أقرب إلى التواطؤ بالصمت إزاء ما يدور من ترتيبات جذرية في خريطة الشرق الأوسط، لتمرّ أمام هذا المعسكر، مثلًا، كارثة قمة النقب بمخرجاتها، فلا يعلّق أو يندّد أو يشجب ما كان يعتبره  صهينة القرار العربي في مواقف مماثلة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق