الأحد، 17 أبريل 2022

شخصية السامري

 شخصية السامري

د. محمد علي يوسف

شخصية السامري هي في الحقيقة شخصية محيرة جدا وهي من أكثر ما يلفت نظري في سورة طه

رجل من بني  إسرائيل تعرض لكل ما تعرضوا له

عاش معهم في مصر في فترة ثرية للغاية

رأى الآيات والمعجزات التي خوطب بها فرعون

ثم رحل مع موسى عليه السلام

عبر بحرا قد انفلق فكان كل فرق كالطود العظيم

وشهد غرق عدوهم الأكبر والأظلم والأطغى

وربما استمتع بالمن والسلوى ورأى تفجر الحجر باثنتي عشرة عينا وشهد رفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة

ثم بعد كل ذلك قرر أن يكذب!

وليس أي كذبة

لقد قرر أن يكذب على من رأى منه كل تلك المعجزات

يكذب وهو يعرف أنه يكذب

يكـذب وهو يدرك حقيقة كذبته منذ البداية

يكذب ويمعن في الكذب ويزينه

بعد كل ما سمع ورأى

أمر محير حقا..

لكن لماذا كذب السامري؟

وماذا كان يتوقع لكذبته؟

الحقيقة هذان السؤالان من أكثر ما يثير الدهشة في قصة السامري وكل سامري

أما عن السؤال الثاني وتوقعه لمستقبل كذبته فلربما ظن أن موسى لن يرجع من ميقات ربه ولن يكشف سذاجة كذبته بمنتهى السهولة بمجرد عودته

ولربما كان يتوقع أن ينتصر له قومه الماديون حتى إن عاد نبيهم

المشكلة فعلا في السؤال الأول

لماذا؟!

هل كان متآمرا مثلا يفعل ذلك لصالح أعداء بني إسرائيل؟!

ولكن من هم أعداء بني إسرائيل الآن

لقد هلك فرعون وهامان وغرق جنودهما وخسفت الأرض بقارون

لصالح من إذا يعمل؟!

يبدو أن نظرية المؤامرة لن تكون مقنعة هنا؟!

إذا فهي الزعامة وحب الترؤس

لكن هارون موجود

وموسى عائد

هل زعامة مؤقتة وتسلط عابر يستحقان أن يقدم المضل على مثل تلك الكذبة؟!

تزوير واختراع إله زائف وهو يعلم أنه زائف

إنها حقا من أكثر الكذبات إثارة للحيرة في تاريخ البشر

وما أكثر الكذبات المحيرة في هذه الدنيا

لكن بغض النظر عن السبب فالملفت حقا هو تلك النظرة الدونية التي نظر بها لبني إسرائيل

 نعم..

السامري في حقيقة الأمر كان يحتقر بني إسرائيل ويزدري عقولهم

هذا هو في رأيي التفسير الأكثر منطقية لإقدامه على فعلته الشنيعة

إنه يعلم جيدا أنهم قوم ماديون لا يؤمنون إلا بما يرون ويلمسون ولطالما سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة

إنهم يريدون إلها وفق تصوراتهم الضيقة وحواسهم القاصرة

فليقدمه لهم السامري إذا وهو يثق أن حماقتهم وضيق أفقهم ستجعلهم ينسون كل ما علمهم إياه موسى  وسيتجاهلون كل ما سينصحهم به هارون وسيغضون الطرف عن كل ما شهدوه من الآيات البينات والمعجزات الباهرات

وسيسارعون إلى تصديقه هو

تصديق من قدم لهم ما يطلبون وأسمعهم ما يحبون أن يسمعوا وأراهم ما يرغبون في رؤيته

سيصدقون السامري

وسيصدق أمثالهم كل سامري

حتى لو كان يحتقرهم بأكذوباته الساذجة وترهاته السخيفة وأساليبه المكشوفة

إنهم في الحقيقة يريدون ذلك

ويحبونه

يحبون السامري

ويشبهونه

ورغم فداحة الجرم الذي ارتكبه السامري ومدى الحيرة التي يسببها تصور وجود شخص لديه هذه الجرأة والقدرة على الكذب إلا أن جريمة مصدقيه لا تقل كثيرا عن جريمته

خصوصا في وجود هارون عليه السلام

– يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ

هذه والله كانت كافية لمن كان له قلب أو عقل

نبيهم الثاني -ويالحسن المعاملة  والتفضيل ممن جعل فيهم نبيان- يقول لهم بوضوح هذه فتنة

هذا ضلال

هذا ليس إلهكم ولا إله موسى كما يزعم السامري

 – وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي

ماذا يريدون أكثر من ذلك

وأي شيء لدى السامري يواجه به نبيا رأوا معه ومع أخيه من المعجزات ما لم تر أمة ما يشبهه

عجل!

مجرد عجل!

له صوت يشبه الخوار

أهذا ما أبهركم

أم لأنه ذهبي؟!

أأذهب بريقه عقولكم وأطاشت زينته وبهرجه منطقكم؟!

– {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ}

ولماذا موسى؟!

ألم يستخلف هو بنفسه أخاه عليكم؟!

كل ذلك مجرد حجج واهية تخفي حقيقة واحدة

أنكم تكذبون وتحبون الكذب

تماما مثله

مثل السامري

وإجابة السامري لسؤال موسى عليه السلام عن حقيقة ما فعل كانت عجيبة أيضا

{قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}

من سول له كل ذلك؟!

مـن المتهم الأول في هذه الجريمة؟!

من الذي يتحمل المسؤولية العظمى هاهنا؟!

إنها نفسه

تلك النفس التي تعد المتهم الأول في كثير من الجرائم التي وقع فيها البشر منذ بدء الخليقة

 أول جريمة قتل عرفها هذا المخلوق .. من المتهم الأول فيها

من الذي طوع لابن آدم تلك الجريمة؟

 {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله}

إنها نفسه أيضا

كذلك جريمة المراودة لنبي الله يوسف في قصته مع امرأة العزيز

 هي النفس مرة أخرى

{وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي}

حتى الوسوسة التي هي من خصائص الشيطان الوسواس الخناس فإنها أيضا وردت في القرآن منسوبة للنفس

“ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه”

من يوسوس هنا؟

نفسه

والشح أيضا منسوب في القرآن للنفس

“وأحضرت الأنفس الشح”

” وَمَنْ يوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ همُ الْمُفْلِحُونَ”

 فمقام النفس في الإفساد محفوظ إذاً كما هو واضح في تلك الأمثلة

فالحذر الحذر والاستعاذة من شرور النفس

خصوصا لو كانت كتلك النفس

نفس السامري

تلك النفس التي لا يناسبها إلا شعار واحد يرفع في مواجهتها

لا مساس

هكذا كان ينبغي أن يعامل السامري !

وكل سامري…

حين تصل بالشخص جرأته إلى الحد الذي يكذب فيه على الله ويضل الخلق عن سبيله مع سبق الإصرار والقصد وتسول له نفسه أن يزين له الباطل ويبرز له بريقه فحينئذ.. لا مسـاس

لـا تمسَّنا ولا نمسَّك

لا تلامسنا سموم لسانك ولا تقربنا خناجر كذبك

لكن لحظة

انتظر

قبل أن ترحل عنا ونرحل عنك هناك ما ينبغي فعله

ينبغي أن يُسف إضلالك ويُسحق زيفك ويُباد كذبك وادعاؤك

وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَنحَرِّقَنَّهُ ثمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا

حرق ونسف

أمام أعين طالما تاقت لبريق الإله الزائف الذي أخرجته لهم لابد أن تظهر الحقيقة ويتضح للجميع أنه الحقيقة لا شيء ولا يملك شيئا

إنه مجرد عجل

وها هو يغرق في اليم كما غرق إله زائف آخر ادعى أنه رب أعلى

فهل فهم أتباع السامري؟!

وهل سيفهم أتباع كل سامري؟!

أم العكس هو ما يحدث للأسف

العكوف على السامري وعلى ما ينتجه السامري

قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ

وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا

تكرار لفظ العكوف هنا عجيب للغاية

لقد عكف بنو إسرائيل على الإله المزيف

وكذلك عكف السامري

عكف المجرم على إلهه رغم علمه الراسخ  أنه مزيف

ولم يرد عن بني إسرائيل عكوف أبدا فيما نعلم في غير ذلك الموضع

بنو إسرائيل عبدوا الله بعد ذلك وقبل ذلك

لكنهم حين عكفوا عكفوا على صنم

وكذلك فعل قوم إبراهيم عليه السلام

قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ

وبذلك وصفهم إبراهيم

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ

والحقيقة أن هذا شيء يدعو أيضا للتساؤل والعجب

ما الذي يجعل هؤلاء يهوون العكوف على باطلهم لهذه الدرجة بينما لا يعرف عنهم مثل ذلك تجاه الحق؟!

هل هي ماديتهم الساذجة تتجلى من جديد

أم أن للأمر جانب نفسي يدفعهم للصبر على آلهتهم الباطلة رغم علمهم الداخلي ببطلانها {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يرَادُ}

أم أن للباطل بريقا لا نعلمه يتمم الفتنة ويكتمل به الاختبار

ربما كل ذلك وربما شيء منه لكن الحقيقة الواضحة أن للضالين قدرة وهمَّة تدفعهم للصبر على العكوف بين يدي آلهتهم خاشعين منصتين لوعظ زائف من السامري

ومن كل سامري

لكن قبل أن يتوجه موسى إلى السامري ويسأله عن جرمه وزيف إلهه المزعوم اتجه لأخيه

اتجه للمصلح

للمؤتمن على القوم المستخلف على هدايتهم

لحامل لواء الدعوة والنصيحة والعلم

اتجه لأخيه

هارون

– يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي

وها هنا ترتيب يستحق النظر

دائما ما يتوجه المصلحون باللوم إلى أهل الإضلال ابتداء ولا شك أنهم يستحقون كما استحق السامري

لكن قليلا ما يعاتب المصلحون أنفسهم أو حتى على الأقل يتساءلون عن أدائهم لواجبهم

قد فعل هارون ما ارتآه واجبه وحذر ونصح ثم اجتهد وقرر أن ينتظر عودة موسى كي لا يفرق القوم

فهل فعل المصلحون ما عليهم وحاسبوا أنفسهم قبل أن ينظروا فقط إلى ما هو متوقع من أشخاص كالسامري؟!

هل اجتهدوا في البيان والنصح موازنين بين ذلك وبين الحفاظ على القوم والحرص على عدم تفريقهم وتمزيق أواصرهم قبل أن ينشغلوا بالشكاية من وجود من هم مثل السامري؟!

من وظيفتهم استغلال الفتن وهوايتهم إضلال الخلق وغوايتهم

فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ

هكذا كان الترتيب في الخبر الإلهي

أولا فتنة

اختبار يوضع فيه القوم

امتحان عليهم اجتيازه

ثم يأتي دور السامري

المُضل

الشخص الذي يوجه الخلق للمسار الخاطئ أثناء الفتنة ويدلهم على كل إجابة إلا الإجابة الصحيحة

وهذا هو الإضلال

وظيفة السامري وكل سامري

ولقد حاول بنو إسرائيل أن يستغلوا هذا الدور حين سألهم موسىَ: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي

فكانت الإجابة

 قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ

فكذلك ألقى السامري

هكذا حاولوا أن يعلقوا الأمر على شماعة المُضل الذي في الحقيقة لم يفعل الكثير

هو فقط ألقى ثم أخرج عجله فكان القول بعد ذلك منهم

هم من قالوا

 فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ موسَىٰ

الفتنة إذا فتنتهم والخيار خيارهم

والضلال ضلالهم أن صدقوا من أرادوا تصديقه

صدقوا السامري

ولا يكاد يخلو زمان ومكان من شخصية تشبه السامري

شخص تسول له نفسه أن يخرِج للناس ما يلتمع في أعينهم فيبرز لهم بريقه ويسميه بغير اسمه ويسوقهم لتقديسه وإجلاله!

ولكل سامري قوم  لا يرتاحون ولا تطيب لهم نفس أو يهدأ لهم بال حتى يجدوا ذلك العجل الذهبي الذي تتوق إليه عقولهم الصدئة ويوجههم إليه سامريهم!

فتش عن سامريِّك -إن كان لك واحد- وانسف عجله في أقرب يمّ واطرده من حياتك وأفكارك واجعل بينك وبينه وبين كل سامري شعارا ثابتا لا تحيد عنه

 لا مـساس

لـا مسـاس

فصل من كتابي ملامح


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق