الثلاثاء، 5 أبريل 2022

العنصرية في ديار العرب

 

العنصرية في ديار العرب

من منا لم يجد يوما في صدره جرحا وإن بَسُطَ وهو يسمع أو يقرأ شيئا يشتم أصوله والبلد الذي ينتمي إليه من طرف إخوانه العرب من بلد آخر. تهمة تستبيح حرمة شعب بأكمله، وتنتقص من قدره وتقذف عرض نسائه وبناته، أو تطعن في مروءته، أو خصاله ونباهة أبنائه. تلج التهمة القادحة مَواطن القصص والنكات والأحاجي، وأيضا شبكة التواصل الاجتماعي والانترنيت.

 كثيرة هي التعليقات والتفاعلات التي بدل أن تناقش موضوع المقال تنحرف وتلهث وراء ترويج عدواني لتهم بائسة يقذفونها في حق نساء ورجال شعب بعينه، حتى غدت أشبه بالمسلمات والبديهيات أو كأنها منقوشة في دساتير الدولة، وبهذا صار ربط صفة قادحة بقوم بعينهم على وجه المطلق جنوحا عنصريا.

يأوي مفهوم العنصرية كل استعلاء يفضي إلى الانتقاص من قدر الشعوب العربية الأخرى في صيغة قذف، شتم، تجبر وكل وسم تخطه أذهاننا وألسنتنا على راية بلد معين ندعي عليه نقيصة كجبن أو فساد أخلاق أو بلادة وغير ذلك من التوصيف القادح بغير وجه حق. فالمرأة حين تأتي الفاحشة ليست لأنها مصرية أو عراقية أو مغربية وإنما لأنها أخطأت وكفى، والرجل حين يفتقد الرجاحة وصلابة الحنكة والحكمة ليس لأنه جزائري أو سوداني أو غيره وإنما لأنه لا يملك ذلك وحسب!

أستغرب كثيرا لتلك الإدانة الزائفة التي تكون بمثابة لائحة توصيف محدد يعتني المدين فيها بتعداد تهمه ليختم بها على جبين المدان من أبناء أمته وكأنها جينات تجدها في كل ذات انحدرت من تلك الأصول
قد يزعم البعض أن الأمر عادي للغاية ولا يعدو أن يكون انطباعا لا تأثير له وشائعا لدى المجتمعات جميعها. وهو طرح يبدو سليما ظاهريا لكنه يبقى سطحيا لأنه لا يتناسب وشدة المرحلة التي تمر بها أمتنا، والاستخفاف بتصور نكونه عن هذا البلد أو ذاك لا ينفي أن الثمار تنضج في الواقع حتى ولو لم يكن ثمة احتكاك مباشر، فينبع شيء من العداء والحنق والاشمئزاز تجاه هذا الجزء أو ذاك من الوطن العربي. وقد يجسد الرفض المطلق لقبول النسب ومنع المصاهرة بين أبناء الأمة الواحدة من طرف أسر اختلفت أصولها الوطنية وجها من أوجه هذه الإشكالية.

 إثارة هذا الأمر ليس من منطلق جلد الذات كما يريد أن يستنكر البعض كلما عمد أحد إلى تعرية مشاكل حقيقية وثابتة تنخر في عود الأمة العربية والإسلامية وخاصة تلك التي تمس الوشائج والسلوكيات الجمعية. المقصود هو الإشارة إلى ثقافة الإدانة التي تخطئ في تقدير العدو الحقيقي وتتقوقع في حيز الرَّبْع المشروخ لتجلد أبناء الأمة باستخفاف واستفزاز لا يراعي مشاعرهم ولا يقدر أُخُوتهم.

  إن الارتباط بيننا كعرب ومسلمين أيضا نلمسه جليا في بلاد المهجر الذي يشكل فضاء أساسيا لنسَاجة اجتماعية ودينية للالتقاء والتعايش والاحتكاك بين الوافدين من مختلف الأوطان العربية والإسلامية. إن تآلف الأنفس وسيلان المودة والإحساس بالخيط الرابط المتين، تلك الوحدة التي تؤتي ثمارها في مواقف حرج أو ضيق أوقضاء حوائج.

 نحس بوحدة الهوية والمصير المشترك في وسط مهما تغلغلنا فيه فإن الواقع والشعور بالاغتراب لا يسقطان أبدا. هذا المشهد التلاحمي الرائع بقدر ما يبعث على الفخر والسرور بقدر ما يترك مساحة فارغة وإن كانت ضيقة ونسبية يزاحمه فيها مشهد آخر يعكس صورة مغايرة بل وعلى النقيض من المشهد الأول. أتلمس شيئا من أوجهها وأنا أركب الحافلة أحيانا حين تقحمني حكايا الجالسين بقربي في عالمهم جهارا. أفهم من لهجات المتحدثين أنهم ينتمون إلى هذا البلد أو ذاك، ينزل بعضهم قذائف الشتيمة أو السخرية أو اللعنة والتسفيه على شعب عربي بعينه.

 أستغرب كثيرا لتلك الإدانة الزائفة التي تكون بمثابة لائحة توصيف محدد يعتني المدين فيها بتعداد تهمه ليختم بها على جبين المدان من أبناء أمته وكأنها جينات تجدها في كل ذات انحدرت من تلك الأصول. نعم قد نمر في بعض تجاربنا بقسوة أشخاص لم يترددوا في المبادرة بالنذالة والإساءة، وهو أمر وارد في سياقات شتى، لكن ذلك لا يعطي أحدا الحق في إدانة شعب بأكمله. لكل شعب، لكل بلد ثقافة محلية وخصوصية تميزه عن غيره، قد تمس المزاج والطباع والعرف الاجتماعي لكنها لا تلحق به دونية مقارنة مع غيره، ولم تكن الفواحش والانكسارات سمة وطنية يوما.

 إذا كانت هناك علل تنقص من قدر الإنسان وتشوب سيرته فهي لصيقة بنا جميعا كعرب، لأننا ننساب في الرتابة ونتحرك في الواقع كما ألفناه منذ الميلاد دون أن نحاول التفرس في سلوكياتنا وروافدها من تصورات وطرائق تفكير وأنماط تفاعلات في ظل هشاشة تربية تحسب الإسلام خمس أركان وحسب في تصور مجزئ ضيق وقاحل. فعدم احترامنا للفضاء المشترك على سبيل المثال يوحي بأننا لا نعي أنه يخالف تربية الإسلام في مسألة إماطة الأذى عن الطريق بكل أبعادها الحضارية والإنسانية. إن قصور الوعي على هذا المستوى ليس عائدا للأسرة والمحيط فحسب إنما تكرسه ثقافة وسياسة رسمية نبعها الأساسي هو الاستبداد الذي لا يرقى بمؤسساته إلى تنشئة ودعم السلوك الحضاري وإشاعة التوعية والإيجابية.

 

وسم قوم بأوصاف تضعهم في خانة من خانات النقصان والعار، والترويج له بأكثر من أسلوب يحتل مساحة فاسدة كان الأولى أن تستغل للتشهير بعدونا الحقيقي
إن الالتفاف حول نواة أحادية وادعاء الكمال والتفوق بنبرة نرجسية لا يرتقي إلى مستوى حضارتنا وما يعكس تحديدا هو تمزق الكيان الواحد. ومن مصطلحات هذا الالتفاف النرجسي هو كلمة النخوة، فكثيرا ما يتردد أمامنا في سياق مشاحنات مفتعلة قد تترجم في جانب منها بؤس الضغينة والفرقة والجهل بتعقيدات المشهد السياسي التي تفتعلها أطراف حاكمة في منطقتنا العربية والإسلامية. الإشكالية هنا ليست النخوة بمفهومها العربي والإسلامي الأصيل والتي تدل على الشهامة والمروءة والقدرة على حمل الأمور الجسام وهبة المرء لنصرة كل حق. وهو اصطلاح مناقض تماما لما يراد استعماله عند المتعصب.

 إن التعصب للأصول تحت شعار النخوة، والقدح في سيرة أبناء وطن آخر هو مغالطة في حق النفس ابتداء قبل الاعتداء المعنوي على الآخر، لأن النخوة لم ترتبط يوما بالانتصار للنفس حصريا وإنما جوهرها هو نصرة الآخر والهبة لنجدته وصيانة عرضه وكرامته ودفع الأذى عنه. كبرياء عليل لا يخفض جناحا ولا يصون ودا، يقطع أرحاما ويبتر أوصالا. إن رقي التصور والسلوك إن كان لا يعترف بالإقليمية فإنه لا يلغي الوطنية وسمو مفهومها وعمق أبعادها، والاعتزاز بالانتماء للقطر من شمائل الإيمان وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لمكة المكرمة.

 وأقرأ أحيانا في مواقع التواصل الاجتماعي تساؤل بعضهم المستنكِر: منذ متى يهتم العرب بأمرنا؟ في إشارة إلى متابعة الحراك الناشئ في بلده. في أول وهلة يبدو لي السؤال مستفزا، وبعد هنيهة تدبر أنظر للأمر من زاوية تتجاوز ضيق أفق السائل، وأدرك أن الثورة في الوطن العربي صارت مفتاحا لهذه القطيعة الزائفة وهذا الانغلاق الذي يحجب التواصل بين أبناء الأمة الواحدة. لقد شكلت الثورات العربية رحابة اشتدت إليها الأنظار وتعانقت الآمال، وارتفعت الدعوات بالنصر والغد الأفضل.

 جاست الحكاية كل الديار، وتسامر الأهل والأحباب حول تفاصيلها وانغمسوا في جزئياتها، وأدرك الناس مفاسد الحكم في بلدان كثيرة من احتكار للسلطة ونهب للخيرات والتي هي في نهاية المطاف قواسم مشتركة تقهر المواطن العربي وتسلبه حريته وتنتهك حرماته، وتبني طمعها في الخلود على جثث المستضعفين، وترتوي بدموع الثكالى والأيتام وعرق الفقراء الكادحين. إن أعداءنا ليسوا شعوبنا، ونخطئ كثيرا إن نحن لبسنا هذه الظنون، نخطئ إلى حد الجريمة.

 إن تدمير اليمن، وحصار قطر والسعي المحموم لإجهاض ثورات الربيع العربي بدعم الثورات المضادة في سوريا وليبيا ومصر، واستحقار الجزائر بهدف استنزافها، وخيانة فلسطين القلب النابض للأمة، ومحاولة ابتزاز المغرب بشأن وحدته الترابية، وهذا الهوس التوسعي مجاراة لحقد الهيمنة الإيراني في المنطقة العربية، كل ذلك عدوان عنصري بامتياز حتى وإن كانت السياسة واجهته الفضفاضة.

 إن وسم قوم بأوصاف تضعهم في خانة من خانات النقصان والعار، والترويج له بأكثر من أسلوب يحتل مساحة فاسدة كان الأولى أن تستغل للتشهير بعدونا الحقيقي، أي الصهيوني الذي يحتل مقدساتنا ويذبح أهلنا في فلسطين، وكذلك كل تلك الأنظمة المستبدة التي ترعى مصالحها وتسيج شعوبها بالحديد والنار والفقر والتجهيل، وتهرول إلى حماية إسرائيل جهارا وتتقرب إلى أعداء الأمة زلفى دون أن تجني أدنى اعتبار أو احترام أو هيبة. ولعل الترفع عن سوء الظن والشتيمة، واستبدال ثقافة الإدانة بمودة خالصة واحترام متبادل يليقان باللحمة الواحدة وبالمصير المشترك والطموحات الجامعة، قد يدفع عنا ما علق بنا من شوائب الفرقة التمييزية، والانشغال بالتشهير بأعدائنا الحقيقيين والذين يصطف لديهم حكام الاستبداد والصهاينة وإسرائيل جنبا إلى جنب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق