خاطرة سياسية في لحظة المفاصل التاريخية

د. عبد الرحمن بشير
داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي
يقولون وراء كل لحظة صعبة ولادة، ووراء كل ولادة مخاض، ووراء كل مخاض ألم، ولكن ماذا بعد الألم؟
قبل عقدين من الآن تحدث الأستاذ محمد حسنين هيكل عن مستقبل السعودية، وحذر بأن نهاية السعودية كنظام تكون بيد الجيل الثاني من آل سعود، فهذا الجيل ليس له الفهم السياسي للوضع الداخلي، ولا للتشابكات القبلية، ولا كذلك للقوة الدينية في الجزيرة العربية، ولديهم ميل غير عادي للحداثة بدون فهم الحداثة، وكذلك حب صادق للتجربة الغربية بدون فهم للفكر الغربي، فهم سيأخذون القشور، ويتركون اللباب، كما كان الأوائل يفعلون مع الدين، ومن هنا، يقل عندهم التدين الظاهري، ويأخذون بدلا عن ذلك العلمانية السطحية، ومن هنا، يبدأ النظام ينكشف أمام الناس على حقيقته، فيسقط، لأنه فقد قواعده، فهكذا تحدث الرجل قبل عقدين من الآن، واليوم نجد المآلات التي تحدث عنها في زمن الغفلة عند الغزو الأمريكي للعراق.
لقد وقع بدايات ما حذر منه الأستاذ هيكل، وسيقع قريبا ما نتحدث عنه، ذلك لان سنة الله في خلقه واحدة، فقد تحدث كذلك الدكتور خالص جلبي المفكر الطبيب السوري عن النظام المستبد في سوريا قبل عقدين من الزمن، وقال:
انه كجثة سليمان، ونحن كعفاريت سليمان عليه السلام، فنعمل له بلا فهم، وحين يسقط أمامنا بقوة سنصيح معا وبقوة (لو كنا نعلم الغيب ما لبثنا في العذاب المهين)، تماما كما قال عفاريت سليمان عليه السلام، فالقوة الظاهرة لا تمثل القوة الحقيقية، والقوة العسكرية لا تفيد في استمرار الحكم على الحياة، فكلما خاف المستبد من شعبه يزداد بطشا، وكلما ازداد بطشا وجبروتا ازداد بعدا عن الناس، وكلما ازداد بعدا عن الناس اقترب إلى الأعداء، وكلما اقترب إلى الأعداء استفادوا منه بلا حدود، فهو يصبح بقرة حلوبة لغير المواطنين، ويتّكأ على غير المواطنين في التعامل مع الأحداث، ولكن حين يجدّ الجدّ فلا يجد من حوله سوى حفنة من البشر، وكلهم يفرون منه قبل فراره كما فعل بشار الأسد في نهاية حكمه، ولكن الدكتور خالص حلبي تحدث عن هذه النهاية في وقت سابق، كان النظام يبدو أنه بمكان من القوة، ومن قبله تحدث كذلك الاستاذ جودت سعيد، فالتغيير قد يأتي بطيئا، ولكنه حتما سيأتي، والواقع قد يبقى مدة، ولكنه حتما يفنى بلا شك، وتلك سنة الله في خلقه.
هناك من يقرأ الأحداث من خلال الوجدان، ولدينا من يقرأ من خلال العقل المنهجي، فالذين يعيشون مع الأحداث من خلال العواطف يسرعون نحو التحليل العاطفي، فقد يبكون، أو يكتبون من خلال الدموع، ولكن الذين يعلمون عواقب الحياة، فهم يكتبون وعندهم خريطة الحياة واضحة.
يقول البعض: وراء كل ألم ملل، وهذه صحيحة، فهناك من يملّ مع كثرة الألم، ويستسلم للواقع، ويترك النضال، ويعتقد أن الألم لا نهاية له، فهذا النوع من البشر لا يدرك معنى قوله تعالي (ان مع العسر يسرا) فالعسر لا يبقى أبدا، بل مع العسر اليسر، وليس بعد العسر اليسر كما يظن بعض الناس.
يرى بعض الناس: وراء كل ألم أمل، وهذه صحيحة، فهناك من يعيش في لحظات العسر الأمل، وفي لحظات الشدة الفرج، وفي لحظات السقوط الرفعة، فالأمل مفتاح الحياة، ومنه ينطلق الدعاة إلى الله في صناعة الحياة.
هناك من يعتقد بأن وراء كل ألم خروج من التاريخ وهروب من الحياة، فالألم صعب، وخاصة إذا طال عهده، بل هناك من يعتقد إن الألم لا مفر منه، فقد ذهب زمن الأمل، والخروج من الأزمات، ولهذا، فهذا النوع من البشر يأخذ طريقين كحلّ، إمّا الاستسلام لمن صنع الألم، أو الخروج من الحياة، والنوع الثاني يفرّ نحو التدين المغشوش، فيدخل المسجد بلا عمل، ويبقى فيه بلا حركة.
لدينا فريق رابع يؤمن بأن الألم قتّال، فهو يشكو من الألم بدون وضع لخطّة الخروج من الألم، فهو يناقش كيف جاء الألم؟ وما هو مواصفاته؟
ولكنه لا يطرح كيف نخرج من الألم؟ وما هي الخطة البديلة عن الألم؟ وما هي المسافة بين الألم والأمل؟ وما المانع من الملل؟ وما السبيل رفع الهمّة والوعي معا؟
هناك سؤال وجيه، كيف يمكن لنا زرع الأمل في القلوب؟ بل كيف يمكن لنا صناعة المستقبل من خلال العمل المنظم؟
لدينا خريطة غير عادية، فلم ينجح بعض الدعاة تفعيلها حتى هذه اللحظة، فهم يقرؤون من الكتب، ويناقشون في جلساتهم الروحية والفكرية، ولكن هل يمكن لنا رسم المستقبل من خلال الألم والامل؟
يطرح خبير من خبراء العمل الدعوي أركانا خمسة في التغيير، وفي العبور نحو المستقبل، والخروج من الألم إلى الأمل وهي:
أولا: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول (حاكمية العقل على العاطفة) وبناء العقل المنهجي في التعامل مع المتغيرات للوصول إلى النتيجة.
ثانيا: وانيروا أشعة العقول بلهب العواطف (ضرورة الحماس، وإذكاء العواطف لصناعة التغيير) فالعقل بدون عاطفة برودة، والحماسة بدون تعقل انتحار سياسي.
ثالثا: والزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع (لا بد من الحلم لأصحاب التغيير) فلا نجاح بدون حلم، والحلم هو الخيال، ولكن الخيال يحتاج إلى عدم القفز فوق الواقع الحقيقي.
رابعا: واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البرّاقة، ولا تميلوا كل الميل لتذروها كالمعلقة (هناك ميزان دقيق ما بين الخيال الفسيح، والواقع المعقد) إن العمل الناجح يقوم على الدراسات والإحصاءات الدقيقة، ولكنه لا يكون عملا أكاديميا فقط، بل عمل تغييري، ولديه مشاريع، وينظر إلى المستقبل من خلال الحقائق.
خامسا: ولا تصادموا نواميس المؤن، فإنها غلّابة، ولكن غالبوها، واستخدموها، وحوّلوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد (التعامل العلمي والواقعي مع السنن) فهناك من يتحدث عن قوة السنن في الحياة البشرية، ولكنهم لا يتعلمون كيف يتم استخدام السنن من خلال السنن؟
وهذا معنى قول الرجل (ولكن غالبوها) بل وأخطر من ذلك (واستخدموها)، وأهم من كل ذلك (وحوّلوا تيارها)
فهناك خطوات ثلاثة :
١- المغالبة.
٢- الاستخدام.
٣- تحويل التيار.
ان هذه الخطوات الثلاثة تمهّد للخطوة الرابعة والخطيرة، وهي الاستعانة ببعضها على بعض للوصول إلى النتيجة، وهذا يعنى بأن الذين يصنعون الأمل ليسوا دراويش ينتظرون لحظة تدخل السماء، بل هم رجال يتحركون وفق الفهم والعمل والأمل معا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق