الأحد، 30 أغسطس 2026

النهاية التاريخية أمريكا تتعلم الدروس الخطأ في حرب إيران

 النهاية التاريخية

أمريكا تتعلم الدروس الخطأ في حرب إيران

مكّاوي الملك

حين ينجح الجيش في المعركة… وتتعثر السياسة في تحقيق الغاية
الحرب الأمريكية على إيران تدخل مرحلة مختلفة. وبعد أشهر من القتال، بدأت تظهر داخل الولايات المتحدة مراجعات لا تركز فقط على عدد الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي دُمّرت، بل على السؤال الأصعب:
هل كانت واشنطن تحاول تحقيق أهداف يمكن للقوة العسكرية وحدها إنجازها أصلاً؟
تحليل المؤرخ العسكري بريت ديفرو في Foreign Policy يضع الإصبع على نقطة شديدة الأهمية:
الولايات المتحدة أظهرت تفوقاً عسكرياً وتقنياً هائلاً، لكنها واجهت مشكلة استراتيجية أعمق؛ فقد طُلب من الجيش تحقيق أهداف تتجاوز ما تستطيع القوة الجوية وحدها ضمانه..
وهنا تبدأ القصة الحقيقية…
التفكيك | ماذا حققت أمريكا فعلاً؟
يجب أولاً الاعتراف بالجانب الآخر من الصورة..
الجيش الأمريكي تمكن من تنفيذ عملية عسكرية ضخمة على مسافة آلاف الكيلومترات من الأراضي الأمريكية، وفرض تفوقاً جوياً واسعاً، وضرب أهدافاً عسكرية ومنشآت حساسة داخل إيران..
هذه قدرة عسكرية استثنائية..
لكن التفوق في تنفيذ الضربة لا يعني بالضرورة تحقيق الغاية السياسية للحرب..
وهذه هي المفارقة التي بدأت تتضح:
أمريكا استطاعت الوصول إلى إيران… لكنها لم تستطع حتى الآن تحويل هذا التفوق العسكري إلى النتيجة الاستراتيجية التي أرادتها واشنطن..
ووفق التحليل المرفق ، يمكن اختزال المعضلة في ثلاث مهام رئيسية..
المهمة الأولى | إسقاط النظام الإيراني من الجو
هذه كانت أصعب المهام..
التاريخ العسكري الحديث يقدم سلسلة طويلة من الأمثلة التي توضح أن القصف الجوي يستطيع تدمير المدن والمنشآت والجيوش، لكنه يواجه حدوداً عندما يكون الهدف إسقاط نظام سياسي متجذر وإجبار مجتمع على التخلي عن قيادته.
ألمانيا النازية ألقت نحو 40 ألف طن من القنابل على بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تؤدِّ الغارات إلى استسلام البريطانيين..
والحلفاء ألقوا ملايين الأطنان من القنابل على ألمانيا، لكن النظام النازي لم يسقط نتيجة القصف وحده.
وفي فيتنام، استخدمت الولايات المتحدة قوة جوية هائلة، ومع ذلك انتهت الحرب دون تحقيق واشنطن هدفها السياسي.
والدرس هنا ليس أن القصف الجوي عديم الفائدة؛ بل العكس تماماً.
القوة الجوية تستطيع إضعاف الخصم بصورة هائلة، لكنها لا تضمن وحدها تغيير إرادته السياسية.
وهذا فرق جوهري بين تدمير القدرة العسكرية وتحقيق النصر السياسي.
المهمة الثانية | القضاء على الصواريخ والمسيرات
هنا تظهر مشكلة أكثر تعقيداً..
الأسلحة المتحركة والمخفية والمحصنة تحت الأرض تمثل واحداً من أصعب التحديات أمام القوة الجوية الحديثة.
التجربة الأمريكية ضد صواريخ V-1 وV-2 الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية قدمت درساً مبكراً: تستطيع الطائرات ضرب المنشآت المعروفة، لكن منصات الإطلاق المتحركة والمواقع المحصنة تستطيع الاستمرار.
وتكرر التحدي لاحقاً مع صواريخ سكود العراقية.
كما أثبتت تجارب إسرائيل في غزة ولبنان، والعمليات ضد الحوثيين في اليمن، أن التفوق الجوي لا يعني بالضرورة القدرة على إيقاف منظومة صاروخية بالكامل عندما تكون موزعة ومتحركة وقادرة على الاختباء وإعادة الانتشار.
وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الإيرانية:
المنظومة التي لا تحتاج إلى موقع ثابت تصبح أكثر صعوبة في التدمير من الجو.
يمكن ضرب منصة اليوم، لكن منصة أخرى قد تظهر غداً في مكان مختلف.
يمكن تدمير مصنع، لكن جزءاً من الإنتاج يمكن توزيعه وحمايته..
يمكن استهداف مخزن، لكن منظومة كاملة يصعب محوها بضربة واحدة.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد:هل تستطيع أمريكا ضرب الصواريخ الإيرانية؟
بالتأكيد تستطيع..
السؤال الأصعب هو :
هل تستطيع منع إيران من إنتاج وإطلاق ما يكفي من الصواريخ والمسيرات لمواصلة الحرب؟
وهنا تصبح المسألة استراتيجية أكثر منها تقنية..
المهمة الثالثة | أمن مضيق هرمز
المعضلة الثالثة تتجاوز إيران نفسها..مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه عقدة استراتيجية للطاقة والتجارة العالمية..
واشنطن تستطيع حماية بعض طرق الملاحة وفتح مسارات محدودة، لكن ضمان تدفق مستقر وآمن للطاقة في بيئة حرب مفتوحة يحتاج إلى قدرة بحرية وجوية واستخباراتية مستمرة، وإلى قدرة على التعامل مع الألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات غير المتناظرة..
وهنا تستطيع إيران أن تفرض على الولايات المتحدة معادلة مكلفة: حتى عندما لا تستطيع إغلاق المضيق بالكامل، تستطيع رفع تكلفة المرور فيه وخلق حالة من عدم اليقين حول أمن الملاحة..
وهذا وحده يتحول إلى سلاح اقتصادي..
ارتفاع التأمين..ارتفاع أسعار الطاقة..اضطراب الأسواق..ضغط على الحلفاء..وتكاليف عسكرية متزايدة لحماية خطوط الملاحة..
وهكذا تتحول الجغرافيا الإيرانية إلى عامل قوة استراتيجي..
أين يكمن الفشل الحقيقي؟ هنا نصل إلى أهم نقطة في القصة كلها..
المشكلة لا تبدو في أن الجيش الأمريكي فقد قدرته العسكرية..
المشكلة أن السياسة وضعت أمام الجيش أهدافاً يصعب تحويلها إلى نتيجة نهائية باستخدام القوة الجوية وحدها..
وهنا يظهر الفارق بين: النجاح التكتيكي
و النجاح الاستراتيجي..
يمكن أن تدمر مئات الأهداف وتحقق تفوقاً جوياً وتقتل قيادات عسكرية، ثم تجد نفسك في اليوم التالي أمام الدولة نفسها، والنظام نفسه، والقدرة على إنتاج الصواريخ مستمرة، والممرات البحرية تحت التهديد، والحرب لم تنتهِ..
وهذه هي أخطر نقطة في أي حرب :
أن تصبح الانتصارات العسكرية منفصلة عن الهدف السياسي الذي بدأت الحرب من أجله..
الدرس الذي قد تتعلمه واشنطن خطأ..
التحذير الأهم في تحليل ديفرو أن واشنطن قد تخرج من الحرب باستنتاج مختلف تماماً…
قد تقول:
نحتاج إلى ذخائر أكثر..دفاعات جوية أكثر..مخزونات صواريخ أكبرطائرات أكثر..قدرات مضادة للمسيّرات..كاسحات ألغام أكثر.
وهذه كلها دروس حقيقية ومهمة..
لكنها لا تجيب عن السؤال الأكبر:هل كانت المشكلة في نقص الأدوات، أم في طبيعة المهمة نفسها؟
إذا كان الاستنتاج الأمريكي هو أن الحرب فشلت لأن البنتاغون لم يمتلك ما يكفي من الذخائر والدفاعات، فقد تستعد الولايات المتحدة جيداً للحرب القادمة من الناحية التقنية، ثم تقع في المشكلة الاستراتيجية نفسها..
أما إذا أدركت أن امتلاك القوة شيء، ومعرفة متى وكيف ولماذا تستخدمها شيء آخر، فهنا يصبح فشل إيران درساً حقيقياً..
القيادة السياسية… الحلقة الأخطر
الجيش لا يضع وحده أهداف الحرب..
القيادة السياسية هي التي تحدد:
لماذا نحارب؟ ماذا نريد؟ ومتى نعتبر أنفسنا قد انتصرنا؟
وهنا تصبح مسؤولية البيت الأبيض أكبر من مسؤولية الطيار أو الجنرال الذي ينفذ المهمة..
إذا كانت الأهداف غير واقعية، فإن زيادة الضغط على الجيش لن تصنع النصر..
وإذا كانت القيادة لا تستمع إلى التحذيرات القادمة من المؤسسة العسكرية، فإن المشكلة تصبح أكبر من مجرد خطأ في التخطيط..
ولهذا فإن الجدل حول ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث والقيادات العسكرية ليس تفصيلاً هامشياً؛ لأنه يرتبط بسؤال جوهري:
هل كانت المؤسسة العسكرية قادرة على إيصال الأخبار السيئة إلى صاحب القرار قبل أن تتحول التحذيرات إلى واقع؟
وهذه مشكلة تاريخية في علاقة الجيوش بالسلطة السياسية: عندما يصبح الولاء أهم من القدرة على قول الحقيقة، قد تصل الدولة إلى الحرب وهي لا تسمع إلا ما تريد سماعه..
ما الذي تغيّر بعد أشهر من الحرب؟
الأهم أن الحرب أعادت تعريف المعادلة..
في البداية كان السؤال:
هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟
وأثبتت واشنطن أنها تستطيع..
ثم أصبح السؤال: هل تستطيع أمريكا إجبار إيران على تغيير سلوكها؟
وهنا أصبحت الإجابة أكثر تعقيداً..
ثم ظهر السؤال الأخطر: هل تستطيع واشنطن إنهاء الحرب بالشروط التي بدأت بها؟
وهنا تكمن العقدة..
لأن إنهاء الحرب يحتاج إلى شيء مختلف عن القوة النارية: يحتاج إلى نتيجة سياسية..
المفارقة الإيرانية
إيران دفعت ثمناً هائلاً .. خسرت قيادات ومنشآت وقدرات عسكرية فوق الارض ، وتعرضت لضربات لم تكن سهلة.. لكن معيار الحرب ليس حجم الخسائر وحده..
إذا بقي النظام قادراً على العمل، واستمرت قدرته على الرد، وحافظ على جزء من منظومته الصاروخية والمسيرة تحت الجبال ، واستطاع استخدام الجغرافيا والممرات البحرية لرفع تكلفة الحرب، فإن طهران تستطيع القول إنها نجت من الهدف الأكبر للحملة: إسقاط النظام وإنهاء قدرته على مواصلة الصراع..
وهنا تتحول الحرب من محاولة حسم سريع إلى اختبار للتحمل..
وفي حروب الاستنزاف، لا يفوز دائماً من يملك السلاح الأقوى..
أحياناً يفوز من يستطيع تحمل الحرب فترة أطول بتكلفة أقل..
الاستنتاج | السؤال لم يعد من يملك القوة الأكبر
هذه الحرب تكشف درساً أكبر من إيران نفسها..
أمريكا ما زالت تمتلك أعظم آلة عسكرية في العالم، لكن أعظم آلة عسكرية لا تستطيع وحدها أن تفرض نتيجة سياسية لا تتناسب مع طبيعة الحرب..
وهنا تحديداً يجب أن تنتبه واشنطن..
إذا خرجت من حرب إيران وهي تعتقد أن الحل كان يحتاج إلى مزيد من الطائرات والصواريخ والذخائر فقط، فقد تكون تعلمت الدرس الخطأ..
أما إذا خرجت وهي تدرك أن : التفوق العسكري يفتح الباب، لكنه لا يحدد وحده ما يوجد خلف الباب..
فقد تكون هذه الحرب قد قدمت لها أهم درس استراتيجي منذ عقود..لأن الحرب لا تُقاس بعدد الأهداف التي دُمّرت، وإنما بالمسافة التي قطعتها الدولة نحو الهدف الذي دخلت الحرب من أجله.
وهنا تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجاً لواشنطن:
قد تستطيع أمريكا أن تكسب السماء، وتدمر الأهداف، وتفرض تكلفة هائلة على خصمها…
ثم تكتشف أن السؤال الأصعب لم يكن:
كيف نضرب إيران؟؟
بل: كيف نجعل كل هذه القوة تنتج نهاية سياسية للحرب؟
وهذه هي المعركة التي لم تُحسم بعد..
صفحة مكّاوي الملك | Makkawi Elmalik
التحليل المرفق الولايات المتحدة تتعلم دروساً خاطئة في إيران لا يمكن للبراعة التكتيكية أن تنقذ من عدم الكفاءة الاستراتيجية. بقلم بريت ديفيرو ، مؤرخ متخصص في الاقتصاد الروماني والجيش.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق