‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد المنعم أديب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد المنعم أديب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 سبتمبر 2023

أمريكا تكشف بعضًا من أسرار هجمات 11 سبتمبر

أمريكا تكشف بعضًا من أسرار هجمات 11 سبتمبر




هذا المقال ترجمة لمقالة بعنوان: U.S. Government Quietly Declassifies Post-9/11 Interview With Bush and Cheney لكاتبه: Jeremy Scahill في موقع: theintercept.

الكاتب: جيرمي سكاهيل

ترجمة: ربى الخليل

تحرير: عبد المنعم أديب

في الوقت[1] الذي كان فيه الأمريكيون يترقبون نتائج الانتخابات النِّصفيَّة، بادرت لجنة حكومية أمريكية يوم الأربعاء -بعيدًا عن أيّ صخب وضجيج إعلاميّ- بنشر معلومات مقتضبة، رُفعت السِّريَّة عنها حديثًا، حول مقابلة مشتركة مُؤرَّخة في 29 أبريل/ نيسان؛ كانت قد أجرتها لجنة 11 سبتمبر/ أيلول مع كلٍّ من الرئيس الأمريكي “جورج دبليو بوش” ونائبه “ديك تشيني” في المكتب البيضاوي، والتي تمحورت حول الهجمات. وبالنظر إلى أنه لم يتم تسجيل المقابلة كاملة، كانت الوثيقة التي تتضمن مجريات الاجتماع باقتضاب هي المحضر الرسمي الوحيد لهذا الاجتماع.

خطّ الوثيقة “فيليب زيليكو” (المدير التنفيذي للجنة). وفيها: “كان الرئيس ونائبه يجلسانِ على مقعدين أمام المدفأة. بدا الرئيس مُرتاحًا أثناء ردِّه على الأسئلة، دون الاعتماد على أيّة ملاحظات مسبقة”. واسترسل زيليكو بالقول: “اعتلت المدفأة صورة لواشنطن مَحُوطةً بتمثالين رأسيين للينكولن وتشرشل، وازدان الجدار بلوحات لمناظر طبيعية للمنطقة الجنوبية الغربية. كان يومًا ربيعيًا جميلًا”.

تجدر الإشارة إلى أن صحيفة “وول ستريت جورنال” كانت السباقة في نشر خبر رفع السريّة عن الوثيقة، بيد أن هذه الوثيقة ليست النص الرسمي؛ إنما هي “مذكرة حول سجل المقابلة”، كانت لجنة طعون التصنيف الأمني المشتركة بين الوكالات الأمريكية قد أذنت بالإفراج عنها.

أكثر ما كان صادمًا في الوثيقة افتقار بوش لأيَّة ذرة إحساس تجاه أهوال الموت والدمار وتداعيات حربه العالمية التي أطلق عنانها. مع التنويه إلى أن توقيت المقابلة تزامن مع اندلاع ثورة كبرى في العراق ضد الاحتلال الأمريكي التي أزهقت أرواح آلاف الجنود الأمريكيين وعشرات الآلاف من المدنيين العراقيين.

بغض النظر عن عدم رسمية نص الوثيقة واقتضاب محتواها، لكنها عرَّتْ مدى بساطة وحماقة رؤى وتحليلات بوش للأحداث. إلا أن ثَمَّةَ سؤالًا يخطر في الذهن حيال سبب وسم هذه الوثيقة بالسرية لأكثر من 18 عامًا؛ وهي بالأساس تخلو من أيَّة معلومات حساسة أو غير مسبوق

هجمات 11 سبتمبر

لكن الوثيقة تطرح بنية جديدة للأحداث الداخلية التي تلت الهجمات مباشرةً. ففي ذلك الصباح، بُعيد استهداف برج التجارة العالمي، كان بوش يشارك طلاب الصف الثاني قراءة رواية “الماعز الأليف” في مدرسة “إيما إي بوكر” الابتدائية في مقاطعة ساراسوتا بولاية فلوريدا؛ حيث استرسل بإخبار أعضاء اللجنة عن رؤيته للطائرة الأولى لحظة اصطدامها معتقدًا أنه مجرد حادث. وذكرت الوثيقة أنه “استذكر ما خطر في ذهنه وذهن الموجودين؛ أن طائرة ذات محركين ارتطمت بالمبنى. وقال بينه وبين نفسه عندئذ ‘يا له من طيَّار فاشل’ “. ولم يمضِ وقت طويل حتى اصطدمت الطائرة الثانية بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، تحديدًا عند الساعة 9:03 صباحًا. عندها دنا رئيس الأركان “آندي كارد” من بوش بينما كان جالسًا ينصت لتلاوة الطلاب لمقتطفات من رواية “الماعز الأليف” وأبلغه عن احتمال تعرض الولايات المتحدة لهجوم.

وجَّهَ أعضاء اللجنة سؤالًا للرئيس عن سبب بقائه في الفصل الدراسي بعد الذي حدث، فأجاب أنه “كان يحاول استيعاب الأنباء، واستذكر طفلًا، أو شخصًا ما، كان يقرأ حينها بينما كان يتابع المراسلين وهم يتحدثون على هواتفهم. عندها أدرك أنه بات تحت مرمى أنظار الجميع في البلاد؛ مما يفرض عليه مراقبة سلوكه وإرسال الإشارات الصحيحة. كان يسعى إلى لملمة شتات أفكاره”. وذكرت الوثيقة أنه “شعر أن عليه أنْ يَظهر بمظهر الهادئ والقوي؛ ليتسنى له استيعاب ما يحدث على نحو أفضل”. كان بوش “يدرك أهمية انعكاسات لغة جسده التي وجب أن تشي بالهدوء والسكينة في مواجهة الخطر. بوصفه رئيسًا، كان يعي مدى تأثر ردود أفعال الناس به”.

ثَمَّةَ أجزاء في الوثيقة تنمُّ عن أهمية مضاعفة؛ بالأخص تلك التي تبيِّن تقلُّد تشيني زمام الأمور على نحو فاعل ذلك الصباح. أطلع بوش أعضاء اللجنة أنه اضطر تحت وطأة الضغوط إلى التوجه للطائرة الرئاسية؛ مما ترتب عليه «الإدلاء ببعض التصريحات السريعة والمغادرة على الفور». من جهته، قال تشيني إنه قد “شدد على الرئيس ألَّا يعود إلى المنزل وأخبره أن واشنطن تتعرض للهجوم، وأهاب به إرجاء عودته إلى واشنطن في ظل الغموض الذي يشوب حجم التهديدات التي قد تتعرض لها البلاد. وافق الرئيس على مضض”.

لدى استلام تشيني دفَّة القيادة داخل مركز عمليات الطوارئ الرئاسي (وهو مخبأ يقع أسفل الجناح الشرقي للبيت الأبيض)؛ بحث مع الرئيس بوش «قواعد الاشتباك» للوضع المتطور، ومنها سبل مواجهة طائرة أخرى قد تكون تعرضت للاختطاف، وفي هذا السياق قال بوش لتشيني: “نعم، اشتبكْ مع العدو. لديك سلطة إسقاط الطائرة”. أوردت الوثيقة أن الرئيس استفاد في الموقف الحالي من تجربته المستقاة من خدمته في سلاح الطيران الوطني في ولاية تكساس، حيث تدرب على إسقاط الطائرات، وكان يعي الطريقة عمومًا والعواقب المترتبة على الطيار وطبيعة شعوره عندما يتلقى أمرًا بإسقاط طائرة ركاب أمريكية ومدى قسوة الأمر بالنسبة إليه”.

تطرقت الوثيقة إلى مشهد فوضوي، إبان تعطل معدات الاتصال؛ عندها عام بوش في بحر من الشائعات والتقارير حول احتمال إصابة أهداف أخرى ومنها الطائرة الرئاسية ومزرعته الخاصة في كروفورد بولاية تكساس. كان بوش قد سمع عن ضباب الحرب، لكنه في ذلك اليوم رآه بأمّ العين. كان ينوي العودة إلى العاصمة لكنه انتقل جوًّا إلى قاعدة باركسديل الجوية في لويزيانا، وبالتوازي كان تشيني يدير الأمور من المخبأ أسفل البيت الأبيض.

وأوردت الوثيقة أن خط الاتصال الآمن بين بوش وتشيني قد تعطل خلال هذه الفترة. بينما كان بوش يحاول الاتصال بوزير الدفاع “دونالد رامسفيلد”؛ إلا أن أحدًا لم يتمكن من العثور عليه. وهو ما أغرق بوش في حالة من الإحباط الشديد لفقدانه الاتصال بعدد من الأشخاص، كما أنه اشتكى من عدم حيازة الطائرة الرئاسية على جهاز تلفاز ذي جودة عالية. في نهاية المطاف، وصل بوش إلى قاعدة أوفوت الجوية في أوماها بولاية نبراسكا وبات في متناوله معدات اتصال آمنة ذات جودة أفضل. قضى بوش زهاء تسع ساعات على متن الطائرة الرئاسية في ذلك اليوم، ولم يعد أدراجه إلى البيت الأبيض حتى الساعة السابعة مساءً.

بدوره منح تشيني، بحسب الوثيقة، الجيش تفويضًا مباشرًا لإسقاط الطائرات المدنية بعد حصوله على معلومات استخبارية حيال اختطاف الطائرات. وأبلغوا لاحقًا عن سقوط طائرة في ولاية بنسلفانيا، وتصور نائب الرئيس أننا من أسقطناها ولم يتبين له حقيقة الأمر إلا بعد فترة، وتكررت هذه الحالة لمرتين أو ثلاث على مدار نصف ساعة تلت، بحيث يرد تقرير يتطلب منح الإذن، هل فعل؟ نعم، إنما تمت تسوية الأمر في كل الحالات دون الحاجة إلى إطلاق النار. فقد تطرقت الوثيقة إلى خمسة تقارير وردت عن عمليات اختطاف إضافية تبين أنها خاطئة.

وفي سياق المقابلة وجَّهَ أحد أعضاء اللجنة سؤالًا لتشيني، مشددًا عليه ضرورة توضيح المفارقات الصارخة في الخط الزمني وتحديد الوقت بدقة الذي منح فيه بوش التفويض لنائبه بإسقاط الطائرات المدنية الأمريكية. وهنا انبرى الرئيس للإجابة قائلًا: “لم يُصدر الأوامر دون إذني”.

وانبرى عضو آخر من اللجنة بسؤال حول ضلوع الرئيس أو نائبه بالسماح لطائرات تقلُّ مواطنين سعوديين بالمغادرة بعد هجمات التاسع من سبتمبر/ أيلول. وهو ما نفاه الرئيس موضحًا أنه لا يملك أدنى فكرة عن الموضوع قبل أن يطالعه في الصحف. وأشارت الوثيقة إلى نفي تشيني أيضًا لهذا الأمر، لكنه استطرد بالقول: إن نفيه هذا كان يصعب سماعه.

كما تطرق العديد من أعضاء اللجنة للإحاطة الصحفية اليومية للرئاسة في السادس من أغسطس/ آب 2001. وكان لها صدى بالغ السوء بعنوان “بن لادن عازم على ضرب الولايات المتحدة”. واستشهدت الوثيقة بمعلومات استخبارية أجنبية تشي بعزم أسامة بن لادن على “اختطاف طائرات أمريكية”؛ بهدف الإفراج عن سجناء مسلمين متطرفين زجَّتْ بهم الولايات المتحدة في السجن بتهم الإرهاب. كما نوَّهت إلى حصول مكتب التحقيقات الفيدرالي على معلومات “تشي بظهور أنماط من الأنشطة المشبوهة في البلاد تتسق مع تحضيرات خاصة بعمليات الاختطاف أو هجمات أخرى. واشتمل بعضها على مراقبة المباني الفيدرالية في نيويورك جرت حديثًا”.

من جهته، جدد بوش رفضه المتكرر لفكرة إخطاره سابقًا بأيَّة “معلومات استخبارية تستدعي العمل”؛ منوهًا إلى أنها كانت مجرد “تقييم عام”. وكان هو بنفسه من طلب استقدام المعلومات التي شكلت فحوى إحاطته الصحفية موضع النقاش، وأوضح لأعضاء اللجنة أنه “خلص إلى نية بن لادن بمهاجمتنا. نعم، إنه يسعى لذلك. وكذلك تنظيم القاعدة”. بَيْدَ أنه ادعى خلو كافة المعلومات المقدمة إليه من تعليق حيال أي تهديد يحدق بالولايات المتحدة. لم تكن هناك معلومات استخبارية على الإطلاق تستلزم اتخاذ إجراءات لمواجهة مثل هذا التهديد”. وأطلع بوش المحققين على ما أخبره به مدير وكالة المخابرات المركزية “جورج تينيت” بأن “التهديد كان خارج البلاد- هذا ما قاله جورج”. وأكد بوش بالقول “إن كان ثمة خطر جدي كان يلوح في أغسطس/ آب 2001 لكان علم به”.

هجمات 11 سبتمبر

ومما تضمنته الوثيقة مجموعة من الأفكار التي بلورها كل من بوش وتشيني للمراحل الأولية لما سمي بالحرب على الإرهاب، ومدى امتعاض بوش من إحجام حلفاء الولايات المتحدة عن الانخراط في برنامج الاغتيالات على الصعيد العالمي الذي دخل حيز التنفيذ عقب هجمات الحادي عشر من أيلول. وهو ما عبَّرَ عنه بوش بالقول: “في إطار تسليم الإرهابيين إلى العدالة، لم يتسم نهج الحلفاء بالصرامة التي تتسق مع صلابة نهجنا ناهيك عن عدم استعداد حكوماتهم لإزهاق أرواحهم ومطاردتهم في الأماكن النائية من العالم. إن وكالاتنا تتمتع بقوة هائلة”.

بدوره أعرب تشيني عن استنكاره لإخضاع العمليات السرية لمراقبة الكونغرس، لا سيما العمليات التي تديرها وكالة المخابرات المركزية. وهو ما قوَّضَ من قوة الوكالة على حد تعبيره مضيفًا بأن “المعايير التي أُخضِعتْ لها وكالات الاستخبارات قد حدَّتْ من إقدامهم على المجازفة، بالنظر إلى قسوة العقوبة لقاء التورط بأفعال قد يُحكم عليها لاحقًا بأنها غير مقبولة”. وأشارت الوثيقة إلى نموذج تطرق إليه تشيني عن تولي أشخاص سيئين في الدوائر المالية الخاصة بوكالة المخابرات المركزية؛ مِمَّا دفع المسؤولين لتوخي الحذر وعدم الانخراط”.

كان تشيني لا يخفي طيلة مسيرته السياسية امتعاضه من إخضاع العمليات السرية الأمريكية للمراقبة من قبل الكونغرس. وفي مقابلة أجراها لصالح برنامج “”Meet the Press على قناة “إن بي سي”، عقب مرور خمسة أيام من أحداث الحادي عشر من أيلول؛ قال: “مع ذلك، كان علينا العمل في الجانب المظلم إن جاز التعبير في ظلال العالم الاستخباراتي، وتنفيذ الكثير من العمليات المطلوبة ضمن أجواء مفعمة بالتكتم مع النأي عن المناقشات بالاعتماد على المصادر والسبل المتوفرة لدى وكالاتنا الاستخباراتية”.

ردًّا على سؤال حول سُبُل تحسين مناعة الولايات المتحدة ضد الهجمات، أشار بوش إلى بذلهم مساعي حثيثة لقتل عدد كبير من الأعداء باعتبارهم قتلة، “كان علينا قتلهم قبل أن يقتلونا”.

كما عرَّجَتْ الوثيقة على جهود البيت الأبيض في إقناع الدول الإسلامية كالسعودية وباكستان بدعم حرب أمريكية أكثر اتساعًا. وقد أكد بوش أن السعوديين كانوا “غير راضين” عن موقف الولايات المتحدة من إسرائيل، ناهيك عن الأواصر الوثيقة بين باكستان وحركة طالبان؛ مما استدعى الحاجة إلى تغيير سلوك باكستان، إلا أن جعبتهم خالية من الإغراءات بالنظر إلى إغراقها بسيل من عقوبات الكونغرس. فجاءتْ أحداث الحادي عشر من أيلول لتحدث تغييرًا في النهج؛ حيث مالت رغبة البلدين -في أعقاب هجمات القاعدة المزعومة ضدهما- نحو رؤى البيت الأبيض. وجاء في الوثيقة أن:

العدو ساعد في منحنا الفرصة.

شهدت باكستان محاولتي اغتيال للرئيس برويز مشرف في ديسمبر/ كانون الأول 2003. مما مهد له الطريق لإحداث تغييرات إضافية في النهج على حد ما جاء في الوثيقة. كما أن تبني تنظيم القاعدة المسؤولية عن تفجير سلسلة من المجمعات السكنية في الرياض في مايو/ أيار 2003 في السعودية، من بينها مجمع تديره شركة فينيل العسكرية الأمريكية الخاصة، كان كفيلًا بتحوُّل السعوديين إلى محاربين أشدَّاء لاحقًا إلى جانبنا.

إلى ذلك شملت الوثيقة اعترافًا غير عاديٍّ، عندما أقرَّ بوش أن تداعيات العقوبات الاقتصادية الأمريكية بحق العراق أدت إلى “استقطاب الإرهابيين الذين ساهمتْ حملاتهم الدعائية عن تجويع الأطفال العراقيين في إلحاق الأذى بنا”.

في الشأن الروسي، أخبر بوش أعضاء اللجنة أن التعاون مع فلاديمير بوتين بعد توليه سدَّة الرئاسة في عام 2000 كان مهمًا؛ لا سيما في إطار تسيير استخدام القواعد في منطقة آسيا الوسطى مثل أوزبكستان من قبل الجيش الأمريكي والمخابرات الأمريكية لتنظيم عملياتهم في أفغانستان. وذكرت الوثيقة عن حديث جرى بينه وبين بوتين في صيف 2001 حول هذا الموضوع، كما استذكر شكوى بوتين من تحول باكستان والمملكة العربية السعودية إلى ملاذات آمنة للإرهابيين مشددًا على وجوب تعرية مصدر هذه المشاكل. ومضى بوش بالقول إن الارتقاء بالعلاقة مع بوتين وروسيا، من شأنه أن يسهل نشاط الولايات المتحدة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي “الستانات”، وهو ما كان عصيّا على روسيا قبوله تاريخيًا.

احتوت الوثيقة على سجال مطوَّل حيال نأي الولايات المتحدة عن السعي الفاعل لقتل بن لادن، قبل وقوع هجمات الحادي عشر من أيلول. فيما وقع “بيل كلينتون” قرارًا رئاسيًا يُخوِّل قتل بن لادن وشنَّ ضربة صاروخية عام 1998 على معسكر يشتبه كونه تابعًا لتنظيم القاعدة في أفغانستان، على إثر استهداف السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا. إلا أن بوش رفض إطلاق صواريخ الكروز لاغتيال بن لادن دون أن يسعى لانتقاد كلينتون بشكل مباشر. وذكرت الوثيقة أن شعورًا بالقلق اعترى بوش حيال رد فعل بن لادن وآخرين بتوظيف هذا الأمر لصالح الدعاية”. واستطرد القول “إن فشل العملية كفيل باستغلالها من قبل العدو لكشف قدرته على إحباط التكنولوجيا والقوة العسكرية الأمريكية”. لهذا كان يميل بوش نحو استخدام القوات البرية في عملية كهذه.

ردًّا على سؤال اللجنة، عن سبب عدم تخويله لعمل عسكري لقتل بن لادن في الأشهر التي سبقت هجمات الحادي عشر من أيلول؛ تطرَّقَ بوش إلى مكالمة أجراها مؤخرًا مع رئيس الوزراء البريطاني “توني بلير”، الذي بدوره تطرق إلى الانتقادات التي تُكال لهم جراء عدم المبادرة إلى شن هجوم استباقي ضد أفغانستان، إلى جانب انتقادات للهجوم الاستباقي على العراق. وأخبر بليرُ بوشَ أنه كان ليُصدم في حال أعرب الرئيس عن عزمه نشر قوات في أفغانستان قبل وقوع هجمات أيلول. قائلاً: “كنت سأعتبره مجنونًا”؛ بالنظر إلى الشعور العارم “لقطع العنق” أيْ قتل بن لادن بعيدًا عن الولوج في جوّ الحرب. ومما يشي بعدم إحساسه بالمفارقة الشديدة، قال بوش لأعضاء اللجنة: “الرئيس عاجز عن الضغط لشنِّ حرب استباقيَّة دون مبرر. فالبلاد لا تحبذ الحرب، كما لا أحبذها أنا أيضًا”.

كما ناقش أعضاء اللجنة مع بوش، بحسب الوثيقة، «نظريات المؤامرة» المرتبطة بهجمات الحادي عشر من أيلول؛ حيث أوضح بوش أنه لمس بعضها، حتى أنه رأى أسوأها تنبثق عن جمعية “جون بيرش” في ميدلاند بولاية تكساس. وأخبر عضو اللجنة “ريتشارد بن فينيست” الرئيس بوش عن عزم اللجنة التعاطي مع أكبر عدد ممكن من قصص المؤامرة هذه بغية إضفاء المزيد من الأمن في البلاد.

[1] في هذا التقرير الذي حرصنا على ترجمته للقارئ، نجد خبايا هؤلاء القوم في حربهم على الإسلام والمسلمين. هذا التقرير عن تقرير سرِّيّ رُفِعَت عنه السريَّة. يوضح بعض النقاشات حول الهجوم في الحادي عشر من سبتمبر. ويجد القارئ فيه أن بوش أوقف اغتبال بن لادن قبل ثلاثة أعوام من الأحداث (ولنسأل أنفسنا عن السبب)، وأنه أراد قتل كل من يستطيع قتله ممَّا سماهم “الأعداء”، وأنه لم يبدِ أيَّة بادرة احترام لأي إنسان، ولا لقيمة الإنسانية فيما سمَّاه الغرب “الحرب على الإرهاب”. وفي الغرب قوانين تحمي التصرفات التي تحدث في المستوى الأعلى من سياسات البلاد، وتحظر حظرًا تامًّا إفشاء أيَّة معلومة يقرأها أو يسمعها أيُّ موظف أو مدير أو رئيس حول السياسة العُليا. 

الجمعة، 14 أبريل 2023

قراءة في كتاب الفاشوش في حكم قراقوش

قراءة في كتاب الفاشوش في حكم قراقوش



أسم الكتاب: الفاشوش في حكم قراقوش 
أسم المؤلف: الأسعد بن مماتي
نبذةعن الكتاب
ينتمي كتاب الفاشوش في حكم قراقوش إلى أدب الفكاهة والسخرية والهجاء ويمثل بحق أسلوباً فنياً بارعاً في تصوير الغرابة والشذوذ وإحداث المفارقة. وهذا الكتاب الذى أضحك أجيالاً ولازال يضحكنا، كتبه صاحبه باللغة العامية المصرية، ووصل به إلى أعرض الجماهير حتى صار قراقوش في المخيلة الجماعية للشعب مثالاً لكل حاكم أخرق ينحرف عن طريق العقل والمنطق في سلوكه وتصرفاته.

تعرض ابن مماتي في هذا الكتاب للأمير بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدي وكان نائب السلطان صلاح الدين في مصر وموضع ثقته. فقد ذكر ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» أن في الكتاب أشياء يبعد وقوع مثلها منه، ويرى أنها موضوعة لأن السلطان صلاح الدين كان يعتمد في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه. كما ذكر ابن خلكان في وفياته أنه نظم كتاب كليلة ودمنة، وقال: وله ديوان شعر.

ويتأكد التكامل في شخصية المؤلف بصورة أوضح حين نقرأ تقديمه لكتاب الفاشوش في أحكام قراقوش بقوله:

«إننى لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش محزمة فاشوش، قد أتلف الأمة، والله يكشف عنهم كل غمة، لا يقتدى بعالم، ولا يعرف المظلوم من الظالم. الشكية عنده لمن سبق، ولا يهتدى لمن صدق. ولا يقدر أحد من عظم منزلته على أن يرد كلمته، ويشتط اشتياط الشيطان، ويحكم حكماً ما أنزل الله به من سلطان، صنفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح منه المسلمين.»
فغرضه من هذا الكتاب هو تحرير الشعب المصرى وتخليصه من تسلط قراقوش وقهره له.. لأنه سخر الشعب المصرى لبناء أمجاد صلاح الدين وتأكيد سلطانه, دون مراعاة لحقوق الفقراء ومشاعرهم، فإذا تفكرنا أيضاً أن كتاب "قوانين الدواوين" قدم لصلاح الدين أو أحد أبنائه من أجل تحرى الواقعية والعدل في تقدير الجزية والضرائب على أفراد الشعب بجميع فئاته.. فإننا نكتشف البعد الآخر أو الدافع الرئيسى لابن مماتى، وهو مصلحة مصر والشعب المصرى عموماً. فإذا عرفنا أن صلاح الدين كان كردياً وأن قراقوش قائد جيشه كان صقلبيا من مماليك القوقاز في حين كان ابن مماتى مصرياً أباً عن جد.. لمحنا أثر الصراع بين المصريين والحكام الأجانب.. ولعل هذا ما جعل كازنزفا يقول:

"إن ابن مماتى كان يسعى إلى هز الثقة بقرلقوش، وهو قائد صلاح الدين الأيوبى ومن أقرب المقربين إليه، لأنه كان يعهد إليه بأمانة الإشراف على شئون مصر نيابة عنه عندما كان يضطر إلى السفر إلى سوريا للقاء الصليبيين" . فصلاح الدين لا ينيب عنه مصرياً مهما كان قدره أبداً، وقد كان ابن مماتى مثلاً رئيساً لديوان الجيش وديوان المال في ذلك الوقت، ويذكر الدكتور عبد الطيف حمزة إن قراقوش كان كثير اللجاجة والخصومة ، فلا يقر مبدأ المنافسة في الأمور،ولا يحتمل الاصغاء الى جدل من كبير أو صغير، وله رأى في معاملة السوقة والعامة ، هو أخذهم جميعا بالقهر والقسوة ، وهكذا فعل بالأسرى وبالعامة الذين سخرهم في بناء الأسوار والحصون. وكان هذا سببا في كراهية ابن مماتى وسخريته منه."

مراجعة كتاب الفاشوش في حكم قراقوش

تحرير: عبد المنعم أديب

“إنني لما رأيت عقل بهاء الدين قرقوش محزمة فاشوش قد أتلف الأمة؛ فالله يمحو عنهم كل غمة. لا يقتدي بعالم ولا يعرف المظلوم من الظالم، وكم في قلبه شيء من الجنة والشكية عنده لمن سبق، ولا يهتدي لمن صدق، ولا قدر أحدٌ -من عظم منزلته- على أن يرد كلمته ويشتط اشتياط الشيطان، ويحكم حكمًا ما أنزل الله به من سلطان؛ فصنَّفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح الله منه المسلمين”.

هكذا افتتح الأسعد بن مماتي (606هـ /1029م) كتابه “الفاشوش في حكم قراقوش” تمهيدًا لسرد حكاياته. فما هو كتاب الفاشوش؟ وما هو موضوعه؟ ومن هو قراقوش؟ ومن هو ابن مماتي؟ أسئلة كثيرة تطرح، ولعل في العرض الآتي للكتاب إجابات عنها.

كتاب الفاشوش في حكم قراقوش وموضوعه
قراقوش وابن مماتي
الأمير قراقوش
أهمية الكتاب
مثال من حكايات الكتاب

كتاب الفاشوش في حكم قراقوش وموضوعه

يعد كتاب الفاشوش من أهم إبداعات التراث الشعبي، من أمثال ألف ليلة وليلة، والسيرة الشعبية للظاهر بيبرس، وخيال الظل لابن دانيال، وغير ذلك كثير؛ إذ الفاشوش عمل فني بالغ الأهمية، وموقف سياسي عظيم الدلالة، ولد من رحم إبداعات التراث الشعبي في العصر الأيوبي، وتربى في حجر مصر المملوكية؛ فأضحى وثيقة تاريخية هامة. صحيح أن هذه الوثيقة لم تخرج من بلاط السلاطين ودواوين الدولة إلا أنها تعد وثيقة إثنوغرافية (بمعنى كونها وثيقة تصف حال المجتمع) على درجة عالية من الأهمية. فالكتاب ينتمى إلى أدب السخرية والفكاهة، ويمثل أسلوبًا فنيًا بارعًا في تصوير الغرابة والشذوذ؛ فهو عبارة عن حكايات عبَّرت عن نبض المجتمع المقهور، تحت وطأة السيف والسوط والقهر والتسلط وكل أنواع الظلم.

قراقوش وابن مماتي

قراقوش

ابن مماتي هو أحد الشخصيات البارزة، التي ظهرت في دولة بني أيوب، خصوصًا في عصر مُؤسِّسها صلاح الدين. وكانت له رئاسة ديوان المال وديوان الجيش؛ فعرف بإسهاماته الإدارية. ومع ذلك كان في نفس الوقت شاعرًا وأديبًا مشهورًا، صاحب قلم سيَّال. وقد شهد له غير واحد من كبار رجالات الدولة في الأدب بذلك، وله تصانيف ومؤلفات كثيرة، منها كتابه الفذ “قوانين الدواوين” الذي ألفه لضبط أمور ديوان المال في عصر صلاح، ثم أصبح هذا الكتاب مرجعًا هامًا لكل من يتصدَّر للكلام عن دولة صلاح الدين بعد ذلك. ومن مؤلفاته الأخرى كتاب تلقين اليقين في الفقه، وكتاب سر الشعر، وكتاب قرقرة الدجاج في ألفاظ ابن الحجاج.

عرف عن ابن مماتي أن له نوادر حسنة حادة، وأيضًا عرف عنه أن نقده لاذع ساخر لموظفي الدولة والمقربين من السلطة. ولا أدل على ذلك من كتابنا هذا. فهو أحد رجالات الدولة ولكنه كان أحد المثقفين الذين طوَّعوا وعيهم وثقافتهم لخدمة مجتمعهم؛ فهو أحد أبناء مصر الحقيقيين الذين كان لهم الباع في العلم والثقافة، فضلًا عن الشجاعة والجرأة مع اعتداد بالنفس ومرونة في الطبع.

ورغم كونه من طبقة رجال الدولة وموظفيها وأسرته الميسورة الحال؛ إلا أنه انحاز إلى الطبقات الشعبية في مجتمعه واقترب من العامة. والدليل على ذلك كتابه “الفاشوش في حُكم قراقوش”؛ إذ ألَّفه بلغة العامة، لم يكن عند ابن مماتي للرمز معنى أو قيمة مستقلة، ولكن هي طريقة لإكساب الحكايات معنى لا ينتهي وقيمة تعلو عن الشك والإنكار، كان الرمز عنده طريقة للرؤية وومضة تبصر وفهم.

الأمير قراقوش

ضنَّ المؤرخون على قراقوش بترجمة مستقلة؛ وإنما ألحقوه بترجمة سيِّده الذي عاش لخدمته “صلاح الدين الأيوبي”. فالأمير قراقوش هو وزير الحرب لدى السلطة الأيوبية، وذراع صلاح الدين الأيمن وخلفائه. وكلمة “قراقوش” اسم تركي بمعني النسر الأسود.

كان صاحب سطوة ونفوذ، وخلال عمله هذا قام بعدة أعمال بنائية إنشائية، منها قلعة صلاح الدين، وسور القاهرة، وإعادة بناء سور عكَّا. هذا فضلًا عن مشاركته في الحملات العسكرية ضد الصليبين. قيل عنه: كان فيه من الصرامة والجد والقدرة على العمل المتواصل، ما جعل المصادر تصفه بالهمة العالية والولع بالعمران. وبالرغم من إنجازته الكبيرة والهامة في شتى الميادين؛ إلا أن الجماعة الشعبية سخرت منه. ولعل السبب في ذلك ما كان في شخصيته من صفات أسهمت في إشاعة السخرية منه، من كيد وعناد وجد وجمود، وحزم وسوء معاملة. كل هذه الأمور وغيرها كانت سببًا في إشاعة السخرية منه.

أهمية الكتاب

قراقوش

تأتي أهمية الكتاب من كونه اتخذ الإسقاط التاريخي وسيلة لفضح الواقع وتعريته والسخرية منه؛ فقد استطاع الكتاب أن يسجل كل ما خطر للمصريين من عناصر نقد حول الأوضاع كافة بشكل حكائي ساخر. ولا يعني هذا أن ننظر إلى الكتاب على أنه كتاب سخرية وفكاهة أو تسلية، لا بل هو محصلة للإنسان الذي عاش عصرًا مضطربًا استطاع “ابن مماتي” أن يوظف تلك الحكايات التي تبدو في ظاهرها فكاهية؛ لإتخاذها تكأةً يوجه من خلالها سهام نقده إلى السلطة مبرزًا ما كان فيها من فساد.

وأراد أيضًا “ابن مماتي” أن يربت على كتف المجتمع المكلوم المغلوب على أمره، باعثًا فيه الابتسامة والسخرية علَّه ينسى عسف وجور هذه السلطة الغاشمة. أراد “ابن مماتي” أن يوضح أن أثر الجور في الشعب على المدى البعيد ينوء به، بل يُفقده رُوح احترام القانون في نفس قوم دأب سلاطنيهم وقضاتهم وولاتهم على العبث به.

أيضًا من الأهمية التى تخرج من الكتاب التأكيد على أن الحكايات والنوادر تكون في خدمة التاريخ؛ بوصفها أدلة وأسانيد ووثائق، تعين المؤرخ القادر على استنطاقها والنفاذ من خلالها؛ ما يوسع آفاق البحث التاريخي ويفتح المجال لإيجاد سبل جديدة للمعرفة التاريخية. هذه بعض الفوائد ذات الأهمية والتي يستطيع القارئ الخروج بها من قراءة الكتاب.

جدير بالذكر أن قراقوش وابن مماتي؛ كلٌّ منهما كان له فريق ومناصر لوجهة نظره -قديمًا وحديثًا-، منهم من دافع عن قراقوش ووصفه بالمظلوم، وبالذي ظلمه التاريخ وأنه قد حان الوقت لإثبات براءته، ومثل هذه الدفاعات، ووجَّهوا سهام النقد وتهمة المؤامرة والخيانة لابن مماتي؛ فقد طاردوا حكايته وكأنها شيطان لا يطيق قرآن المؤمنين، وأقاموا الأدلة على ذلك، وزعموا أنها أدلة دامغة تقضي على مزاعم ابن مماتي. وعلى الصعيد الآخر نجد من وقف في صف ابن مماتي ودحض أدلة الفريق الآخر.

كل هذا تجده في تلك الدراسة الماتعة (التي أفدت منها الكثير)، التي صدَّرَ بها د/ عمرو منير الطبعة التي أخرجها للنور، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، في جمهورية مصر العربية 2021م. وذيل مع الكتاب ما جمعه جلال الدين السيوطي (911هـ/1050م) زيادات من الحكايات. لا يفوتنا أن نعرج على شيء من سيرة المحقق هو أستاذ جامعي في تاريخ العصور الوسطى، متخصص في العلاقة بين التاريخ والفولكلور، حائز على عدة جوائز علمية وثقافية.

مثال من حكايات الكتاب

بقى أن نذكر شيئًا من هذه الحكايات. ولنذكر مثالًا واحدًا مما ذكره ابن مماتي. قال  حكاية الجارية البيضاء: فأول حكمه أن امرأة حجازية لها جارية تركية قالت لقراقوش: إن هذه جاريتي قد أساءت الأدب علي. قال فنظر قراقوش إلى بياض الجارية التركية وسواد الحجازية. فقال للحجازية: ويلك خلق الله جارية تركية لجارية سوداء حجازية. ما أنا مطغوم ولا مدوخ يا غلمان ودوا هذه الجارية الحجرة.

قال فمكث شهرًا، وبعثت إليه الحجازية أني قد عتقتها لوجه الله. فقال: هذا الحال حتى تعتقك، فإنك جاريتها. وإن أرادت بيعك فتبيعك، أو عتقتك فتعتقك.

فقالت الحجازية للتركية: اعملي معي مثلما عملت معك.

فقالت: وما تريدين مني؟

فقالت الحجازية: أن تعتقيني.

فقالت التركية: إنني قد عتقت سيدتي الحجازية.

فقال قراقوش: جزاك الله خيرًا. 

 كتاب الفاشوش في حكم قراقوش 

قراءة  اونلاين

الثلاثاء، 3 يناير 2023

بيل غيتس .. الوجه المُدمِّر للأعمال الخيرية للنخب الغربية

بيل غيتس .. الوجه المُدمِّر للأعمال الخيرية للنخب الغربية 


تحرير/ عبد المنعم أديب

ذاع صيت “بيل غيتس”، وتألق نجمه في سماء الأعمال الخيرية التي أغدق على العالَمَ بها في السنوات الماضية، وسخَّرَ ثروته لخير هذا الكوكب. وتغنت وسائل الإعلام في كل أصقاع العالم بإحسانه وطِيب معدنه، وتصويره على أنه الفارس المغوار والمُخلِّص الذي أشهر سيفه لردع فيروس “كوفيد” وغيره من الفيروسات الفتَّاكة، وانتشال البشرية من الفقر المدقع.

وانبرت الشبكات الإعلامية العملاقة -المرئية منها والمقروءة-؛ لاستضافته بوصفه خبيرًا في مجال الصحة حتى إن لم يكن يملك شهادة في الطب أو ما يؤهله لذلك. من بين هذه الشبكات CNN, CNBC, FOX, BBC Washington post, التي وصفته بـ”بطل الحلول المرتكزة على العلم”، إلى جانب نيويورك تايمز التي توَّجتْه الرجل الأكثر تأثيرًا في العالم. ناهيك عن برامج الحوار والتسلية المؤثرة في العالم مثل The Ellen Show. وكان الموضوع الحصري الذي سوَّقتْ له كل الشاشات عند استضافته “لو أنصت قادة العالم لبيل غيتس، لكان العالم أفضل استعدادًا في معركته ضد الجائحة”. حتى أن مجلة فوغ الشهيرة في الموضة تساءلت: “لماذا لم يبادروا إلى تكليف بيل غيتس برئاسة فريق عمل إدارة جائحة كورونا في البيت الأبيض”. وعكفت شبكة نتفليكس إلى تقديم برنامج وثائقي تحت عنوان “الجائحة”، كان بيل غيتس البطل فيه، ومنتج البرنامج مراسل النيويورك تايمز “شيري فينك” الذي عمل سابقًا في ثلاث منظمات ممولة من غيتس!

هل يمكن أن يشيح العالم بنظره عن أعمال غيتس الخيرية، وتبرعاته التي فاقت الخيال لشركات الأدوية العملاقة ومنظمات الصحة والغذاء، وبرامج الأمم المتحدة وشركات التكنولوجيا؟! ساهم بيل غيتس بتأسيس التحالف العالمي للقاحات والتحصين GAVI، وقام بتمويله بمبلغ 41 مليار دولار، وشغر مقعدًا دائمًا في مجلس إدارته، وبات يلعب دورًا تقنيًا وماليًا في تشكيل أسواق توزيع اللقاحات.

وفي عام 2018 منحت مؤسسة بيل وميلندا غيتس تمويلًا قدره 237.8 مليون دولار لشراكات الأدوية الكبرى “Big Pharma”، عبر برنامج “GAVI”؛ ليكون ثاني أكبر متبرع في العالم لها بعد الولايات المتحدة الأمريكية. كما تبرع بمبلغ 300 مليون دولار للاستجابة لكوفيد، ولصالح تجارب اللقاحات للشركات المصنعة مثل أسترا زينيكا وموديرنا وفايزر. وأضحى بيل غيتس ومؤسساته أكبر متبرع وممول لمنظمة الصحة العالمية؛ خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي السابق ترامب بالانسحاب من تمويلها. كما قدم تحالف GAVI مبلغ 158.5 مليون دولار للمنظمة؛ ليكون ثاني أكبر متبرع بعد مؤسسة غيتس. ومما يجدر بالإشارة إلى أن مدير المنظمة الحالي “تيدروس أدحانوم غيبرييسوس”؛ (وهو أول مدير عام من غير الأطباء) كان يشغر في السابق عضوية مجلس إدارة منظمتين أسستهما مؤسسة غيتس وماتزال تتبرع لهما وهما تحالف “GAVI” و “”Global Fund فضلًا عن أن معظم أعضاء فريق الخبراء الاستراتيجي الاستشاري SAGE الخاص بمنظمة الصحة في مجال اللقاحات ذات صلة بمؤسسة غيتس.

وفي عام 2017، ثبت أن 7 شركات من أصل 23 من شراكات الصحة العالمية GHP غير الربحية تعتمد اعتمادًا كليًا على تمويل مؤسسة غيتس، في حين تعتبر المؤسسة من أهم الممولين لتسع شركات أخرى. وصاحب التبرعات الضخمة المخصصة لشبكات الإعلام العملاقة الأجنبية والعربية، واستثمار الملايين في التدريبات الصحفية على صياغة الخبر الإعلامي، والقائمة تطول وتطول. قالت عالمة الطبيعة والإيكولوجيا وناشطة وصاحبة مؤسسة البحوث للعلوم والتكنولوجيا والبيئة “فاندان شيفا” في مقابلة أجرتها مع موقع “غراي زون” “أضحى كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أقزامًا أمام نفوذ وتأثير مؤسسة غيتس”.

الوجه الآخر لأعمال غيتس الخيرية
مؤسسة غيتس وتحويل الجزء الجنوبي من الأرض إلى مكب نفايات
جعل أفريقيا والدول الفقيرة فئران تجارب
غيتس ورؤية هنري كسينجر “مَن يتحكم بإمدادات الغذاء؛ يتحكم بالعالم”
منظمات وعلماء هبُّوا لمعارضة مشروع غيتس والأثرياء

الوجه الآخر لأعمال غيتس الخيرية

أرسلت الباحثة وعالمة الاجتماع الكندية “أليسون كاتز”؛ التي قضت 18 عامًا في منظمة الصحة العالمية رسالة لمديرة المنظمة آنذاك عام 2007، تشجب عبرها تحوُّل المنظمة إلى ضحية للعولمة الليبرالية الجديدة، محذرةً من أجندات المتبرعين. ويجدر التنويه إلى أنه لا يحق لمنظمة الصحة تحديد كيفية إنفاق هذه التبرعات من مؤسسة غيتس، بل يعود القرار للمؤسسة ناهيك عن تحول بيل غيتس نفسه بفضل التبرعات المالية الضخمة إلى زعيم غير رسمي وغير منتخب لمنظمة الصحة. الأمر الذي يبرر سبب تربع خطة اللقاح العالمية، التي شاركت مؤسسة غيتس في إعدادها، على رأس أجندة منظمة الصحة في عام 2012، والابتعاد عن أولويات أخرى.

وقال الدكتور “ديفيد ليغ” الباحث في كلية الصحة العامة في جامعة ميلبورن: “إن تبرعات غيتس هي في الواقع آلية لفرض أجندة؛ ناهيك عن تشويهها لأولويات ميزانية منظمة الصحة العالمية”. وهو ما أشار له موقع “فورين أفيرز Foreign Affairs” من أن أولويات غيتس باتت هي أولويات منظمة الصحة العالمية، وتخضع مبادراتها ومعاييرها لتدقيق مؤسسة غيتس قبل تبنِّيها؛ وهو ما حذرت منه مديرة المنظمة السابقة “مارغريت تشان” من أن أولويات المنظمة باتت تُساق نحو مصالح متبرعيها. في السياق ذاته أشار مقال تحت عنوان “نقدم لكم أقوى طبيب في العالم: بيل غيتس” على موقع “بوليتكو” إلى مخاوف ناشطين في مجال الصحة من أن غيتس بتبرعاته هو “بمثابة حصان طروادة لمصالح الشركات العالمية بهدف تقويض دور منظمة الصحة العالمية في وضع المعايير وصياغة السياسات الصحية”. وأعربوا عن رأيهم بأنه أضحى الرجل الأكثر نفوذًا على سياسة الصحة العالمية، ويلقى معاملة رئيس دولة في منظمة الصحة العالمية، وفي مجموعة الدول العشرين.

مؤسسة غيتس وتحويل الجزء الجنوبي من الأرض إلى مكب نفايات

عشرون عامًا ونيَّف، ومؤسسة غيتس تساهم في برمجة سياسات الصحة العالمية في الدول الفقيرة، خاصةً في أفريقيا وآسيا الجنوبية مُوظِّفةً ارتباطاتها الوثيقة بعمالقة صناعة الأدوية. وهو ما يبدو للوهلة الأولى عملًا خيريًا بامتياز. باستثناء الأدلة التي طفت على ساحة التاريخ الحديث، تفيد بتحويل تلك المناطق إلى مكب نفايات لأدوية ثبت عدم سلامة استخدامها في الدول المتقدمة، ناهيك عن استغلال هذه البلدان في تجارب أدوية جديدة غير مجازة بعدُ للاستخدام البشري.

كان مشروع بيل غيتس البارز مُتمثلًا ببرنامج اللقاحات في أفريقيا برعاية منظمة الصحة العالمية؛ فضلًا عن أدوية أخرى منها:

1- اللقاح الثلاثي للأطفال (لقاح الخناق والسعال الديكي والكزاز) الذي يُطعم به كل طفل في أفريقيا. في حين ثبت أنه لم يُصرح باستخدامه في الولايات المتحدة ومعظم دول العالم المتقدم. وفي دراسة قام بها خبراء بريطانيون في الطب نُشرت في مجلة “لانسيت” الطبية أن مخاطر السعال الديكي كامل الخلية (المستخدم في اللقاح الثلاثي) عالية جدًا؛ حيث أثبتت الأدلة ارتباط الدواء بتلف الدماغ والنوبات وحتى الموت؛ وهو ما دفع الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى إلى التخلص منه تدريجيًا واستبداله بنسخة أكثر أمانًا، لا تحتوي على خلية السعال الديكي. لكن يبدو ألَّا مكان للفقراء وأطفالهم في حسابات النُّخب وأرباح شركات الأدوية؛ حيث واصل برنامج GAVI الممول من غيتس إعطاء اللقاح الثلاثي في أفريقيا. ضاربين عرض الحائط بالدراسات التي أثبتت ارتباطه بوفيات الأطفال الأفارقة، ومنها دراسة أجريت عام 2017 بتمويل من الحكومة الدنماركية تثبت أن اللقاح يفتك بالأطفال أكثر مما يعالجهم.

2- أنفق غيتس مليار دولار أمريكي على لقاح شلل الأطفال عبر الفم، في الدول الأفريقية والآسيوية؛ ليتبين لاحقًا أنه يحتوي على فيروس يمكن أن يتكاثر في أمعاء الطفل ويسبب العدوى، بمعنى إمكانية إصابة الناس بالمرض من اللقاح نفسه. وهو ما أثبتته دراسة قامت بها جامعة كاليفورنيا عام 2017 بإصابة عدد كبير من الأطفال بالشلل بسبب اللقاح. وبهذا الصدد قال أستاذ علم الأحياء الدقيقة راؤول أندفيو: “إنه للُغز يحير الألباب؛ كيف يتسبب اللقاح المستخدم للعلاج بالمرض نفسه!”. وعكفت الولايات المتحدة إلى وقف استخدامه عام 2000. كما خلصت المجلة الطبية المعنية بالأمراض المُعدِية إلى أن اللقاح تسبب بانتشار المرض ووقوع وفيات. وقد أكدت المجلة الطبية البريطانية أن برامج التطعيم باللقاح المدعوم من مؤسسة غيتس لشلل الأطفال تسببت بوفيات كثيرة. ونوَّه الأطباء في الهند إلى تفشي مرض آخر بسبب اللقاح، يُسمى الشلل الرخو الحاد؛ مُسببًا حالات شلل بين أعداد كبيرة من الأطفال.

بالطبع، لأطفال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الجنوبية وغيرهم من الفقراء شأن آخر؛ حيث تتحمل أجسادهم الصغيرة أمراضًا فتَّاكة ينوء تحت حملها أجساد نظرائهم في الدول المتقدمة. لهذا انكبَّتْ مؤسسات غيتس، ومن خلفها عمالقة صناعة الأدوية إلى الضغط على الحكومات للاستمرار في التطعيم بهذا اللقاح رغم الإجماع العلمي ضده وهم محصنون من أية مُلاحقات قانونية. والفضل يعود إلى تشريعات فيدرالية أمريكية تحصن شركات الأدوية من مثل هذه الملاحقات.

3- موانع الحمل طويلة المفعول والقابلة للانعكاس (LARC): تقوم مؤسسة غيتس بنشر هذه الأدوية لتقوية المرأة في الدول الفقيرة. مع العلم أن بعضها مثل نوربلانت لمنع الحمل لخمس سنوات، والمصنعة من قبل شركة Bayer حاليًا، وفي السابق كانت تسمى Schering؛ قد منعت الولايات المتحدة استخدامه على ضوء قضايا تقدمت بها 50.000 امرأة ضد الشركة، بسبب الأعراض الجانبية التي تشمل النزيف الحاد وخراجات في المبايض وغيرها الكثير. وسارعت على الفور مؤسس غيتس إلى تغيير اسمه بعد إجراء تعديلات بسيطة عليه، وأخرجته باسم Jadelle. وتم ترويجه في أفريقيا بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID وEngenderhealthy التي كانت تسمى في الماضي جمعية العقم لتطوير الإنسان وتحسين الجنس البشري. ولا نستغرب إنْ علمنا أن المنتج لم يحُزْ على ترخيص إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ومنعت استخدامه. الأمر ذاته يسري على دواء آخر لمنع الحمل من شركة فايزر وهو “Depo-provera”، وتعهدت ميلندا زوجة غيتس إلى منحه لـ120 مليون امرأة بحلول عام 2020. ورُصد مبلغ إضافي وقدره 375 مليون دولار، وجنت شركة فايزر من عائداته أكثر من 30 مليار دولار بغضّ النظر عن أعراضه الجانبية المتمثلة بجلطات دم قاتلة في الرئتين والعمى وسرطان الثدي. ومثله دواء Sayana Press حيث مورست الضغوط على وزير الصحة في السنغال -بحسب موقع غراي زون- لتعديل قوانين الصحة في بلاده لتوزيعه. وتبين أنه لا يجوز على نساء مصابات بأمراض الروماتيزم تعاطيه، وهذا ما حدث في أوغندا، ناهيك عن تسببه بهشاشة العظام وأمراض أخرى.

جعل أفريقيا والدول الفقيرة فئران تجارب

تفرض إدارة الغذاء والدواء الأمريكية وهيئات مشابهة ضرورةَ اختبار أي دواء على الإنسان قبل ترخيصه؛ مما يقتضي من الشركات المُصنِّعة إخضاع الدواء لتجارب على الحيوان، وفي المرحلة النهائية تجري تجارب سريرية على عدد كبير من الناس. وهذه المرحلة تستوجب 90% من تكاليف العملية. وهو ما دفع الشركات الكبرى إلى اتباع استراتيجية تخفيض التكاليف وسرعة التنفيذ. وهنا انبرت مؤسسة غيتس مدعومةً بمنظمات عالمية لمساعدة شركات الأدوية في تنفيذ التجارب السريرية؛ لتسريع ترخيصها. وطالبت إجراء التجارب على الحيوان والإنسان في الوقت نفسه واضعةً نصب عينيها فقراء أفريقيا وغيرها من الدول الفقيرة. وهو ما صرحت به جريدة مؤثرة في جنوب أفريقيا قائلة:

نحن فئران تجارب لشركات صناعة الأدوية.

التجارب الممولة من مؤسسة غيتس كثيرة نستخلص بعضها كالآتي:

1-لقاح الملاريا: قدمت مؤسسة غيتس تمويلًا للتجارب السريرية للقاح المصنع من شركة GSK في عدة دول إفريقية، منها غانا وكينيا وموزامبيق وتنزانيا. وبحسب بيانات الشركة تسبب اللقاح بقضاء أطفال من الإناث، وارتفاع خطر الإصابة بالتهاب السحايا عند آخرين. وهو ما استدعى القلق، حسب ما أكدته المجلة الطبية البريطانية، إلا أن هذا لم يُحبط جهود الأمم المتحدة في استمرار تنفيذ تجاربها السريرية باسم “تجارب التنفيذ”؛ بناء على اقتراح فريق الخبراء الاستشاري SAGE المرتبط بمؤسسة غيتس، بغض النظر عن انتقادات واسعة من علماء الأخلاقيات البيولوجية، لهم شأنهم على مستوى العالم للانتهاكات الخطيرة للمعايير الأخلاقية الدولية.

هبَّتْ منظمة الصحة تدافع عن برنامجها بوصفه تجارب، وليس نشاطًا بحثيًا؛ حيث يتم منح اللقاح في المناطق العشوائية الفقيرة كجزء من برنامج التطعيم الروتيني، بمعنى أن الموافقة على أخذه متضمنة أساسًا، ولا يتم إعلام الأهالي بالأعراض الجانبية؛ مما يعتبر انتهاكًا لبيان أوتاوا حول أخلاقيات التجارب العشوائية الجماعية.

2-لقاحات فيروس الورم الحليمي البشري، برعاية شركتي GSK و Merck: تلقى عدد كبير من الفتيات في مقاطعات هندية نائية اللقاح، ضمن مبادرة الصحة والتكنولوجيا PATH الممولة من غيتس. ورصدت مبلغ 3.6 مليون دولار للتجارب السريرية؛ إلا أنه أوقع وفيات كثيرة وتسبب بأعراض جانبية خطيرة، مما استلزم تدخل اللجنة الهندية للصحة ورعاية الأسرة، وإحالة القائمين على البرنامج إلى المحكمة بتهمة انتهاك حقوق الطفولة والإنسان. وقررت المحكمة في عام 2013 حقيقة أن الشركات الأجنبية تنظر إلى الهند كحقل تجارب سريرية، وفق أدلة حول هول عواقبها على الشعب الهندي.

وبهذا الصدد قال خبير أمراض الجهاز الهضمي في مستشفى السيرجانجارام في نيودلهي، والمحرر الفخري للمجلة الطبية الهندية “سميران نوندي”: “إنها قضية هامة تثبت الاستعانة بالهنود كفئران تجارب”. وهو ما أكده كل من عالم الوراثة “كريشنا سوايفيجاي راجافات” سكرتير قسم التكنولوجيا الحيوية، و”نشاندرا إم غولهاتي” محررة مجلة طبية هندية مؤثرة “Monthly index of Medical Specialities” حول اعتبار الشعب الهندي فئران تجارب، وأن برنامج PATH ليس خيريًا بل ينطوي على دوافع خفية. وبات يتعذر عليهم بعد الآن إجراء تجاربهم في الهند، لكن هذا لم يثبط عزيمتهم؛ فثمة دول فقيرة أخرى فكانت بنغلادش محطتهم التالية.

في تموز 2020، اندلعت مظاهرة احتجاجية في مدينة جوهانسبورغ تندد بانطلاق تجارب اللقاحات المكافحة لكوفيد في أفريقيا، وتندد بالأخص أن مَن تمَّ انتقاؤهم من المتطوعين هُم من الفقراء الغافلين عن مخاطرها، كما عبر عنه منظم المظاهرة “فابانو فاشا” إلى صحيفة “أسوشيتد برس” إزاء تلاعب القائمين على التجارب بالمستضعفين؛ منوهًا إلى أننا أضحينا مكب نفايات وحقول تجارب، مؤكدًا أنهم لا يعارضون العلم، بل المنتفعين من النخب والشركات.

وممَّا يدعو للسخرية تصريحٌ لاح في الأفق، للباحث الفرنسي “جان بول ميرا” في العام نفسه: “لا يجب تطبيق تجربة الكوفيد في أفريقيا؛ فهي تخلو من العلاجات والتدابير الوقائية، ناهيك عن ضعف أنظمتها الصحية”. مُقاربًا العملية للتجارب حول الإيدز التي استقدموا فيها البغايا بالنظر إلى افتقارهم لتدابير الحماية وتعرضهم لمخاطر المرض أكثر من غيرهم.

وسَعَتْ مؤسسة غيتس، بالتعاون مع البنك الدولي؛ إلى تحويل الهند إلى مختبر للتعقب الرقمي، حيث غدت أكبر قاعدة بيانات تعريفية رقمية في العالم، عبر إدراج 1.3 مليار شخص بالهند في نظام يدعى Aadhar System””، الإلزامي في مجمل مناحي الحياة. وربطه بالقدرة على الحصول على الاستحقاقات الغذائية والرعاية الحكومية -إذا استبعدنا، ولن نستطيع، تحوله إلى نظام رقابة على قاعدة البيانات نفسه-؛ الأمر الذي تسبب بوقوع وفيات بين الأطفال والأرامل والشيوخ الذين حرموا من الإعانات؛ بسبب عدم التعرف على بطاقاتهم في النظام أو خلل في تسجيل بياناتهم. ويسعى المنتدى الاقتصادي ومؤسسة غيتس إلى تطبيق هذا النهج على أفريقيا حيث طالب البنك الدولي بتطبيق سوق رقمية واحدة، وتعديل القوانين في كل من الجزائر وتونس وغانا والسودان وغيرها لصالح الأوليغارشية (حُكم النُّخبة) الثرية.

غيتس ورؤية هنري كسينجر “مَن يتحكم بإمدادات الغذاء؛ يتحكم بالعالم”

استهدف غيتس بتبرعاته للزراعة تطبيق رؤيته في مشروع “التحرير الجيني”، والاعتماد على البذور المعدلة وراثيًا، والأسمدة الكيماوية والزراعة الأحادية، وإنتاج الأطعمة الاصطناعية، وإعادة قولبة الأسواق الزراعية وتخفيض عدد المزارعين، واستبدالهم بالروبوتات والذكاء الاصطناعي وسلب الإرادة الحرة منهم والمعرفة المتوارثة عبر الأجيال، وإخضاعهم كليًا إلى الصناعة الغربية؛ كل هذا تحت مظلة حماية المناخ، وحل مشكلة المجاعة عبر زيادة الإنتاج مع الحرص على تعديل أنظمة الدول المستهدفة بمشروعهم لتيسير التغلغل فيها عبر القطاع الخاص. ومن له غير قارة أفريقيا وجنوب آسيا والدول الفقيرة لتنفيذ خطته بالتعاون مع مؤسسة “روكفللر” ذات الباع الطويل في مشروع تطوير الجنس البشري الألماني؛ وهو امتداد لرؤية هتلر للعرق النقيّ.

وقدمت مؤسسة غيتس مبلغًا قدره 306 مليون دولار؛ لتشجيع الزراعة المستدامة عالية الإنتاجية، عبر التلاعب الجيني في أفريقيا وجنوب آسيا. كما أُرغم 15 مركزًا مستقلًا بالاندماج ضمن هيئة سماها “GATES AG ONE”؛ بغية الشروع بتنفيذ مشروعه وتطوير بذور معدلة جينيًا وتقديمها لصغار الفلاحين في تلك الدول. كما تشارك مع مؤسسة روكفللر لإطلاق مشروعه “تحالف من أجل الثورة الخضراء في أفريقيا” مُخصِّصًا مبلغ 100 مليون دولار بهدف تغلغل الشركات الزراعية الأمريكية فيها، وإغراقهم بالتكنولوجيا تحت عنوان تقويض المجاعة، ضمن مشروع التغيير المناخي. في هذا السياق مُورست الضغوط على الدول المستهدفة لتعديل قوانينها، وخلق بيئة جديدة للاستثمار القسري عبر القطاع الخاص. كما حدث على سبيل المثال في غانا وتنزانيا ومالاوي.

كما دشَّنت مؤسسة غيتس برنامج AGRA 2006، وخصصت مبلغ 524 مليون دولار في برامج دعم البذور المعدلة والأسمدة التي تعتمد على الوقود الأحفوري، والمبيدات الكيماوية والضغط على الحكومات لتخفيف الأعباء على الشركات الأجنبية وخصخصة الأراضي، واستيراد البذور من أمريكا والشركات الأوروبية ضمن أهداف مضاعفة المحاصيل والدخل والتقليل من التهديد الغذائي في أفريقيا بحلول عام 2020.

وفي سبيل دعم مشروعه الجديد، بادر غيتس إلى التبرع عبر أدواته بمبلغ 120 مليون دولار لشركة ” Editas” التي تعمل في تعديل الجينات لمعالجة الأمراض الخطيرة، كما اشترى أكثر من 500 ألف سهم في شركة “Monsanto Research” متعددة الجنسيات العاملة في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية؛ ذات السمعة السيئة بتسبب منتجاتها بأمراض السرطان وغيرها. وورَّدوا معًا الأرز الذهبي المعدل وراثيًا إلى أفريقيا، وسبق ذلك توريد منتجاتهم في الستينات والسبعينات إلى الهند. وكانت النتائج كارثية أدَّت إلى فقدان ثلاثة أقدام من المياه الجوفية، وتدمير التربة الثرية وتجريدها من معادنها وتسرب المياه المالحة، واستخدام عدد أكبر من الأسمدة الكيماوية؛ كل ذلك لإنتاج الكمية نفسها من المحاصيل، مما أرغم الدولة على استيراد الأرز وارتفاع معدل الديون لدى المزارعين، وانتحار المزارعين كل عام وبعضهم الآخر اضطر إلى هجران الزراعة المتوارثة عبر أجيال، واستبدالها ببذور تلك الشركة الممولة من غيتس. وبالعودة إلى قضية مكب النفايات، لا بد أن نذكر ما أورده موقع “Move Om” من مسارعة إنكلترا وأوروبا عمومًا إلى حظر مبيعات المحاصيل المعدلة وراثيًا، خاصة تلك المنتجة من قبل شركة Monsanto.

والأخطر سيطرة بيل غيتس على المنتدى الاقتصادي العالمي؛ المُكوَّن من تحالف من شركات وحكومات ومنظمات، ومنظمات المجتمع المدني بقيادة “جورج سوروس”؛ المشهور بثوراته الملونة والناعمة على الدول عبر منظماته غير الحكومية. ونصَّبَ هذا المنتدى نفسه زعيمًا فكريًا للرأسمالية العالمية، وعبورهم من باب الجوائح والكوارث المناخية والمجاعات لفرض الهيمنة على الشعوب، وفرض أجندات إقليمية ودولية.

ويتربع مشروعهم الأكبر “إعادة التعيين الكبرى” على أجندتهم الحالية لاستبدال المؤسسات متعددة الأطراف بكيانات سريَّة، تديرها الشركات العابرة للأوطان والنخب، دون محاسبة. وألمحت مجلة “فورين أفيرز” إلى أن هذا المنتدى لا يملك سلطة رسمية، لكنه أضحى منتدى من النخب لمناقشة الأولويات والأجندات برئاسة “كلاوس شوب” صاحب كتاب “الثورة الصناعية الرابعة”؛ لتغيير حياة الناس ودمج العوالم المادية والرقمية والبيولوجية. وعبَّر عن ذلك بالقول: “إن الفارق في الثورة الصناعية الرابعة أنها لا تستهدف تغيير ما تفعله، بل تغييرك أنت ومن الأمثلة على ذلك مشروع التحرير الجيني”. مع التنويه إلى قيام المدير العام للأمم المتحدة بتوقيع شراكة استراتيجية مع المنتدى، دون الرجوع إلى الجمعية العامة أو أي كيان أممي آخر لينأى بالمنظمة عن التعددية إلى مصالح النخب؛ بما يقتضيه مشروع المنتدى “إعادة التعيين الكبرى”.

والنقطة الأخطر تمثلت بهيمنة غيتس على مخزون البذور العالمي، المحفوظة في 15 بنكًا للبذور في أنحاء العالم لحماية مستقبل البشرية؛ ثم تربَّعَ على عرش ملكية البذور في العالم. ومنذ عام 2003 ضخت مؤسسة غيتس بالتعاون مع مؤسسة روكفللر 720 مليون دولار في مشروع بنك البذور التابع للمجموعة الاستشارية حول البحوث الزراعية الدولية؛ ليكون الممول الأضخم له. وألقى موقع “Regeneration international” الضوء على تحويل غيتس البذور والأبحاث من مؤسسات البحث العلمي إلى الشركات التجارية المرتبطة به، ومنها Cargell، Bayer مُطلقًا حملة استعمارية لنهب وخصخصة مخزون البذور من المزارعين والسكان الأصليين وتسهيل قرصنة الملكية الفكرية والبيانات الجينومية لملايين النباتات.

وحتى لا نبخس لتلك النخب حقها؛ فقد بلغ أثرها المزارعين على امتداد أوروبا أيضًا، من خلال فرض قوانين صارمة، كانت نتاج المنتدى الاقتصادي وخطط النخب -وعلى رأسهم غيتس-. ومنها قوانين تخفيض النتروجين، كما فعلت الحكومة الهولندية برصدها مبلغ 25 مليار يورو لتنفيذه، وألمانيا خصصت مبلغ 200 مليار يورو للتقليل من تداعيات أزمة الطاقة إلى جانب إرغام الكثير من المزارعين على قتل عدد من مواشيهم.

وعمد غيتس ومِن خلفه المنتدى الاقتصادي والأوليغارشية الثرية إلى دعم منظمات، منها “Eat Forum”؛ لتعديل النظام الغذائي بالتعاون مع شركاء (منهم غوغل)، وبمشاركة 40 حكومة في كل أصقاع العالم، واليونيسف (الممولة بشكل كبير من غيتس). كما أطلق غيتس برنامج GAIN في جلسة خاصة للجمعية العمومية في الأمم المتحدة، والخاصة بالأطفال، بالتعاون مع مؤسسات يمولها مثل منظمة الصحة واليونسيف وشركات تغذية لدعم الأغذية المعدلة.

منظمات وعلماء هبُّوا لمعارضة مشروع غيتس والأثرياء

قضت محكمة العدل الأوروبية بوجوب إخضاع مشروع التعديل والتحرير الجيني للكائنات لضوابط أكثر حمايةً للصحة العامة. كما توجس العلماء منه مُنوِّهين إلى ضرورة التريُّث وأخذ الوقت الكافي لدراسته. ليجيبهم غيتس ذاته: “الوقت هو العدو”.

قامت جامعة TUFTS بدراسة خلصت فيها إلى ارتفاع معدل الجوع حتى 13% في 13 دولة خضعت لمشروع غيتس، وممارسته الضغط على المزارعين؛ لحصر عملهم بزراعة بذور الذرة المستوردة، وترك الزراعات التقليدية المتعددة.

كما هبَّت 500 منظمة عالمية بتوقيع رسالة شجب لقمة الغذاء 2021 التي عقدت بمشاركة محدودة من هيئات الأمم المتحدة، ودون مشاركة منظمة الزراعة والغذاء أو لجنة الأمن الغذائي العالمي المسؤولة عن سياسة الغذاء. بينما حضرت الدكتورة أغنيس كاليباتا مبعوثة خاصة عن الأمم المتحدة علمًا أنها رئيس منظمة AGRA، وهو مؤشر جلي عن هيمنة مؤسسة غيتس. وأطلقت المنظمات على القمة “قمة السُّمّ”؛ بسبب افتقارها الشفافية وعملها الدؤوب على تدمير منجزات سابقة في إطار الأنظمة الغذائية، والاستعاضة عنها بحلول زائفة، مثل صفرية الانبعاثات الكربونية، وتسعير كربون التربة، وغيرها من القرارات الرامية إلى الهيمنة على الأراضي والتنوع البيولوجي من قبل النخب والشركات العالمية.

تحدث رالف شولهامر (أستاذ مساعد في الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة ويبستر فيينا) في برنامج “Redacted” المستقل إعلاميًا، عن عواقب سياسات المنتدى الاقتصادي العالمي، ومشاريع النخب المؤثرة في العالم على الزراعة، وعلى رأسهم بيل غيتس. وتطرق إلى سياسة ألمانيا على سبيل المثال بالتحول إلى الزراعة العضوية ومزارع الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وتداعيات ذلك من فقدان الاكتفاء الذاتي والتحول إلى الاستيراد بسبب انخفاض الإنتاج. وهو أمر بمقدور الدول الثرية القيام به بغضّ النظر عن عواقبه؛  لكن ماذا عن الدول الفقيرة؟! ووجَّه سهامه إلى مشروع المنتدى الاقتصادي “إعادة التعيين الكبرى” مُعربًا عن ضرورة عدم الثقة بنخبه الذين يتخفون وراء شعارات حماية البيئة وتطوير الزراعة.

وصدرت دراسة عام 2009، قام بها برنامج التقييم الدولي للعلوم والتقنيات الزراعية لتحقيق التنمية؛ قدمت أدلة دامغة على فشل ذريع للثورة الخضراء برعاية غيتس وروكفللر، ودحضت المقولة باعتبار المحاصيل المعدلة وراثيًا هي الحل للنقص الغذائي. والمشروع الذي أطلقته مؤسسة روكفللر في الستينات في الهند والمكسيك كان كارثة نجم عنها دمار للتربة والمياه والتنوع البيولوجي. وعزَّزت الدراسة -كما العديد غيرها- التأكيد على أن السيادة في مجال البذور والغذاء والمعرفة هو المستقبل الحيوي لها؛ خلافًا لما يُروِّجه غيتس بمشروعاته متجاهلًا أصوات العلماء والمواثيق والمنظمات الإنسانية.

أجريت دراسة عام 2020 بعنوان “الوعد الزائف: تحالف من أجل الثورة الخضراء في أفريقيا”، خلصت إلى أن هذا المشروع تسبب بزيادة الجوع بمعدل 30%، وزاد عدد الجائعين إلى 131 مليون شخص، ناهيك عن تحولهم إلى عبيد على أرضهم بسبب معاييره. ووحدها الشركات -مثل شركة Monsanto- والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي تعتبر واجهةً للاستخبارات الأمريكية، والمرتبطة جميعها ببيل غيتس؛ هي المستفيد الوحيد. وأضافت أن برامجهم ليست إلا شكلًا من أشكال الرأسمالية الخيرية القائمة على القرصنة البيولوجية. وهي النتيجة نفسها التي خلص إليها تحالف AGRA WATCH من أجل العدالة العالمية.  

انتقدت الدكتورة شيفا في مقابلة لها على محطة “فرانس 24” الدكتاتوريات الثرية، وعلى رأسها بيل غيتس؛ واصفةً إياه بكولومبس، بالطبع -ليس من باب المديح- لفرض استعمار جديد عبر مشروع المحاصيل المعدلة وراثيًا، والسيطرة تكنولوجيًا عبر الذكاء الاصطناعي على المزارعين. وقالت: “انبثقت شركة Monsanto عن العولمة، حيث كانت 90% من البذور في متناول المزارعين ويستقدمون الباقي من القطاع العام، ومع مجيء الشركة على نحو غير قانوني تحت مظلة زيادة المحاصيل والدخل”، وأضافت: “إن مشروع هؤلاء النخب “إعادة التعيين الكبير” ما هو إلا إكمال لانتزاع الثروة والملكية من الفقراء والطبقة الوسطى لصالح الأثرياء، وعلى رأسهم بيل غيتس من خلال أعماله الخيرية”.

نشرت مجموعة حقوق الإنسان “Heinrich Boll Siftung” أدلة عن تهرب غيتس من الضوابط المفروضة على مشروعه الخاص بالتحرير الجيني وسعيه لإفساد وشراء مسؤولين دوليين في الأمم المتحدة لوقف الهجوم على مشروعه؛ مدعومًا بشركات مثل Big Pharma وغيرها. كما ألقت الضوء على الدور الكبير الذي يضطلع به الجيش الأمريكي في مشروع غيتس الخاص بالتحرير الجيني، وأنفقت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية 100 مليون دولار فيه، إلى جانب معهد الدكتور فوتشي للصحة الوطنية.

عكفت حركة “lA VIA CAMPENSIA” (التي أسسها 200 مليون عامل في الزراعة، ومنهم السكان الأصليون في الدول للدعوة إلى السيادة الغذائية، وحق الشعوب في السيطرة على أنظمتها الغذائية، واستخدام طرق صحية زراعية وإيكولوجية) على خوض معارك شرسة ضد هؤلاء النخب والبنك الدولي. وأثمرت في صياغة بيان الأمم المتحدة في ديسمبر 2018 لتوفير كافة السبل للفلاحين لإنتاج الغذاء لهم ولبلدانهم.

هاجم موقع “The defender” غيتس وأمثاله وسياساتهم تحت غطاء إنقاذ البشرية، وأشار إلى تأسيس غيتس بالتعاون مع أصحاب المليارديرات: جيف بيزوس ومايكل بلومبرغ ومارك زوكربيرغ “نادي المنتفعين من الجائحة” علمًا أن حجم ثروة الأثرياء في أمريكا زادت بمقدار 1.1 ترليون دولار منذ بدء تطبيق سياسات الإغلاق التي دفع بها غيتس والشركات والمنظمات المتعاونة معه بينما زاد عدد الفقراء فيها بمقدار ثمانية ملايين.

قالت الدكتورة شيفا إن غيتس قد أعلن حربًا كيماوية على الطبيعة وأنظمة التمثيل الغذائي في أجسامنا، عبر حملته تحويل البشرية إلى كائنات معدلة وراثيًا. ويشغر مناصب بارزة في شركة “Impossible Foods” التي تعمل على صناعة اللحوم والأغذية المعدلة وراثيًا التي يرجح وصول عائداتها إلى 3.5 مليار دولار بحلول عام 2026، ناهيك عن مشاريع غيتس في تصنيع حليب الثدي صناعيًا، واستبدال الأغذية بالحشرات، وغيرها. ولا يمكن أن ننسى المقطع المصور الذي روَّجت له وسائل الإعلام، تظهر فيه الممثلة “نيكول كيدمان” تتناول غذاء من الحشرات وتثني عليه.

بهذا الشأن يقول “مارك هايمان” رئيس الاستراتيجية والابتكار في مركز كليفلاند كلينيك الطبي، ويوافقه في الرأي بروفسور علوم الأغذية والتكنولوجيا الحيوية “فريدريك ليروي” من جامعة بروكسل، أن ما يقومون بترويجه ليس بالغذاء الصحي والمستدام كما يدعون؛ بل هو مثقل بالسكر والنشاء ومواد حافظة ومبيدات وغيرها تحفز سوء التغذية وأمراضًا مزمنة في الوقت الذي يموت فيه 11 مليون شخص كل عام من الأطعمة فائقة المعالجة التي باتت القاتل الأول في العالم.

كما أطلقت مشاريع غيتس التي تستهدف الزراعة والمزارعين شرارة ثورات عديدة في كل أنحاء أوروبا، عمدت كل وسائل الإعلام المُموَّلة بسخاء هائل من غيتس إلى التعتيم إعلاميًا عليها وعلى طلباتها؛ ناهيك عن قيام بعض الحكومات -ومنها كندا- إلى حجب حساباتهم المالية ومعاقبتهم عقوبات صارمة لا يمكن أن تسمع بها إلا من خلال أصوات إعلامية مستقلة نأت بنفسها عن فساد غيتس وأمثاله. لكن لا يسعنا إلا أن نعترف بأن جهود جيش غيتس الإعلامي والمؤسساتي قد تكللت بالنجاح في إسكات الأصوات المعارضة وقمع حتى الحلول البديلة التي كانت تُقدم لحل المشاكل التي انبرى وحده إلى حلها.

استثمر غيتس والأوليغارشية الثرية في قطاع الأدوية والغذاء والتكنولوجيا -وعلى رأسهم المنتدى الاقتصادي العالمي-؛ في عناوين مُلحَّة تهم البشرية من التغير المناخي والاستدامة والمجاعة لفرض أجندات لا تفيد إلى جيوبهم العامرة، وغمرنا بمشاريع سريالية مثل مشاريع البالونات العملاقة؛ لإشباع غلافنا الجوي بجزيئات عاكسة لطمس الشمس وإطلاق البعوض المعدل وراثيًا في جنوب فلوريدا، وإغراق أسواقنا بأغذية الحشرات وقطع اللحم المصنعة، والبذور المعدلة وراثيًا؛ واستحواذ الشركات على المزارع والبذور والمعارف المتوارثة، وسرقة مزارعنا وسبل العيش المتوارثة.

كما انكب على شراء الأراضي الزراعية؛ حتى تربع على عرش المالكين للمزارع في أمريكا، دون أن نغفل ذكر استثماراته في شركات تكنولوجيا تغيير المناخ التي تعمل على زعزعة استقرار الأرض والتحكم بالأمطار والجفاف؛ ناهيك عن مشاريع أخرى تتعلق بالعملات الرقمية وتتبع السيارات، ومشاريع مدن 15 دقيقة التي دخلت حيز التجربة في باريس وسيول وبريطانيا وغيرها؛ التي توفر فيها الدول كل ما يحتاجه السكان على بُعد لا يزيد على 15 دقيقة من مكان إقامتهم، دون استخدام السيارات. وفي يوركشاير ببريطانيا يتعين على مَن يريد الخروج عن هذه المسافة أخذ موافقة من مجلس بلديتها.

كل هذا استجابة لتداعيات تغير المناخ وجائحة كوفيد-19 والعولمة مقابل تآكل الديمقراطية والسيادة. وكما قالت الدكتورة شيفا: “لقد رأيت بعيني الشر الذي يمكن أن يفعلوه؛ سواء ببرامج اللقاحات أوالأغذية باسم الصحة العامة لإحكام قبضتهم على الأرض والبذور والطعام والبشر. لدى غيتس القدرة على تجويعنا جميعًا حتى الموت”. ولا عجب عندما تتمادى خُطط غيتس إلى إرسال أسطول أقمار صناعية لمسح كل بوصة من الأرض على مدار 24 ساعة، وكما ذكر موقع “The defender” يبدو أننا أضحينا جميعًا فئران تجارب لغيتس والنخب الأوليغارشية ومنتدياتهم؛ بغية تحويل العالم بأسره إلى إمبراطورية عالمية يطبقون على خناقها.