الأربعاء، 8 أبريل 2026

ما سبب تحريض الصهاينة ضد تركيا؟

ما سبب تحريض الصهاينة ضد تركيا؟

"مطالبة الصهاينة بطرد تركيا من الناتو ليست وليدة اليوم"

ظهرت في الأيام الأخيرة تحليلات وتصريحات تحرض الولايات المتحدة والدول الغربية ضد تركيا، وتشكك في دورها في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتدعو إلى إعادة النظر في عضويتها؛ بحجة علاقاتها مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وجماعة الإخوان المسلمين. ويوحي توقيت تلك التحليلات والتصريحات بأن الهدف منها ليس الدعوة إلى طرد تركيا من الحلف، علما بأن معاهدة شمال الأطلسي لا تنص على آلية لطرد أي عضو من أعضاء الحلف، بل الهدف بالدرجة الأولى هو الضغط على أنقرة لثنيها عن الجهود التي تبذلها من أجل التصدي لأطماع إسرائيل في المنطقة، ووقف الحرب على إيران.

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، مقرها في واشنطن، نشرت قبل أيام تقريرا بعنوان "تركيا الإسلامية: قاعدة لجهادية الإخوان المسلمين". ويحمل التقرير توقيع كل من سنان جِدِّي وويليام دوران. ويدعي التقرير أن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، يسعى منذ وصوله إلى السلطة عام 2003، إلى تأسيس نظام إسلامي ويقدم دعما سياسيا وماليا لجماعة الإخوان المسلمين، كما يقول إن أنقرة قدمت دعما كبيرا لحركة حماس، مدعيا بأن قادة الحركة يديرون شبكات مالية داخل تركيا. ويوصي التقرير الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات على شخصيات تركية، وإعادة تركيا إلى "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي، مع إدراج القطاع المالي التركي كجهة مثيرة للقلق.

تحريض الإدارة الأمريكية ضد تركيا، وإفساد العلاقات بين الرئيسين الأمريكي والتركي، في ظل سعي أنقرة إلى استغلال تلك العلاقات في دعم الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مع دول أخرى، مثل باكستان ومصر، من أجل وقف الحرب على إيران

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات التي تأسست بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، هي مؤسسة أمريكية تدعي بالدفاع عن القيم الديمقراطية ومحاربة العقائد المتطرفة التي تغذي الإرهاب، كما أنها معروفة بتوجهاتها اليمينية المتطرفة إزاء الإسلام والمسلمين، وولاؤها المطلق للكيان الصهيوني، وتتلقى تمويلا من منظمة المؤتمر اليهودي العالمي. وأما "سنان جِدِّي" فهو باحث تركي هارب من تركيا إلى الولايات المتحدة بسبب انتمائه إلى تنظيم فتح الله غولن الإرهابي الذي قام بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في صيف 2016. وبالتالي، يعكس التقرير تماما وجهات نظر الصهاينة وانزعاجهم من سياسات تركيا برئاسة أردوغان. وكما يقول المثل، "إذا عرف السبب بطل العجب".

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يثني في كل فرصة على نظيره التركي، ويشدد على أن علاقاته معه جيدة. ويهدف التقرير إلى تحريض الإدارة الأمريكية ضد تركيا، وإفساد العلاقات بين الرئيسين الأمريكي والتركي، في ظل سعي أنقرة إلى استغلال تلك العلاقات في دعم الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مع دول أخرى، مثل باكستان ومصر، من أجل وقف الحرب على إيران. ومن المؤكد أن حكومة نتنياهو منزعجة من الجهود المبذولة لإطفاء النيران التي أشعلتها في أنحاء المنطقة، ولا تروق لها تصريحات ترامب حول تركيا وأردوغان.

إسرائيل تتوجس من علاقات تركيا مع سوريا الثورة وتقاربها مع السعودية ومصر. ويشير كثير من المحللين إلى ولادة محور جديد لحماية أمن المنطقة واستقرارها، ولمواجهة العربدة الإسرائيلية، ويضم ذاك المحور الجديد كلا من تركيا ومصر وباكستان والسعودية. ونشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، قبل حوالي شهرين، مقالا يحذر من أن إسرائيل قد تجد نفسها في عزلة جيوسياسية واقتصادية لم تشهدها من قبل، في ظل تفضيل حلفائها التقليديين في واشنطن الشراكة مع "المحور السني" على حساب الشراكة مع تل أبيب. وهناك تصريحات وتحليلات إسرائيلية أخرى تعكس مدى استياء الصهاينة من تقارب تركيا مع السعودية ومصر.

التقرير الذي نشرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يلعب أيضا على وتر "فوبيا الإخوان" لتحريض مصر والسعودية ضد تركيا من خلال تضخيم علاقات تركيا مع حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين. إلا أن تلك العلاقات ليست جديدة، كما أن أنقرة قامت بترميم علاقاتها مع الرياض والقاهرة بعد سنوات من التوتر الذي خيم عليها بسبب موقف تركيا من ثورات الربيع العربي. وبالتالي، لا يتوقع أن تؤثر مثل هذه المحاولات الصهيونية اليائسة على علاقات تركيا مع السعودية ومصر، لأن الرياض والقاهرة تعرفان حجم علاقات أنقرة مع جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، وطبيعتها.

مثل هذه المطالبات لن تؤدي إلى ما يطالب به الصهاينة، في ظل تزايد حاجة الدول الأوروبية إلى بقاء تركيا في الناتو، كثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، كما أن تركيا تتجه هذه الأيام نحو تعزيز مكانتها في الحلف

سنان جِدِّي الموالي لجماعة غولن يواصل التحريض ضد تركيا، ويكرر ذات الأسطوانة المشروخة، في مقال كتبه مع باحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ونشرته صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، ويدعي بأن تصنيف تركيا كحليف موثوق عضو في الناتو أمر خطير، وأن تصاعد نفوذ تركيا في المنطقة إلى جانب علاقاتها مع حماس، يشكل تحديا للحلف وأمن الولايات المتحدة. ويؤيد الرأي القائل بأن تركيا ستكون "إيران ثانية"، على الرغم من عضويتها في الناتو وتصنيفها ضمن المعسكر الغربي. بل وينتقد المعترضين على هذا الرأي، لافتا إلى أن تركيا تختلف عن إيران، ويرى أن تركيا أخطر من إيران على أمن إسرائيل والدول الغربية، ويصف تواجد القوات التركية في الشطر الشمالي التركي لجزيرة قبرص بـ"الاحتلال".

مطالبة الصهاينة بطرد تركيا من الناتو ليست وليدة اليوم. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون، قال في كانون الأول/ ديسمبر 2014، إنه "لا يعقل أن تستضيف تركيا قادة حماس وهي عضو في الناتو"، كما دعت الحكومة الإسرائيلية، آنذاك، حلف الناتو إلى اتخاذ خطوات عقابية ضد تركيا لذات السبب. ويتجدد هذيان الصهاينة حول الموضوع بين حين وآخر، وفي أحد أمثلته الأخيرة، دعا رئيس منظمة "الأمريكيون من أجل إسرائيل آمنة"، موشيه فيليبس، في مقاله بمجلة "أمريكان ثينكر"، إلى طرد تركيا من الناتو، وضم إسرائيل وجمهورية قبرص الجنوبية اليونانية إلى الحلف. ومن المؤكد أن محاولات التأثير على مكانة تركيا داخل الحلف ستبقى غير مجدية، وأن مثل هذه المطالبات لن تؤدي إلى ما يطالب به الصهاينة، في ظل تزايد حاجة الدول الأوروبية إلى بقاء تركيا في الناتو، كثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، كما أن تركيا تتجه هذه الأيام نحو تعزيز مكانتها في الحلف، من خلال تولي قيادة العمليات في البحر الأسود وتنسيق القوات البرية التابعة للناتو، وتستعد لاستضافة قمة مهمة للحلف في عاصمتها أنقرة في تموز/ يوليو القادم.


x.com/ismail_yasa


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق