‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ.د. جمال عبدالستار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ.د. جمال عبدالستار. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 10 أغسطس 2026

حين يستعملك ربك

حين يستعملك ربك


حين يستعملك ربك..


تروى قصة آدم أحيانًا وكأن الأرض كانت عقوبةً نزل إليها الإنسان بسبب خطيئته، وكأن الله أخرجه من نعيم الجنة إلى شقاء الحياة، لكن القرآن يفتح لنا أفقًا آخر؛ فلم تكن الأرض في قصة آدم عقوبة نزل إليها بعد الخطيئة، ولا كان الخروج من الجنة إبعادًا عن مقام التكريم؛ فإن الله تعالى قد قدّر له الاستخلاف في الأرض قبل أن يخلق آدم، وأخبر ملائكته بذلك 

فقال سبحانه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30).


فالأرض لم تكن حادثًا طارئًا فرضته الخطيئة، وإنما كانت ميدان الاستخلاف الذي سبق في التقدير الإلهي، فلم تكن الأرضُ سجنًا أُهبط إليه الجسدُ ليعاقَب، بل كانت محرابًا أُقيم ليتجلى فيه السر، ولم يكن الهبوط انكسارًا في مسيرة العروج، بل كان بدايةَ رحلةٍ قُدِّر لها أن تبدأ بالتطهير لتنتهي بالتمكين.


إن الذين ينظرون إلى القصة بعين الحرف يرون الخطيئة سياجًا يُحاصر الأب الأول، أما الذين يقرؤونها بنور البصيرة فيرون أن الإرادة الإلهية قدرت الخلافة قبل أن تُغرس الشجرة، وكتبت الاستخلاف في الأرض قبل أن تزل القدم، فكيف يكون الهبوط عقوبةً، والقرار الإلهي قد سبق بالخليفة قبل إيجاد المكلف؟


إنما كانت الشجرة ابتلاءً لتتكشف كوامن القدرة، وكانت الزلة سبباً ليتعرف العبد على اسم الرب «التواب»، فلولا العثرة ما انكسر القلب، ولولا الانكسار ما طُرِق باب الاجتباء، ولولا الاجتباء ما أُلبِس الإنسان رداء الأمانة في المعترك.


هناك، عند أعتاب التوبة، لم يكن التلقي مجرد كلمات تُحفظ، بل كان نفحةَ حُب تفتح للروح أفقاً أسمى من جنة الأكل والشرب؛ كان انتقالة من نعيم الجزاء المجلوب بالجاهزية إلى نعيم المجاهدة الصانع للكرامة.


لقد كان آدم في الجنة يُنْعَم عليه، فلما نزل إلى الأرض صار يُستعمل؛ وبين أن تكون مُنْعَماً عليك وبين أن تكون مُستعمَلاً، تتجلى أسرار المحبة، فالأولى عطاء ربوبية، والثانية اصطفاء عبودية؛ الأولى رزق الأجساد والأرواح، والثانية إشراق الأنوار الإلهية على يد العبد لتسري إلى الوجود.


حين يستعملك ربك

الاصطفاء في كتاب الله ليس مقعداً يُستراح عليه، بل هو مضمارٌ يُركض فيه، ليس وثيقة أمان تُريحك من عناء السير، بل نفخة إلهية تُحَمِّلك ثقل العوالم، حين يختارك الله، لا يعدك بليالٍ دافئة بلا سهر، ولا بمسالك مفروشة بالورود؛ بل يعدك بأنه سيكون معك، يُلهمك إن عييت، ويشد أزرك إن ضعفت، ويكون سمعك الذي تسمع به وبصرك الذي تبصر به، وأي شرف لأمة من التراب أصلها، أن يجعل الله من بين أناملها الفانية دلالة عليه، ومن بين كلماتها الضعيفة هدايةً لقلوب عباده؟


إن الناس يرجون الراحة، والعارفين يرجون التمكين في الخدمة، الراحة طينٌ يتطلب السكون، والخدمة نورٌ يبتغي السريان؛ (فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام: 122)؛ 

فكم من إنسان طوى الدهر ذكره لأنه عاش لنفسه في استراحة ومات! وكم من عبد أضناه التعب في أبواب النفع المتنوعة فأضحى اسمه نجماً في السماء تصلي عليه ملائكة الرحمن! 

فقيمة المرء ليست في قيمة ما ادخره من هدوء، بل في حجم الشعلة التي اقتبسها من النور الإلهي ليضيء بها ظلمات الآخرين.


قد تكون خدمتك كلمة تثبيتٍ لقلبٍ مكسور، أو مسحة عطفٍ على رأس يتيم، أو غرس علمٍ ينفع الأجيال، أو صبراً شامخاً في وجه الباطل؛ لا تهم الصورة، فالصور خالية، وإنما الإخلاص روحها، وصدق النسب إلى الله سرها.


حين تحاصرك الأثقال، وتستبد بك الرمضاء، وينتابك العياء من طول الطريق، لا تتلفت بحثاً عن ظلال الاستراحة؛ بل انظر إلى علياء الموقف، تطلع إلى الأثر الخفي الذي يتركه حفاؤك في الطريق؛ فلعل هذا التعب الذي تشكوه هو أزكى عبيرٍ يرتفع منك إلى الملأ الأعلى.


ولعل هذا الثقل الذي ينوء به كاهلك هو الحبل الذي يشدك إلى محراب العبودية كي لا تسقط في هاوية الفراغ، الله لا يستعمل المحبوبين ليضنيهم، بل يستعملهم ليظُهر بهم، وليجعل من ذواتهم جسوراً تعبر عليها رحمته إلى عباده.


السؤال الذي ينبغي أن يطرق جدران قلبك كل صباح ليس: ماذا سآخذ اليوم من الدنيا؟، وإنما أين أقامني سيدي في اليوم؟ وفي أي ميدانٍ أجرى نوره على يدي؟ إذا رأيت نفسك تُساق إلى قضاء حوائج الناس، وتُدفع إلى إحياء الموات في النفوس، ويُجرى الخير على لسانك وقلمك وقدمك، فاعلم أنك في مجلس الاجتباء، فلا تقل أرهقتني التكاليف، بل قل: الحمد لله.


إن قصة الإنسان في هذا الكون ليست مرثية نزولٍ من الفردوس، بل هي ملهمة صعود بالإحسان، تبدأ من زلةٍ تُستغفر، لتمر بتوبة تُقبل، فاجتباء يُرفع، فاستعمال يُشرف، حتى تنتهي بالعودة الكبرى؛ عودة ليست كالدخول الأول، بل عودة المحارب الذي يحمل جراحه كأوسمة، ويقدم تعبه كقربان، ويدخل الجنة لا لكونه ساكناً قديماً فحسب، بل لكونه خليفة أدى الأمانة، وحفظ العهد، وعمر الأرض بصدق عبوديته.


إن الأرض لم تكن منفى لآدم، وإنما كانت ميدانًا؛ ولم تكن التوبة سقوطًا، وإنما كانت طريقًا إلى الاجتباء؛ ولم يكن الاجتباء دعوة إلى الراحة، وإنما كان إعدادًا لحمل الأمانة؛ ولم يكن الاستخلاف امتيازًا، وإنما كان استعمالًا، وما أكرم العبد حين يكون الله قد اختاره لشيء.



فاطمئن أيها المكدود في مناهج الخير، وافرح باستعمال الله لك؛ فالراحة لم تُخلق لهذه الدار، فما أشرقت شمس العطاء إلا من فجوة العناء، وما خُلقنا لنستريح بل خُلقنا لنستعمل فإذا أتممنا البناء قيل لنا:

    (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (الحجر: 46).          




 






الأربعاء، 15 يوليو 2026

الخندق الآمن

الخندق الآمن

بقلم: أ.د. جمال عبدالستار
الأمين المساعد للاتحاد العالمي لعلماءالمسلمين


تتداعى الأمم على أمتنا، وتتشابك القضايا، وتتقاطع المصالح، وتتعدد الرؤى والمسالك، ويتطلع المسلمون إلى مسار، وتشرئبُّ أعناقهم إلى خندقٍ يحتمون فيه من لهيب المعركة، وطوفان التجريف الذي يتهدد الأمة في أي لحظة من ليلٍ أو نهار.

طوفانٌ يقسم الأمة إلى معسكر إيمانٍ لا نفاق فيه، ومعسكر نفاقٍ لا إيمان فيه، يتمايز فيه أهل الحق من الباطل، ويُفصل فيه الخبيث عن الطيب، فيهلك من هلك عن بينةٍ، ويحيى من حيَّ عن بينةٍ، وفق قانونٍ قرآنيٍّ مطردٍ لا استثناء فيه، قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17).

في هذا الوقت العصيب، تتطلع الأمة إلى خندقٍ يحتمي فيه المؤمن من غارات الكفر المتلاحقة، ومكره المتنوع، ونيرانه الحارقة، ومخططاته الماكرة، فمتى تجد هذا الخندق؟ وأين عساه أن يكون؟

خندق الاستسلام للكفر والطغيان

إن خندق الأمان لن يكون عند تلك الراية التي تنادي بالتماهي مع مخططات الأعداء، والاستسلام للواقع البئيس، وعدم الوقوف في وجه العاصفة، والرضا بالحد الأدنى من الوجود على هامش الحياة، أو على الأكثر الانخراط داخل منظومته لمحاولة تحقيق أي صورة من صور الإصلاح ولو كانت ضئيلة! لأن هذا مهادنةٌ للظلم حذَّرنا الله تعالى من الحد الأدنى منها، فقال سبحانه: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: 113)، وهو جهلٌ بمصير هذا الطوفان؛ لأنه مهما طال به المقام فهو إلى بوارٍ وخسران، قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۖ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

وقد وصف الله تعالى عاقبة قوم سارعوا إلى التماهي مع معسكر الكفر والطغيان، وحذَّرنا من مصيرٍ محتومٍ يلاقيهم، وسيعاقب به كل من سار على نهجهم في كل العصور والأزمنة، فقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).

و«عسى» في القرآن لحتمية التحقق وليست للرجاء، وكأن الله تعالى يُخبرنا أن مصير هذا المسار أنه سبحانه سيأتي بالفتح يقينًا، أو يجري حوادث مخالفةً لتوقعاتهم وتطلعاتهم، فيندموا بعد فوات الأوان، ويُكشف ما انطوت عليه نفوسهم الخبيثة من مرضٍ وجُبنٍ وخور.

خندق النفاق والمداهنة

إن خندق السلامة لن يكون كذلك بالانتساب لثلة المنافقين من أنظمة الاستبداد والطغيان الجاثمة على صدور الأمة، تهدر ثرواتها، وتُغلق أفواهها، وتُغير هويتها، وتَسلب إرادتها، وتَحرمها حريتها، وتستعبدها لخدمة المنظومة الدولية المارقة عن شرع الله ودينه، المعادية لمنهج الإسلام وقيمه، المحاربة لشريعته، المُغيِّرة لفطرته.

لن يكون بالتماهي مع منظومة النفاق في المنطقة حلاً ولا مخرجًا، بل سيكون إمعانًا في السقوط، وتماديًا في الهبوط، ومزيدًا من الخيبة والإخفاق، واستمرارًا لدفع مزيدٍ من أبهظ الأثمان، فلا أمان معهم، ولا صديق لهم، ولا مستقبل لوجودهم، فالله تعالى وعد بكشف أمرهم وفضح باطلهم، وصدق الله تعالى إذ يقول: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۖ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 9).

وقد حذَّرنا الله تعالى من مسلكهم حيث تحيط بهم العقوبة، ويُحجب عنهم النصير، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 145)، وعاقبتهم ستكون بجمع سكان خندقهم ومن انتسب إليهم مع خندق الكفار ومن لاذ بهم في النار، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء: 140).

خندق الإلحاد

لا أعتقد أن الهروب إلى خندق الإلحاد يقوم به عاقلٌ أو ينصح به راشد، فهو خندق الانتحار بمخالفة الفطرة والتمرد على رب الكون، والتنكر لقوانين الكون ودلائل الإيمان القاطعة، فيظن في أول أمره أنه نجا بمعزلٍ عن الآلام، ولكنه لم يدرك أنه سقط في الضنك الذي لا غنى بعده، والهمِّ الذي لا فرج بعده، والحزنِ الذي لا فرح بعده، والاضطرابِ الذي لا استقرار بعده، فيفقد طمأنينة الحاضر، ويتلظى بنيران الخوف من المستقبل، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ۖ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه: 124)، وقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31).

خندق الانسحاب

وهو خندق الانسحاب من ميدان التكريم بالاستعمال إلى خندق الانشغال بحظوظ النفس والصرف والاستبدال، والهجرة إلى حيث الدعة والتراخي، والبحث عن ترف الحياة والاستمتاع بها، معرضًا عن حمل الرسالة وتبليغ الأمانة وإقامة الدين، وعدم الاضطلاع بمهمة الاستخلاف الذي خلقه الله من أجلها، وسخَّر له ما في الكون لإعانته على النجاح في أدائها!

الهروب إلى خندق الانسحاب سماه القرآن تهلكة، حيث ورد أن بعض الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قالوا فيما بينهم خفيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها! فأنزل الله الخبر من السماء: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، ونَدَع الجهاد، فلم يكن الانسحاب أمانًا لأحد قط، قد قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).

خندق الأمان

اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، لا أمان في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، وهذا يقتضي أن نعضَّ على معالم الإيمان في قلوبنا بدوام التزكية القلبية وصدق التوكل على الله تعالى، منطلقين من قوله سبحانه: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) (إبراهيم: 12).

خندق الأمان يكمن في تجديد البيعة مع الإسلام بصدق الانتساب إليه، فيعلنها السالك بكل وضوحٍ وقوةٍ وصلابةٍ ومحبةٍ واعتزاز: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: 72)، بل يسأل ربه في كل وقت: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101)، ويكون شعاره: سأعيشُ معتصمًا بحبلِ عقيدتي وأموتُ مبتسمًا ويَحيا ديني.

المساهمة في صنع السفينة

إن الطوفان الذي يهدر بأمواجٍ من الفتن كالجبال ينادي الأمة بوجوب انحيازها لصناعة سفينة النجاة دون ترددٍ أو تلكؤ.

إن صناعة السفينة واجب الوقت وأمان المستقبل، شريطة أن يكون النص القرآني حاضرًا مع نوحٍ عليه السلام: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (هود: 37).

فأول الأمر يتطلب صدق التوكل على الله والاستعانة به (بِأَعْيُنِنَا)، وثانياً أن تُبنى السفينة وفق منهج الله وشرعته (وَوَحْيِنَا)، وليس وفق تبعياتٍ للفلسفات الأرضية والتوجهات الدولية والتطلعات الحزبية.

فعلى السالكين أن ينحازوا لأهل السفينة؛ فقائمٌ يخطط أول ملامحها على الأوراق، وعاملٌ ينحت، ومهندسٌ يرسم، وصاحب مالٍ ينفق، وعابدٌ يدعو، وعالمٌ يغرس المفاهيم، ونجارٌ يغرس المسامير، ومحترفٌ يضبط حركة الألواح، فإن لم تكن من صناع السفينة فكن من المنتسبين إليها أو الداعمين لها أو القائمين على حراستها أو صيانتها أو توفير الطعام لأهلها، ومن لم يبذل في صناعة السفينة جهده إعدادًا، فلن يُستخدم يوم الطوفان جهادًا.
وأخيراً أقول: لا تستصغر عملاً، لا تتردد في غرس كلمة الإسلام في روع طفلٍ ناشئ، ولا أن تُربي على منهج الإسلام جيلًا صاعدًا، ولا أن تنحاز لقيم الإسلام في مجتمعٍ ناشز، ولا أن تنشر الأمل بكلمة صدقٍ في مجتمعٍ بائس، انطلق وأعلنها بكل وضوحٍ دون تردد: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۗ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 56)، وتيقن أنك بالانحياز لخندق الإيمان قد فُزت بالوعد الرباني (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: 141).