‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبدالله الطحاوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبدالله الطحاوي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 19 يوليو 2019

أفكار للبيع.. قرب يا جدع!

أفكار للبيع.. قرب يا جدع!

عبدالله الطحاوي
أذكر أنني في جولة بأحد معارض الكتاب -وفي جناح يضم دار نشر معروفة- سألت عن كتب تتعلق بفكر المعتزلة، فبادرني البائع: لماذا؟ قلت له: أفكر في إعداد كتاب عنهم، فرد البائع سريعا: نطبعه لك.. إننا مهتمون جدا بفكر المعتزلة. تعجبت من سرعة الاتفاق الذي تم إبرامه بين كاتب في طور التفكير، ودار نشر مرموقة. شكرت للرجل هذا العرض الكريم، ونظري معلق بعناوين من الكتب المهتمة بالحركات الإسلامية والإرهاب تملأ أرفف الدار.
قفزت في ذهني أفكار ميشيل فوكو المفكر الفرنسي، الذي كان يرى أنه بجانب الانشغال بمادة كتاب أو أي خطاب معرفي، علينا أن ننتبه للوظيفة والمهام المطلوب أن يؤديها، وأنه من المهم فهم الشبكة والقوة التي تدفع به وتنتجه وتروّجه، فربما أدى ذلك الى إعادة النظر في الحقيقة والخلاصة التي انتهى إليها الكتاب: ربما لا تكون الحقيقة حقيقة فعلاً.. ربما تكون شيئا آخر.
سلطان السوق
لأبي منصور الثعالبي لفتة موحية قد تكشف بعض الأسباب التي تدفع بظهور فكرة وغياب أخرى، فقد فسّر الرجل -في كتابه “لطائف المعارف”- سر ذيوع بعض الأفكار وكثافة انتشارها في لحظة زمنية ما بوجود قوة سياسية محركة؛ حيث أرجع انشغالَ الناس بالشعر في زمن عبد الملك بن مروان إلى أنه كان يستحسنه، وعندما أحب الوليد بن عبد الملك العمارة خاض الناس في رصف الأبنية، أما سليمان بن عبد الملك فكان رجلا مرحا، فشاع في عصره العشق، وكذلك أحب الناس الزهد والصيام في زمن عمر بن عبد العزيز، وولعوا بالتجارة في أيام هشام بن عبد الملك. وختم مولانا الثعالبي بمقولته اللافتة: “إن الناس على دين ملوكهم والسلطان سوق يجلب إليها ما ينفق فيها”.
الكاتب القديم انتبه لشبكة السلطة التي تسعى لنشر بعض الأفكار، وربطها بين السوق والمعرفة والسلطة، وأن حضور فكرة ما يعني أن هناك قوة وراء صعودها، وعندما تجد طلبًا مرتفعا على سلعة فكرية معينة ويُلَحّ عليها، فقد يكون هذا لاعتبارات سوقية صرفة، ولشيوع نمط استهلاكي لنوع من المعرفة.
ليس شرطًا أن تنتشر فكرة ما لاعتبارات الحقيقة أو الصح والخطأ.. بل قد يكون ذلك لإرادة الحقيقة؛ كما يقول فوكو.
إنها إرادة تفرض حقيقة معينة، إرادة قد تجعل من المعرفة شيئا غير منزه، الحقيقة ربما تكون آخر شيء يفكر فيه سوق البحث والفكر والأدب، خصوصا في العالم العربي حيث تخضع أسواق المعرفة لسيطرة بعض السلطويات والاحتكارات المالية، ومعايير لا تسمح بالتنافسية العادلة بين الأفكار والمعرفة، وقانون الجدل بين السلعة الجيدة والسلعة الرديئة.

خذ مثلا تجديد الخطاب الديني؛ ابن عربي والتصوف والحلاج، الإسلام السياسي، الإرهاب، كلها رؤوس أفكار وسلع معرفية ازداد الطلب عليها بقوة مؤخرًا، وإذا بحثت في الأمر فستجد أن سر هذه الانتعاشة كونها تلعب دورا في مواجهة التيارات الإسلامية.
وقد تلاحظ أن طبع كتب الوهابية والتراث السلفي شهد تطورًا كبيرًا في فترة معينة، والسبب في ذلك إرادة الشبكات والأسواق وقرارها المعرفي.
وعادة لا تكتفي الأسواق فقط بتلقي الإنتاج المعرفي، بل تتدخل مقدمًا في قواعد الكتابة والخلاصة العامة المطلوبة، بل إن صرامة معايير السوق أحيانًا ما تجعل اسم وشخص المؤلف بلا معنى، السوق يُميت المؤلف، والنتائج والخلاصات شبه معروفة ومتوقعة وسابقة التجهيز، الحقيقة والمؤلف يلعبان دور المتحدث الرسمي باسم الشبكة المنتجة للمعرفة، وليس باسم الحقيقة؛ كما يقول فيلسوفنا فوكو.
ابن عربي يواجه سيد قطب
أثناء قراءة لبحث عن ابن عربي الصوفي وجدت الكاتب يتحدث - في مداخل عدة من الدراسة عن بعض أحداث العنف والإرهاب العالمية، وعن سيد قطب، واستشعرت أن الباحث كان واقعا تحت ضغط سوقي يضطره لتقديم خلاصة ما تجعل ابن عربي في مواجهة الجماعات الإسلامية، كان مطلوبا أن يقول إن ابن عربي هو البديل.
وهناك باحثون نوهوا كثيرًا بسطوة السوق، وخاضوا صراعًا من أجل تقديم معايير الحقيقة والنزاهة العلمية على ما عداها من اعتبارات، كتب الباحث المعروف جورج قرم –في مقدمة كتابه “التبعية الاقتصادية” الصادر عام 1980- عن نتائج دراسته التي ختمت بدعوة صريحة إلى إعادة النظر في طرق عمل البنك الدولي، وكذلك المصارف المحلية التي رأى أنها أداة لتعميق التبعية والاستغلال. وذكر أن تلك النتائج لم تعجب المموِّل وهو إحدى هيئات الأمم المتحدة التي طالبته بإعادة النظر في تلك الخلاصات، ولكنه رفض وحاول نشرها في فرنسا فتم رفضها من قبل مؤسسات معنية بشؤون العالم الثالث، وأخبره أحد الناشرين أنه غير ملمّ بقواعد علم التنمية، وأن الدراسة تحمل عداء للغرب.
الكاتب المرموق خرج من شبكة العلم وسوق العالم بسبب أنه امتثل للحقيقة المؤمن بها، ولم يمتثل لمعايير السوق وشبكات المصالح التي شككت في قدرته على إنتاج الحقيقة أو الحقيقة التي يريدونها. وليس كل الباحثين مثل جورج قرم، فكثير من الباحثين لن يتاح لهم العيش والأجر إلا بمسايرة الأسواق المعرفية، وحتى يستمر الواحد منهم في الكتابة عليه أن يراعي قواعد العرض والطلب ورغبات الممول.

يحكي ميشيل فوكو قصة طريفة لعالِم الوراثة غريغور مندل حينما قال الحقيقة واستخدم منهجًا علميًا في التحقق، ولكن نتائجه لم تلق القبول والموافقة لدى السوق أو الأكاديميين من دراسي علوم الأحياء في عصره، فتم استبعادها واعتُمدت نظرية أخرى غير علمية وغير حقيقية وهي نظرية ويليام شليدون، لأنها كانت تندرج في الخطاب البيولوجي وتمثل إرادة السوق في تلك المرحلة. وهكذا تم رفض حقيقة مندل لصالح خرافة شليدن، لأنه لا يكفي إشهار الحقيقة المجردة في حال اصطدامها مع السوق. 

ولا توجد مشكلة في أن يكون للمعرفة سوق، فالكتابة والطباعة والنشر والمؤتمرات والجوائز كلها تستدعي بالضرورة وجود سوق واقتصاد، هذا ضروري طالما أن قوانين وقواعد السوق المعرفي منضبطة، ولهذا السوق آلياته المتوازنة التي تسمح بالتوازن بين العرض والطلب، وتحارب الاحتكار. لكن هناك خلل حادّ في أسواق المعرفة بالعالم العربي، خلل لا يسمح سوى بإنتاج حقائق معينة قد لا تكون هي الحقيقة، بل قد تكون الحقيقة ممنوعا عليها أن تمرّ داخل السوق والشبكات محكمة الفتح والإغلاق.
مدفع نابليون وأفكار فولتير
هذا الخلل في سوق الأفكار داخل السوق العربي له إرث تاريخي، يمكن ملاحظته في اللقاء الأول بين المعرفة المحلية والمعرفة الوافدة، ولم يكن النزال السوقي بينهما شريفًا؛ فالفكر الوافد لم يدخل الأسواق المحلية إلا عبر القوة المسلحة؛ كما يقول طارق البشري.
حيث دخل الفكر الوافد إلى السوق في مصر مع مقْدم الاستعمار والأساطيل والمدافع، والإلغاء القسري للأنظمة الفكرية والمعرفية القديمة، لم يكن الحوار مع فولتير ولكن أيضًا مع مدفع نابليون.
لم يكن الفكر المستورد يحتمي بالقوة والمدفع وهو يقتحم الأسواق فحسب، بل لجأ أحيانا إلى ممارسة نوع من الغش التجاري والحيل لترويج بضاعته بعيدًا عن الحوار والإقناع. فقد ذكر زكي نجيب محمود أن جماعة من علماء الحملة الفرنسية استدعَوا كبار علماء الأزهر جماعة بعد جماعة ليطلعوهم على عجائب العلوم الجديدة، ومن ذلك مثلاً أن يوقفوهم صفًا مشتبكي الأيدي جارًا مع جاره، ثم يمسوا الواقف بسلك مكهرب فتسري رعدة الكهرباء في جميعهم، فأما علماء الأزهر فيأخذهم العجب، وأما علماء نابليون  فيستبد بهم الضحك.

السوق الموازي
 ظل هذا النزال غير النزيه بين الوافد والمحلي سمة عامة، طوال العقود الماضية، و لعل ذلك هو الذي جعل السلع المعرفية لكلا الخطابين تلجأ إلى شبكات داعمة، تتيح فقط نشر أفكارها وتمنع الأخرى.
وإذا كان الكثير من الأفكار الوافدة وجد الدعم من الأنظمة الثقافية والمعرفية الرسمية والحكومية العربية، فإن الفكر المحلي تحرك من خلال أسواق موزاية أو سوق سوداء، ومع ظهور الحركات الإسلامية تكونت شبكات داعمة، انطلقت من المساجد والزوايا ودور نشر ووعظ، وكلها تحاول أن تقدم جانبا آخر من الحقيقة الممنوعة، والمراقبة من قبل الأسواق الرسمية، و تحاول مكافحة السوق العلوية، خصوصًا عندما كانت تسعى لإنتاج ما يسمى البديل الاسلامي على صعيد الأدب والفن والفكر، أو إنتاج بديل للحقيقة المروية في الخطاب الرسمي، ولعلها كانت تقصد بديل الحقيقة.

الخميس، 18 يوليو 2019

ما في الجبة إلا السلطان !

ما في الجبة إلا السلطان !


عبدالله الطحاوي

اعتدت حينما كان الإمام يدعو في مسجدنا بقوله: اللهم وفِّق ولاة أمورنا وكن معهم؛ أن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله!  لديَّ اعتقاد أن حاكمًا يحكُم ومعه الشرطة والجيش والقضاء والإعلام والإستخبارات؛ ليس في حاجة أن يكون الله بجانبه، الشعوب هي الأكثر حاجة إلى معونة الله. 
حكى ابن العربي قائلًا: “رأيت الزهّاد بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم والكوفة، إذا بلغ الإمام الدعاء للأمراء أو أهل الدنيا قاموا فصلّوا، ويتكلمون مع جلسائهم فيما يحتاجون إليه من أمرهم، أو في علم، ولا يصغون إليهم؛ لأنه لغو”. 
وكان إبراهيم النخعي يتكلم والإمام يخطب زمن الحجاج، وكذلك نقل الشاطبي عن العز بن عبد السلام قوله إن “الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة”.


ابن العربي

هذه المواقف التراثية المتشددة تجاه أدعية الخطباء للحكام من فوق المنابر كانت تدفعني كثيرًا للتفكير في علاقة علماء الدين ورجاله والسلاطين، لا سيما في عصرنا هذا. لماذا نجد كثيرًا من الدعاة الإسلاميين ورجال الدين المسيحي في عالمنا العربي؛ من أسرع الشرائح سقوطًا في بئر النفاق؟ وبدلًا أن يكون نفاقه على أرضية المبالغات السياسية والإقتصادية، تجده يمدُّ يده إلى جرابه الشرعي فيبدِّد رصيده تحت أقدام الحاكم.
“التوحيد” فكرة غيبية من خارج هذا العالم، وتطلب من الموحد أن يضع الحكام والطبيعة في إطار العبودية، وألّا يُضيع أي جزء من طاقة الخضوع والرهبة من أجل مخلوق.
عندما تتأمل لغة التبجيل والتشبيه بالأنبياء التي تُضفى على الحاكم، والمعجزات التي ترتقب خطواته، وأن ثمة يدًا خفية دفعت به على مسرح الأحداث، وأنه ليس أمرًا طارئًا، ولكن ضرورة  جاءت على قدر، كل ذلك يكشف أن شيئًا ما في طاقة الإيمان احتُجز في الأرض.
وأكثر ما يلفت في الأمر أن بلادنا – التي تعج بالأديان والمذاهب – نجد المقدَّس السماوي فيها يفرق بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي، لكننا نجد أن المقدَّس الأرضي جمع الكثير منهم في محراب واحد؛ هو محراب الرئيس. فعالِم الدين إذا كان بجوار الحاكم فهو كاهن، وإذا كان بين الناس فهو فقيه.
لفت نظري أن ابن القيم في “القصيدة النونية” قد  لاحظ في زمنه نمطًا من المماهاة بين الله والسلطان، حيث خلع البعض من أهل الدين تصوراتهم عن السلاطين – من حشم وحجاب ووسطاء وأبهة – على الله سبحانه، فتصوروا أنه خاضع لتلك التصورات مثل سلاطينهم. كان ابن القيم يقصد تنزيه الإله وتحرير العقائد من السلطان، ولكنه في العمق كان يقصد أيضًا تحرير السياسة من نزعات التقديس الإلهي.
إذا كان التوحيد ليس من عمل الإنسان فإن الوثنية من عمل يده، وهي لا تظهر بقرار علوي بل تنشأ من أسفل (أي من إرادة الناس).
وهذا التماثل الذي ينعقد في ذهن البعض بين الله والسلطان ربما يحدث بلا وعي حقيقي، فيصوِّر علاقات الإنسان بالله، التي قوامها المحبة والخوف والرجاء والعمل الصالح، لتصبح محايثة لعلاقة الإنسان بالسلطة والرؤساء؛ تقوم على الإكراهات والجبر والرياء.
وقد يكون ذلك سببًا حقيقيًا في تعميق التسلّط الديني والسياسي معًا، وطريقًا مؤديًا لخلق نموذج من الإله السياسي يسيطر على ذهن العابد والمواطن في آنٍ واحد، ليس هو الله سبحانه المنزَّه، وليس هو السلطان البشري المدنَّس.
لماذا ينهزم التوحيد؟
برأي بعض الفلاسفة ليس الإنسان حرًا في أن يؤمن ويتخذ له دينًا أو مثالًا أعلى قد يكون هواه؛ كما يقول القرآن. الدِّين قدر الإنسان، ولكن التوحيد الإلهي في تجربة الأديان قام بتأدية رسالة محددة: أن على الإنسان ألّا يخون ذلك القدَر، وألّا يبدِّد طاقة الإيمان والخشوع والجلال التي يفترض أن يمتلئ بها المؤمن أمام الله، ويذهب بها إلى أصنام أرضية أو إلى رؤساء وحكام وأحزاب ومشاهير.
عالِم النفس الشهير “أريك فروم” – وهو ألماني عايش الحربين العالميتين – استوقفته ظواهر امتلاء الجماهير بالقداسة والإعجاب من شخصيات مثل هتلر وستالين، وكذلك ظهور أفكار أقرب للديانات مثل النازية والستالينية والشيوعية وغيرها، وتوصَّل إلى أن هذا السقوط وراءه إيمانٌ مغترب، وديانات أرضية، حلَّت محل التوحيد.


أريك فروم

يقول فروم: “إن الأوثان يمكن أن تكون تمثالًا لإله، دولةً، كنيسةً، شخصًا، أو ملكية. إن الوثنية تبدل موضوعاتها”. 
أريك فروم ملحد لا يحكم على الناس حكمًا دينيًا بالإيمان والكفر، لكنه يُحلِّل جذور الإستبداد من منظور عِلم النفس، ويحاول أن يشرح لماذا تسقط شعوب ما صريعة تقديس الحكام، وتمتنع أخرى؟
ملكية الأشياء يجب أن تكون بيد الإنسان لا في قلبه، لأنها إذا دخلت القلب سيطرت عليه وتسيَّدت، وحينئذ تكون الأشياء أكبر من الإنسان.
في رأي “فروم” أن ثمة عودة للوثنية القديمة في صورة سياسية، والوثنيات تعلو عندما يتيه التوحيد، ثم يُحلِّل فكرة الوثنية تحليلًا عبقريًا، فهي ليست التعدد الإلهي -أي الشرك- ولكن الوثنية هي أن يصنع الإنسان من عمل يديه أشياء يقوم بعبادتها.. “أتعبدون ما تنحتون؟!”، أشياء على الطريق كالحجارة نهَبُها كل أحلامنا وعواطفنا وقوانا، ثم نعبدها بعد أن نكون قد أفلسنا تمامًا من أي معنى أو قيمة داخلية. كان عمر بن الخطاب يضحك على تمثال العجوة الذي كان يصنعه ثم يعبُده؛ وإذا جاع أكله.
وتزداد لذة الشعوب بالعبودية كلما تمادى الحاكم في الأحدية والفردانية المطلقة، وأطاح بحكم الدستور والقانون، وانتحل صفات الله ليتخلق بالقوة والجبروت والعظمة، وهذه صفات عندما تتجسَّد تنزع من الشعب قوى التعبد والتبتّل، وتصرفها في مجاري الإستبداد.
تحب الجماهير أن ترى زعيمها عظيمًا، مهابًا في مواكبه، في ملابسه، في الشِعر والتراتيل والألحان، فيما يخلع عليه من أوصاف العظمة، في شبحه الذي يحتجز الصور والميادين، هي متعة العبودية، ولذة الطاعة. 
كان “هيجل” يرى أن هذه النزعة التأليهية للحكام تجعل الإيمان بالله يفقد جدواه.
وإذا كان التوحيد ليس من عمل الإنسان فإن الوثنية من عمل يده، وهي لا تظهر بقرار علوي بل تنشأ من أسفل (أي من إرادة الناس)، ولعلَّ هذا سر غزارة الإنتاج الإسلامي الذي يتجه إلى الجوهر الإنساني، فيدور حول الإخلاص، والتحذير من الشرك الخفي وعبادة المال والشهرة والسلطة، وكذلك ملكية الأشياء التي يجب أن تكون بيده لا في قلبه، لأنها إذا دخلت القلب سيطرت عليه وتسيَّدت، وحينئذ تكون الأشياء أكبر من الإنسان. ويصبح الإيمان -الذي كان وسيلة الإنسان للتحرر من الأشياء- هو نفسه طريقًا للوقوع في عبوديتها. 
لماذا نجد كثيرًا من الدعاة الإسلاميين ورجال الدين المسيحي في عالمنا العربي؛ من أسرع الشرائح سقوطًا في بئر النفاق؟
قصة انتكاسة التوحيد إلى الوثنية السياسية مشهورة في الكتب المقدسة. ويحكي القرآن عن بني إسرائيل، الذين خرجوا مع موسى من أسْرِ عبودية فرعون، حيث حررهم الله، ولكنهم لم يتحملوا عبء التوحيد، ولا أفكار الأحدية الغيبية التي أنقذتهم من عبادة الفرعون.
تحدث القرآن أن وثن الزعيم لم يَمُتْ في الضمير، وأن الدِّين البدائي اختلط بدمهم، فبعد أن تجاوزوا البحر طلبوا من موسى أن يقيم لهم صنمًا، قال القرآن: ” وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ”، أي أن شيئًا ما وثني كمن في اللاشعور عند بني إسرائيل .


العجل الذهبي (صورة تعبيرية)

ويوضح “أريك فروم” أن مبدأ التوحيد حرّر الإنسان من أسر الرموز الصنمية، أو الزعامة التي يصنعها ويهتف باسمها؛ لأن التوحيد فكرة غيبية من خارج هذا العالم، وتطلب من الموحد أن يضع الحكام والطبيعة في إطار العبودية، وألّا يُضيع أي جزء من طاقة الخضوع والرهبة من أجل مخلوق، خصوصًا إذا كان من صنع يديه؛ إذ يجب أن ينصرف الإيمان إلى طريقه السماوي.
يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني : “كل من اعتمدت عليه فهو إلهك، وكل من خفته ورجوته فهو إلهك، كل من رأيته في الضر والنفع ولم تر الحق عز وجل مجري ذلك على يديه فهو إله”. 
      مختارات من كلامه                        
قال : طِر إلى الحق بجناحى الكتاب والسنة.
وقال: أخرجوا الدنيا من قلوبكم إلى أيديكم فإنها لا تضرُّكم.
وقال : الاسم الأعظم أن تقول الله وليس في قلبك سواه.
وقال : كونوا بوَّابين على باب قلوبكم ، وأدخلوا ما يأمركم الله بإدخاله، وأخرجوا ما يأمركم الله بإخراجه، ولا تُخلوا الهوى قلوبكم فتهلكوا.
وقال : لا تظلموا أحداً ولو بسوء ظنِّكم فإنَّ ربَّكم لا يجاوز ظلم ظالم.
وقال : كلَّما جاهدتَ النفسَ وقتلتها بالطاعات حييت وكلَّما أكرمتها ولم تنهها في مرضاة الله ماتت قال وهذا هو معنى حديث رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
وقال : ليس الرجل الذي يُسلّم للأقدار، و إنما الرجل الذي يدفع الأقدار بالأقدار.

وقال : اعمل الخير لمن يستحق ولمن لا يستحق و الاجر على الله.
وقال : فتشت الأعمال كلها ، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام ، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع .
وقال : لا تثق بمودة إنسان حتى ترى موقفه منك أيام الشدة .
وقال : ثلاث امور تضيّع بها وقتك: التحسّر على ما فاتك لأنه لن يعود، ومقارنة نفسك بغيرك لأنه لن يفيد، ومحاولة إرضاء كل الناس لأنه لن يكون

وقال : إذا ملأت عقلك بصغائر الأمور فلن يبقى فيه مكان لكبارها فالعقل كالحقل إن لم تتعاهده بالنباتات الجيدة نمت فيه الحشائش الضارة.
وقال : علامة إخلاصك أنك لا تلتفت إلى حمد الخلق ، ولا إلى ذمهم ، ولا تطمع فيما في أيديهم ، بل تعطي الربوبية حقها ، تعمل للمنعم لا للنعمة ، للمالك لا للملك ، للحق لا للباطل .
وقال : إن الطيور لا تطير الا في سرب يشبهها ، فابحث دائماً عن سربك حتى تطير بحرية ، فمن كان مثلك سيحملك إن كسر جانحك ، أما من ليس من سربك فسيأكلك إن رآك ضعيف