الاثنين، 25 أبريل 2022

هجرة إبراهيم عليه السلام إلى بلاد الشام وإقامة منارات التوحيد

 هجرة إبراهيم عليه السلام إلى بلاد الشام وإقامة منارات التوحيد
المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل بفلسطين

د. علي الصلابي

دعا إبراهيم عليه السلام أباه وقومه إلى عبادة الله وإلى التوحيد، ولاقى في ذلك الكثير والمحن، وقد قصّ الله علينا في كتابه الكريم كثيرًا منها وكان ذلك في العراق، ثم هاجر إبراهيم عليه السلام مع زوجته سارة وابن أخيه لوط إلى بلاد الشام، وهذه الهجرة هي ما ذكرها الله في كتابه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26].

شاء الله تعالى أن يهاجر إبراهيم عليه السلام وأن يقيم منارة من منارات التوحيد في بلاد الشام، وورث إسحاق النبوة عن إبراهيم ومن بعد إسحاق جاء يعقوب، وهكذا إلى أن جاء سليمان عليه السلام.

أما في مكة المكرمة، فلقد جاء إبراهيم عليه السلام بهاجر، وشاء الله أن تكون هاجر أمًّا للعرب، وأرسل الله إسماعيل عليه السلام إلى عرب الحجاز واليمن، فدعاهم إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة، فاستجابوا له ولم تنقطع آثار هذه الدعوة حتى بعث الله خاتم الأنبياء والمرسلين الذي كان من نسل إسماعيل عليهم أفضل الصلاة والتسليم.

وإذن، فلقد توحدت بلاد الشام ممثلة بإسحاق مع شبه الجزيرة العربية ممثلة بإسماعيل، وكان إبراهيم الخليل رائد هذه الوحدة الكريمة وأراد الله لخليله أن يكون له بيتان: أحدهما في القدس، والآخر في مكة، وكان إبراهيم عليه السلام يتنقل بين هذين البيتين، وفي ذلك دليل واضح على أن هذه المنطقة كيان واحد، وشاء الله تعالى أن يكون إسراء محمد صلّى الله عليه وسلّم من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وهناك يصلي بأنبياء الله ورسله إمامًا ثم يعرج إلى السماء، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1].

لو أراد الله لكان عروج رسول الله من مكة وليس من المسجد الأقصى، ولكنّه جلّ وعلا شاء أن يكون الإسراء بين مكة والقدس، والعروج من القدس، وفي هذا دليل على ارتباط القدس بمكة، وقد أدرك أصحاب رسول الله هذه الحقيقة فسارعوا إلى فتح بلاد الشام وطهّروا الأقصى من وثنيات الرومان، وحاول أعداء الله احتلال القدس مرات ومرات، لكن هذه المحاولات تحطمت أمام صمود المسلمين وقوة بأسهم (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، محمد سرور بن نايف زين العابدين، ص 179).

قال صاحب خطط الشام "أدرك العالم كله منذ القديم أهمية موقع بلاد الشام، فكانت هدفًا للغزاة الفاتحين، جاءها الفراعنة من البر والبحر، والبابليون والفرس من الشرق والشمال، وغازان وهولاكو وتيمور لنك من الشرق، ونابليون من الجنوب ومن الغرب بحرًا، وإبراهيم باشا المصري برًّا وبحرًا، أي من الغرب والجنوب الغربي، وجيوش الحلفاء من الإنجليز والفرنسيين والعرب -يعني الكاتب بالعرب جنود فيصل بن حسين- من الجنوب والغرب، ورأت الشام طلعة عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة الجراح، وخالد بن الوليد، وموسى بن نصير، ونور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، والسلطان سليم من الفاتحين، وعمر بن عبد العزيز، وابن تيمية من المجدّدين، وبختنصر وهولاكو وجنكيز وغازان وتيمورلنك من المخرّبين" (خطط الشام، محمد كرد علي، 1/12-16).

إن بلاد الشام مهبط للوحي وموئل للأنبياء ومقر للخليل إبراهيم عليه السلام وابنه إسحاق وأحفاده من الأنبياء عليهم السلام، وقد باركهم الله من فوق سبع سماوات.

 

ملاحظة مهمة: اعتمد المقال في مادته على كتاب "إبراهيم أبو الأنبياء والمرسلين"، للدكتور علي الصلابي، واستفاد كثيرًا في معلوماته من كتاب "منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله"، لمحمد سرور زين العابدين.

 

المراجع

  • منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، محمد سرور بن نايف زين العابدين، دار الأرقم، الكويت، ط3، 1409هـ-1988م.
  • خطط الشام، محمد كرد علي، مكتبة النوري، دمشق، ط3، 1403هـ-1983م.
  • إبراهيم أبو الأنبياء والمرسلين، علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، ط1، 2020م.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق