الأحد، 5 أبريل 2026

كيف حاصر ترامب نفسه في إيران؟

 كيف حاصر ترامب نفسه في إيران؟

د. خليل العناني
كاتب وباحث مصري في العلوم السياسية


تحليل اخباري في نيويورك تايمز حول ورطة ترامب في حربه على إيران والتي تحدثنا عنها مرارا وهذه ترجمته:

بعد أكثر من شهر على حربٍ يؤكد أنها ستنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب قد وضع نفسه داخل مأزق استراتيجي يصعب الخروج منه.

المحادثات مع إيران بشأن اتفاق لإنهاء الصراع، إن كانت جادة أصلًا، لم تُظهر حتى الآن أي بوادر واعدة. أما مؤشرات النجاح التي طرحها ترامب في أوقات مختلفة -مثل منع إيران من امتلاك الوقود النووي اللازم لصنع سلاح، ومساعدة الشعب الإيراني على إسقاط نظامه، وإعادة فتح مضيق هرمز- فما تزال بعيدة المنال في أفضل الأحوال.

كما أن قدرة إيران على تحمل الضربات تبدو أعلى بكثير مما توقعه ترامب. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بترسانتها، فإنها ما تزال قادرة على ضرب إسرائيل بالصواريخ، وقد فعلت ذلك حتى أثناء خطاب ترامب مساء الأربعاء.

كان الهدف من ذلك الخطاب المتلفز في وقت الذروة طمأنة الأمريكيين بأن كلفة الحرب مؤقتة، وأن نهايتها وعودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها باتتا وشيكتين. لكن الأسواق استقبلت كلمته بتشكيك واضح.

قفزت أسعار النفط بنسبة 8% خلال ساعات من خطابه الذي استمر 19 دقيقة، ويرجع ذلك إلى أنه لم يقدّم أي خطة لإنهاء ما يشبه “أزمة احتجاز ناقلات النفط” في مضيق هرمز، وهي أزمة بدأت تهز الاقتصاد العالمي. وقد أكد أن المضيق “سيفتح بشكل طبيعي” بمجرد انتهاء الحرب.

في هذه المرحلة، يبدو أن ترامب يطرح مسارات متناقضة أحيانًا، ويواجه احتمالًا حقيقيًا بأن تنتهي المهلة التي حددها بنفسه (أسبوعان إلى ثلاثة) دون أن يتغير شيء يُذكر. كما أن تهديده بإعادة إيران إلى “العصور الحجرية” إذا لم تقبل شروطه — التي لم يحددها — يعني تصعيد الحرب لا إنهاءها.

ترامب ليس غريبًا عن التناقضات؛ فهو بارع في طرح الأفكار والتخلي عنها حسب اللحظة. ففي بداية الحرب دعا الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم، ثم تراجع عن ذلك لاحقًا، معتبرًا أن هذا قد يؤدي إلى “مذبحة” للمتظاهرين.

وفي خطابه الأخير قال إن “تغيير النظام ليس هدفنا”، رغم أنه دعا إليه بعد الضربة الأولى في 28 فبراير. وهو الآن يزعم أن “تغيير النظام حدث بالفعل بسبب مقتل القادة الأصليين”، وكأن تغيير الأشخاص يعني تغيير النظام، وهو أمر لم يحدث حتى بعد وفاة روح الله الخميني عام 1989.

واقع مختلف عن صفقات العقارات

في تنقله بين المواقف، يعتمد ترامب على أساليب صقلها في عالم العقارات في نيويورك، حيث كان قادرًا على خلق واقع خاص به. لكن الحرب مختلفة؛ فالعدو أيضًا يشكل الواقع.

ويبدو أن الإيرانيين يدركون أنهم قادرون على انتظار ترامب حتى ينسحب. ورغم قلة حلفاء إيران -حتى الصين، أكبر مشترٍ لنفطها، تبتعد نسبيًا- فإن قادتها يراهنون على أن تراجع الأسواق وارتفاع أسعار النفط سيدفع ترامب إلى الخروج من الحرب.

وبالتالي، سواء انسحبت القوات الأمريكية خلال أسبوعين أو ثلاثة كما وعد، أو تصاعد القتال وعلقت واشنطن فيه، فهناك تحديات تبدو بعيدة عن الحل.

«قريبًا جدًا»

هكذا وصف ترامب الوقت اللازم «لإنجاز جميع الأهداف العسكرية الأمريكية». لكنه في لحظات أخرى تحدث عن مهام قد تستغرق شهورًا أو سنوات.

بل وتحدث عن إمكانية “السيطرة” على جزيرة خرج، التي تصدر منها إيران 90% من نفطها. وقال: “يمكننا أخذها بسهولة”. لكن الاحتفاظ بها أمر مختلف تمامًا، إذ تبعد فقط 16 ميلاً عن الساحل الإيراني، ويمكن استهداف خطوطها بسهولة.

ولا يحتاج ترامب فقط إلى فتح مضيق هرمز، بل إلى إبقائه مفتوحًا — وهو أمر قد يتطلب وجودًا عسكريًا طويل الأمد.

غضب أوروبي وتصدع الحلفاء

الدول الأوروبية غاضبة من ترامب بسبب عدم التشاور معها قبل بدء الحرب، ولأنها تعتبرها غير قانونية. بل إن قادة أوروبيين يجتمعون الآن دون الولايات المتحدة. وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: «هذه ليست حربنا ولن نُسحب إليها».

هذا الموقف أثار غضب ترامب، الذي هدد بالانسحاب من الناتو. ومع ذلك، اعترف ضمنيًا بحاجة الولايات المتحدة إلى دعم الحلفاء، رغم سخريته من اتصالاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ويقر مساعدوه بأن تأمين المضيق قد يستغرق سنوات.

«العودة إلى العصر الحجري»

يحب ترامب هذا التعبير، الذي يرتبط تاريخيًا بالجنرال كيرتس لوماي، الذي دعا إلى تدمير شامل للبنية التحتية في فيتنام. وقد تبناه وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي كتب: “العودة إلى العصر الحجري”. لكن الخطاب كان يفتقر إلى رؤية سياسية: لم يتحدث ترامب عن مستقبل إيران، أو عن حوافز دبلوماسية واقتصادية مثل رفع العقوبات أو الاستثمار الغربي مقابل تنازلات نووية.

باختصار، كان الخطاب مليئًا بـ«المطارق» دون أي «جزرات».

تناقض خطير في الهدف النووي

قبل أسابيع فقط، أكد ترامب أن هدفه الأساسي هو منع إيران من امتلاك قدرة نووية. وهو هدف تبنته الإدارات الأمريكية السابقة. وقد عملت الولايات المتحدة على تعطيل البرنامج النووي الإيراني خلال إدارات باراك أوباما وجورج بوش الابن، كما وقع أوباما اتفاقًا خفّض مخزون إيران من اليورانيوم بنسبة 97%. لكن ترامب انسحب من الاتفاق في ولايته الأولى، مما سمح لإيران بتوسيع مخزونها.

ومع بداية الحرب، بررها بوجود يورانيوم مخصب بنسبة 60%. لكن المفاجأة أنه قال في مقابلة مع رويترز إنه «لا يهتم» بهذا المخزون لأنه «مدفون عميقًا». هذا التصريح يثير تساؤلات حول ما إذا كان قد بالغ أصلًا في تصوير التهديد النووي.

احتمالات التصعيد

قد يكون ذلك مجرد تكتيك. فهناك احتمال أن تحاول القوات الأمريكية تنفيذ عملية للسيطرة على نحو 970 رطلاً من اليورانيوم في مواقع تحت الأرض — وهو خيار شديد الخطورة.

لكن هذا لن يكون خروجا من الحرب، بل تصعيدا كبيرا لها.

الخلاصة

يواجه ترامب معضلة استراتيجية واضحة:

♦ لا يستطيع تحقيق أهدافه بسرعة

♦ لا يملك خطة خروج واضحة

♦ يتبنى مواقف متناقضة

♦ يواجه مقاومة إيرانية وصبرًا استراتيجيًا

♦ ويعاني من عزلة نسبية عن الحلفاء

والنتيجة:

قد تنتهي المهلة التي حددها بنفسه… دون أي إنجاز حقيقي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق