الجمعة، 22 أبريل 2022

فخ الاعتراض

 فخ الاعتراض

2018-07-04

محمد جلال القصاص

يكون الاعتراض بناءً حين يمارس النقد، لا مجرد الاعتراض، حين يمارس النقد العلمي القائم على الدراسة التفصيلية وتقديم رؤية تفكيكية للمخالف ومن ثم رؤية تفصيلية بناءه لما يجب فعله، ولكن الغالبية تتحدث بعموميات وتعبر عن موقف ولا تقدم نقدًا علميًا، فقليل من يصبر على مكابدة التفاصيل.

بسم الله الرحمن الرحيم 
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

لو تجلس في ناحيةٍ من نواحيها وتتابع بعينك ما يجري فيها، ستلاحظ بوضوح بعضًا من الناس يشكلون ظاهرة في الحالة الإسلامية-وغير الإسلامية، ولكننا معنيون الآن بالصحوة الإسلامية- تبدو غريبة وتستحق الرصد والتحليل ومن ثم البحث عن المآلات. حفنة من الناشطين شغلهم في إثارة الغبار تحت أقدام مَن ينجح مِن أقرانهم. من هؤلاء؟، ولم يثيرون الغبار على أقرانهم؟!

نبدأ ببعض المشاهد لتوضيح الظاهرة:

بعد ثورة يناير2011 شارك الإسلاميون في العملية السياسية بأدوات الديمقراطية، لم يكد يتخلف منهم أحد (الجهاد، والجماعة الإسلامية، والقطبيون، والسلفيون، فضلًا عن الإخوان، والجزء السائل الذي لا ينتمي لجماعة..) إلا هؤلاء: أخذوا جانبًا وراحوا يثيرون الغبار على الجميع، وعلا صوتهم (مشركون في سبيل الله) (نصرهم الله فانتكسوا) (الهوية قضية كلية لا يمكن التنازل عنها). 
وحين صعد الإسلاميون للسلطة، وتولى شخص متدين عادوا ثانية يثيرون الغبار عن طريق المطالبة بالتطبيق الكامل للشريعة الإسلامية، وكأنهم في عهد الراشدين لا في دولة قومية؛ ويتهمون من يحكم (حزب أو فرد) في دينه بأحداثٍ فردية دافعها الأساسي سياسي وتخضع لقاعدة: دفع شر الشرين واختيار خير الخيرين، مثل التعامل مع إيران، أو تجديد تراخيص الملاهي الليلية !!

وفي المشهد الإقليمي يتجمع مثيري الشغب الذين لا يعجبهم شيء حول حماس المحاصرة.. التي اجتمع من بأقطارها على حربها، ويتهمونها في دينها وأنها مفرطة في تطبيق الشريعة!!

هل نحن أمام ظاهرة حقيقية؟
نعم نحن أمام ظاهرة حقيقية، تتواجد في أغلب مسارح الأحداث، ولكننا لسنا أمام فئة محددة من الناس تشكل ظاهرة بعينها، فالذين أنكروا على مَن استخدموا أدوات الديمقراطية بعد يناير2011  ليسوا هم الذين أنكروا على الدكتور مرسي واصطفوا مع العلمانيين (جبهة الإنقاذ)، وليسوا هم الذين يتحلقون حول حماس مستنكرين. فكل حدث يفرز نوعية معينة تشكل هذه الظاهرة. بمعنى أن الظاهرة ثابتة والأفراد مختلفون.

ويصعب تحليل هذه الظاهرة باستخدام نموذج تفسيري محدد، ففكرة النموذج (القالب)- كعادتها- تقف قاصرة أمام كثيرٍ من الظواهر السياسية؛ والأفضل هو البحث عن المتغيرات التي تشكل الظاهرة، سواءً المتغيرات المستقلة (المدخلات) أو الوسيطة (التي يمر من خلالها التفاعل الاجتماعي دون أن تؤثر فيه أو تتأثر به. تمامًا كالحافز في التفاعلات الكميائية)، أو المتغيرات التابعة (المتأثرة). ودعنا نفتش في التفاصيل عن أنماطٍ نتعرف من خلالها على المتغيرات بما يسمح به مقال.

ما السبب في هذه الظاهرة؟

السبب في نظري يكمن في ثلاثة مجتمعة أو متفرقة: أولها: الغرق في التفاصيل، وثانيها: الجهل بالسياق العام، وثالثها: الاعتقاد بأن المعركة مع المخالف صفرية.تجتمع الثلاثة أو بعضها فيثار الغبار في المشهد ممن يبتلى بواحدة من هذه الثلاث أو بهن جميعًا.
فأحيانًا يتم تضخيم قضية جزئية ويتم تجاهل السياق العام بدافع المصلحة شخصية أو المصلحة الحزبية (مثل: الشجب على التعامل مع إيران، ومثل: رفع قضية الهوية بعد الثورة مباشرة)، أو لأن هذه القضية الجزئية متضخمة في حس الأفراد بالفعل (مثل: قضية الحاكمية حسب ما يفهمون). ومع أن الأول (الذي يضخم القضية الجزئية ويتجاهل السياق العام عمدًا) والثاني (المتشنج الغلق الذي يقف عند قضية بعينها ويراها كل شيء ولا يلتفت للسياق العام للأحداث) قادمان من طرق مختلفة إلا أن كلاهما يقف بجوار الآخر ويثير الغبار في المشهد السياسي.
 وعدد ممن يتواجدون في هذه الحالة الإسلامية يتكئون على مبدأ مغلوط، هو: أن المعركة مع المخالف صفرية، ويغيب عنهم أن الشريعة جمعت بين الحدية والنسبية في الأحكام والمواقف العملية، يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران:7)، وفي الحديث: (الحلال بين والحرام بين وبينهم أمور مشتبهات). والخطاب والمواقف حال الاستضعاف في مكة غير الخطاب والمواقف بعد تكوين الدولة وفتح مكة في المدينة؛ ومشهور عند الجميع أن التشريع مرَّ بمراحل، أو استخدم التدرج في الإيجاب أو التحريم، وقد نقل ابن القيم حال النبي-صلى الله عليه وسلم- مع مخالفيه في مقدمة باب الجهاد في زاد الميعاد ونقلها عنه سيد قطب في المعالم؛ وفي تعليقات العلماء على الناسخ والمنسوخ أن الأحكام لا ينسخ بعضها بعضًا وإنما يناسب كل منها مناط بعينه تتنزل عليه؛ فالأحكام التكليفية الخمسة تأتي الشيء الواحد في حالات مختلفة. وجملةً: توجد دائمًا منطقة رخوة.. رمادية، تتحرك مع المناطق الصلبة الواضحة. حتى في ذروة التمكين تتواجد هذه المنطقة الوسط في الداخل (مع المنافقين والذين في قلوبهم مرض من أهل الشهوات) وفي الخارج (المعاهدين من الكافرين والمبتدعة في الدين بدرجاتهم المختلفة)، ولكن المعاصرين هؤلاء يريدون إنهاء الصراع واستقرار المشهد واضحًا جليًا، هادئًا. ولا يكون أبدًا. فالحياة مدافعة بين مختلفين، ولا تستقر إلا بالمدافعة، أو: لا تستقر .. بل دائمًا المشهد متحرك بعنف.. يدفع بعضنا بعضًا حتى نلقى الله ويحاسب كل منا على ما قدم وأخر فجنة أو نار؛ يقول الله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة: 251).

كيف تحول هؤلاء إلى ظاهرة؟

الطبيعي أن يوجد معترضين، ولكن تحول الاعتراض لظاهرة له سببان فيما يبدو لي:

أولهما: الأدوات الإعلامية، ويشارك من هذا الباب المخالف الذي يمتلك أغلب الأدوات الإعلامية. والأدوات ذات أهدافٍ خاصة ولها عينان تنتقي بعناية من تقدمه للجماهير.. لا توجد أدوات مستقلة أو محايدة.  

ثانيهما: الجمهور. دائمًا ما يجد المعترض تأييدًا من عامة الناس، وخاصة حين يتبنى مواقف إقصائية. وتنطلق الجماهير لا من صواب الفكرة وإنما من حقدها على من يسود ورغبتها في استقرار المشهد والتخلص من الخلاف. تبحث عن الاستقرار والهدوء. ويستخفهم الهتاف (الصوت العالي) ويميلون للإقصائيين الذين يبحثون- مثل الجماهير- عن نقطة الاستقرار، ويحسبونها في أقصى ما في المشهد، ولذا يتطرفون. وحين يتطرفون يجدون أنفسهم في مواجهة الجميع.. يجدون أنفسهم قد وقعوا فيما فروا منه!!

مآلات الظاهرة:

المعترضون موجودون في كل زمان ومكان، ولكنهم تحولوا لظاهرة بسبب الأدوات التي تمكن الجميع من التحدث للجماهير، وبسبب إفادة صاحب الأدوات من اعتراض هؤلاء، سواءً كان الاعتراض في مستوى القول فقط أم تطور لاعتراضٍ بالأفعال (شغب أو عمل مسلح)، ولولا الأدوات ما تحول هؤلاء لظاهرة ولا سمع بهم أحد، فالظاهرة في حقيقتها مفعلة من قبل أصحاب النفوذ، فهل يعقل هؤلاء؟!

يكون الاعتراض بناءً حين يمارس النقد، لا مجرد الاعتراض، حين يمارس النقد العلمي القائم على الدراسة التفصيلية وتقديم رؤية تفكيكية للمخالف ومن ثم رؤية تفصيلية بناءه لما يجب فعله، ولكن الغالبية تتحدث بعموميات وتعبر عن موقف ولا تقدم نقدًا علميًا، فقليل من يصبر على مكابدة التفاصيل.

وحين نترك هذه الظاهرة الجزئية ونصعد لأعلى نجد أن الاعتراض فخ نصب للحالة الإسلامية ككل، ذلك أنها حصرت نفسها في دائرة المعارضة دون أن تبذل جهدًا في فهم طبيعة المخالف وماذا يجب فعله لإزاحته أو لخلافته حال إزاحته. ولذا حين خرجوا من دائرة المعارضة وجاءتهم الفرصة واستلموا القيادة وتبعتهم الجماهير لم يستطيعوا فعل شيء!! وعادوا ثانية لفخ الاعتراض.. للمظلومية والشكوى، وكأنهم ألفوا الشكوى والشجب.. وكأنهم ألفوا سُكنى (فخ الاعتراض).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق