أسواق النخاسة المعاصرة
في أسواق النخاسة المعاصرة، لم يعد العبيد يقفون في طوابير مكبلين بالسلاسل لتُباع أجسادهم وتُفحص عضلاتهم كما كان يحدث منذ عقود..
الذي يُعرض في المزادات اليوم أثمن من ذلك بكثير..
العقول، والمواهب، والأقلام.
نخاسة من طراز فاخر، لا يديرها نخاسون حقراء كما كان يحدث بالأمس ولكن يديرها سادة يرتدون بدلات أنيقة، ويقف فيها عبيد شديدو الذكاء يشترون قيودهم طواعية.
هذا يطوع ترسانته البلاغية ببراعة، ويستغل ثغرات القانون لإنقاذ مجرم يدرك يقينا أنه غسل يديه للتو من دم ضحيته.
وذاك كاتب يضع قلمه الموهوب في خدمة الباطل، وينسج من حروفه أثوابا حريرية تستر عورات الفساد..
وذلك ال خبير التقني يبيع عبقريته البرمجية لابتكار خوارزميات تتلصص على الأبرياء، وتسرق خصوصيتهم وأسرارهم..
وصانع محتوى شديد الذكاء، يستهلك كاريزمته وحضوره الطاغي في تخدير الجماهير، وتسطيح وعيهم، وتلميع التفاهة لحساب من يدفع أكثر.
هؤلاء جميعا يملكون نعما حقيقية، وقدرات ذهنية استثنائية، لكنهم فصلوا تماما بين “النعمة” و”المنعم”، وحولوا مواهبهم إلى سلع تباع وتشترى لكن يملك الثمن وإن كان مجرما
“قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِیرࣰا لِّلۡمُجۡرِمِینَ”
هكذا أعلن سيدنا موسى ما ينبغي أن تكون عليه قاعدة النعم.. وليؤسس أعظم ميثاق شرف للتعامل مع العطايا.
بعد أن تلقى العفو الإلهي عن زلته وأدرك حجم ما يملكه من قوة بدنية وعلم حول الامتنان إلى التزام أخلاقي وعملي حاسم.
“قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِیرࣰا لِّلۡمُجۡرِمِینَ”
تأمل دقة الربط.
بما أنعمت علي.. فلن أكون ظهيرا.
الشكر الحقيقي ليس مجرد كلمات روتينية تتمتم بها الشفاه ولا يعيها القلب أو تصدقها الأفعال.
الشكر “موقف” تتخذه الجوارح.
أن تقطع عهدًا على نفسك ألا تهدر النعم أو تبيعها بالبخس من الأثمان..
وأن تدرك جيدا أين ستضعها وتسخرها..
المشكلة أننا نغرق في النعم كل يوم لكن قليلا من يدرك أين يضعها..
حين تستخدم منصبك لتسهيل معاملة جائرة أو تنزع حقا من صاحبه أو حتى حين تمنح إعجابك وتصفيقك في الفضاء الافتراضي لمحتوى مفسد لتزيد من انتشاره.
أنت في اللحظة ذاتها تصطف في طابور الظهير الداعم وبماذا؟
بنعمة أنعم بها عليك مولاك..
إن النعمة بوصلة حادة وإذا لم توجهك للحق فهي استدراج مبطن وخفي.
لا يكفي أبدًا أن تكون إنسانًا صالحًا في مساحتك المغلقة.
ضريبة النعمة الأولى أن ترفض الانخراط في جوقة الباطل
وحتى إن لم تستطع أن يكون وجودك سدًا يعرقل السوء.. فعلى الأقل لا تكن قنطرة ممهدة يعبر عليها الإجرام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق