السبت، 3 يونيو 2017

لماذا يحتاج حكام السعودية إلى موافقة ودعم الخارج؟


لماذا يحتاج حكام السعودية إلى موافقة ودعم الخارج؟ 

ديفيد هيرست

بعد وقت قصير من انطلاق المدافع الثقيلة لوسائل الإعلام المملوكة للإمارات والسعودية لتقصف قطر بصلياتها، انتهى المطاف بجارتهم طريحة بين الأنقاض ينبعث منها الدخان، ولم تعد قادرة على استضافة أحد أو أي شيء، ناهيك عن أن تستضيف كأس العالم. على الأقل هكذا تصوروا حالتها أو تمنوا أن يكون هذا هو مصيرها.

بلغت المزاعم ضد قطر حدا جنونيا من التضخيم والمبالغة، وتضمنت الزعم بأن قطر مولت كل الإرهابيين، وبناء عليه لا ينبغي السماح لقطر "بتخريب منطقتنا"، وعلى قطر أن تنحاز إلى جوارها ضد إيران. وأخيرا، هناك من خرج ليذكر أمير قطر بمصير محمد مرسي.

لم يأت التهديد بالإطاحة برئيس دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي من شخص مجهول الهوية، بل صدر عن رجل مهمته تمثيل المصالح السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية. إنه سلمان الأنصاري، رئيس لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأمريكية، الذي غرد عبر حسابه في تويتر قائلا: "إلى أمير #قطر؛ بخصوص اصطفافكم مع حكومة #إيران المتطرفة وإساءتكم لخادم الحرمين؛ فأود تذكيركم بأن محمد مرسي فعل نفس الشيء وتم عزله وسجنه."

إن تهديد نظام الحكم القطري هو ما يتصدر الصفحات الأولى من أخبار في الصحافة السعودية الآن.

محرر يستحق زيادة في الراتب

مثير للاهتمام أن يصدر ذلك بحق حليف أرسل قواته للمساهمة في حماية الحدود السعودية الجنوبية مع اليمن، وهو ما لم تقدم على فعله مصر. ويصدر بحق حكومة قامت بتسليم معارض سياسي إلى السعودية في اليوم نفسه الذي تعرضت فيه للهجوم بحجة تأييدها لإيران. ومن المثير للاهتمام أيضا أن ذلك كله يأتي بعد أن زار الملك سلمان قطر ورقص مع أميرها.

لربما لم يعد الملك على دراية بما يفعله باسمه ابنه البالغ من العمر ثلاثين عاما.

كان اختراق وكالة الأنباء القطرية في الرابع والعشرين من مايو / أيار مجرد الطلقة الأولى. بعد دقائق معدودة من الاختراق تقريبا في الساعة الثانية عشرة والربع بعد منتصف الليل، بدأت قناة العربية وقناة سكاي نيوز العربية بالاقتباس من النص المفبرك، ثم بدأت القنوات خلال عشرين دقيقة ببث تحليلات حول دلالات ما ورد في النص، وكذلك بث تصريحات وتغريدات صدرت تعليقا عليه.

تقول السلطات القطرية إن تلك القنوات في الفترة ما بين الساعة 12:51 بعد منتصف الليل والساعة 03:28 فجرا، تمكنت من إيجاد أحد عشر سياسيا ومحللا لاستضافتهم على الهواء للتعليق على الموضوع. ما من شك أن هذا جهد خارق لمحرر الفترة المسائية الذي كان فقط "يتفاعل" مع خبر جاءه في منتصف الليل، وبناء عليه فهو يستحق زيادة في الراتب!

المصادفة العجيبة الأخرى أن كل ذلك سبقه نشر ثلاثة عشر مقالا في الصحافة الأمريكية حول الخطر الذي تشكله قطر على الاستقرار في المنطقة. وهذا أمر محير، لأنه متى كان أحد يعبأ بكتابة مقالات عن قطر في الإعلام الأمريكي!

من الواضح أن تلك كانت هجمة دبرت بليل مع سبق الإصرار والترصد، إلا أن ما ليس واضحا هو لماذا، ولماذا الآن؟

معروف عن قطر منذ زمن دعمها للمنفيين السياسيين من مصر، سواء كانوا علمانيين أو إسلاميين، كما أنها آوت الزعيم السياسي السابق لحركة حماس منذ مغادرته دمشق. وأما الجزيرة فمعروف ماذا تعنيه وما الذي تقدمه، وذلك على الرغم من أنها بسبب الضغوط التي تمارس على قطر – مثل هذه التي تمارس الآن – أصبحت القناة مجرد ظل باهت لتلك الشبكة التي غطت أحداث الربيع العربي.

كانت تغطية الجزيرة لزيارة دونالد ترامب إلى الرياض غاية في التملق، وكذلك هي تغطيتها للحرب في اليمن، وهذا أمر حبك وروقب بعناية لتجنب إغضاب السعوديين. إذن ما هو بالتحديد ذلك الذي حرك عش الدبابير؟

هناك عدة دوافع محتملة للقيام بذلك:
الدافع الأول: إتمام المهمة
يكمن الدافع الأول في أن محمد بن سلمان، ولي ولي عهد السعودية، ومحمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، يريان في ترامب فرصة سانحة لإتمام ما بُدئ العمل فيه في يونيو / حزيران 2013 عندما أطيح بالرئيس محمد مرسي؛ وذلك أن الثورة المضادة التي انقضت على الحكومات المنتخبة بحرية ونزاهة ليست في أحسن أحوالها، فمصر لم تستقر على الرغم من كل المليارات التي أنفقت عليها، وتشهد ليبيا صراعا وتنافسا على السلطة بين ثلاث حكومات مختلفة، وخليفة حفتر، الرجل الذي تدعمه كل من مصر والإمارات، لا يبدو في عجلة من أمره للزحف تجاه طرابلس. وأما في اليمن، فمازال الحوثيون يسيطرون على العاصمة صنعاء.

كما أن التحالف بين ابن سلمان وابن زايد والسيسي غير مستقر كذلك. من الممكن جدا أن تندلع الخلافات تارة أخرى بين هؤلاء الرجال، وقد حصل ذلك من قبل حينما ثار غضب الناصريين في مصر إثر تنازل النظام فيها للرياض عن بعض الجزر غير المأهولة. كما أن ابن زايد وابن سلمان يدعمان جماعات متخاصمة تتنافس على السيطرة على عدن.

إلا أن التحالف ما بين هؤلاء الثلاثة مستقر بما يكفي لأن يوحدوا في مهمة مشتركة، ألا وهي (إتمام الثورة المضادة) وسحق كل من يخالفهم من الدول العربية الأخرى.

الدافع الثاني: الحصول على تأمين

الحافز الثاني طابعه شخصي؛ فمن خلال شن هجوم على قطر، يهدف هؤلاء ليس فقط إلى إسكات المعارضة الخارجية بل والقوى الداخلية أيضا. في حالة ابن سلمان، يهمه جدا أن يسكت المعارضة داخل العائلة الحاكمة، فهذه خطوة حيوية لابد أن يقوم بها قبل أن يخلع ابن عمه الذي يكبره سنا، محمد بن نايف، من منصبه في ولاية العهد.

من خلال ربط أنفسهم بشكل وثيق بعربة ترامب، يظن ابن سلمان وابن زايد أنهما حصلا على بوليصة تأمين لهما، إلا أن ذلك يتوقف على ما إذا كان ترامب سيتم فترته الرئاسية إلى مدتها. لا يرى كثيرون في واشنطن أن ذلك بات مضمونا، وخاصة إذ ينتظرون الشهادة التي سيدلي بها الأسبوع القادم المدير السابق لمكتب المباحث الفيدرالي (إف بي آي)، جيمز كومي، أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ناهيك عن أولئك الذين ينتظرون ليروا إلى أي مدى سيبقى السيناتور الجمهوري الطامح بول رايان وفيا ومواليا.

كما أن تركيا تبقى موجودة قوة إقليمية منافسة، وذلك على الرغم من أنها لعدة ساعات يوم الخامس عشر من يوليو / تموز من العام الماضي، بدت كما لو أنها تلاشت. الملاحظ أن وسائل الإعلام السعودية والإماراتية التي استهدفت قطر هذا العام، هي نفسها التي عبرت عن سرورها وبهجتها حينما بدا كما لو أن الانقلاب العسكري قد تمكن من الإطاحة بأردوغان.

إذن يمكن منطقيا افتراض أن ذلك هو محفزهم للرغبة في رؤية أمير قطر يطاح به ويخلع، فهو الرجل الذي مول الثورات الشعبية التي ماتزال السعودية والإمارات تشن حربا شعواء عليها.

الدافع الثالث: عملية الاختفاء

يذهب الدافع الثالث من الهجوم على قطر إلى أبعد من ذلك، فقد يرغبون فعليا في رؤية قطر نفسها تختفي كدولة مستقلة. في هذا القرن الذي نعيش فيه، يبدو ذلك جنونيا، بل هو فعلا كذلك؛ فقطر هي مقر القاعدة المتقدمة للقيادة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية، ولعل هذا يفسر لماذا تسعى الإمارات العربية المتحدة بكل جد في واشنطن لإقناع الولايات المتحدة بنقل قاعدتها من قطر.

إلا أن الفكرة من وراء هذه الحملة قد لا يكون لها أدنى علاقة بالأحداث التي تجري في هذا القرن، ففي سلسلة من التغريدات الصادرة عن مدونين مقربين من السلطات في الرياض، هناك محاولة لنبش أحداث جرت قبل ما يزيد عن مائة عام، ومن تلك الأحداث التي يجري نبشها دور البريطانيين في اختيار عائلة آل ثاني ليكونوا حكاما لهذا الجزء من شبه جزيرة العرب.

ودون أن يقصدوا السخرية والتهكم، تجدهم يعزون مشاكل قطر الحالية إلى الاتفاقية التي أبرمها محمد آل ثاني مع البريطانيين في عام 1868، والتي مهدت الطريق أمام العائلة لتفرض سلطتها على القبائل الأخرى.

أما صحيفة الاقتصادية السعودية فغردت قائلة: "‏تقليد انتقال الحكم في إمارة الانقلابات للابن المفضل بدلا من البكر، يجعل الأسرة الحاكمة القطرية عرضة للانشقاقات". ثم قالت في تغريدة أخرى: "40% من عوائد النفط توزع على أسرة آل ثاني، ولم تكن القبائل قادرة على مواجهة الحكم المدعوم من بريطانيا".

التواريخ والكيد المرتد

لا شك أن اللجوء إلى نبش هذا الكلام يعتبر أمرا في غاية الخطورة لمن يعي ذلك من أعضاء العائلة الحاكمة السعودية، فمثلا، أين سيكون آل سعود لولا موافقة الامبراطورية البريطانية وإقرارها لهم؟ ففي الدور الذي يعلو المكان الذي أدى فيه ترامب رقصة السيف داخل متحف الملك عبد العزيز، يوجد معرض للصور تظهر فيه بشكل لافت وبارز صور لامرأة بريطانية برفقة الملك المؤسس نفسه.

هذه المرأة اسمها غيرترود بيل، وهي مختصة في علم الحفريات ومستكشفة، وأعظم امرأة متسلقة للجبال في زمنها. كانت مسؤولة سياسية موهوبة في حكومة الامبراطورية البريطانية، وأدت دورا رئيسيا في تأسيس دولة ما بين النهرين، التي أصبحت فيما بعد تعرف باسم العراق، كما أدت دورا مهما كذلك في اختيار الزعماء القبليين في الجزيرة العربية، الذين حازوا من بعد على دعم بريطانيا.

سافرت غيرترود بيل إلى حائل، مقر قبيلة الرشيد المنافسة، وكانت على اطلاع وصلة بالهاشميين في غرب الجزيرة العربية، وهي التي خلصت (وأوصت للسلطات البريطانية) إلى أن ابن سعود، الذي كان في الثانية والأربعين من عمره، هو الرهان الأفضل. وهكذا وصفته:

"من بين الرجال الذين نشأوا على امتطاء صهوة الجمل، يقال إنه لا ينافس كفارس لا يجد التعب إليه سبيلا، يتمتع بجرأة فائقة كزعيم لقوات غير نظامية، يجمع إلى جانب خصاله كجندي، مهارات إدارة الدولة، التي يقدر قيمتها رجال القبائل. فأن تكون "رجل دولة" ربما كانت آخر كلمات الإشادة."

فعلا إنها إشادة. ولكن هذا هو بالضبط ما يحمله آل سعود في أثقالهم .

أما فيما يتعلق بتوزيع الثروة النفطية، فليس حال المملكة العربية السعودية بالمقارنة أفضل؛ فقطر أغنى البلدان في العالم من حيث نصيب الفرد المواطن الواحد، وقيمة ذلك هي ثلاثة أضعاف ما هي عليه في المملكة العربية السعودية. وفي قطر يوجد لديهم ما يمكن أن يوصف بأنه التوظيف التام مقابل بطالة رسمية في المملكة العربية السعودية تصل نسبتها إلى 12 بالمائة، بينما التقديرات غير الرسمية ربما وصلت إلى 25 بالمائة.

أما عن انتقال السلطة من الأب إلى الابن المفضل، فمن المعروف أن محمد بن سلمان ليس الابن البكر للملك سلمان، وإنما هو، وبكل وضوح، الابن المفضل، وبهذا نجد أن كل التهم التي وجهت للجار تعود مثل الكيد المرتد لتكشف أسوأ الممارسات داخل بيت آل سعود.

مملكة ذات وجهين
ولم تتمكن المملكة العربية السعودية من التغلب على إدمانها على النساء الأجنبيات؛ إذا كان الملك عبد العزيز قد احتاج إلى أن تشيد به غيرترود بيل، فيبدو أن حفيده احتاج إلى إشادة امرأة أجنبية أخرى هي إيفانكا ترامب.

حصلت جريدة الرياض السعودية، وهي إحدى أدوات ابن سلمان في حربه الإعلامية الحالية، على مقابلة حصرية مع إيفانكا، وكان جل همهم في هذه المقابلة أن يوجهوا إليها سؤالا رئيسيا واحدا: ما هو رأيها في ابن سلمان؟

وصفت إيفانيكا ولي ولي العهد بأنه "شخصية محفزة ومؤثرة في الشباب السعودي والعربي والمسلم؛ لما يتمتع به من صفات قيادية وطموح وحبه لوطنه وشعبه، مبيّنة أنّه صاحب حضور فعّال".

بالطبع لا ابن سلمان ولا إيفانكا يتسمان بنفس قيمة ومواصفات أسلافهما عبد العزيز وغيرترود بيل، إلا أن المشترك بين الحالتين، رغم أن قرنا من الزمان يفصلهما بعضهما عن بعض، هو حاجة الحاكم إلى الحصول على موافقة خارجية.

ومع ذلك، لا ينطبق ذلك على النساء بشكل عام، وخاصة على النساء السعوديات، وقد لاحظ الجميع كيف أن إيفانكا كانت تتصدر المجلس، بينما مكثت النساء السعوديات في الظل.

في الواقع لم يتغير شيء. إذا كان التعامل مع النساء في المملكة محرما، كان ينبغي أن يكون كذلك مع بيل وإيفانكا. وإذا كان الحديث معهما حلالا، فلماذا لا يسمح للنساء السعوديات بالوجود على قدم المساواة في مثل هذه الاجتماعات؟ تارة أخرى، هذه المملكة ذات وجهين، أحدهما لمقابلة الجمهور الغربي والآخر لمقابلة الجمهور المحلي.

مازال ابن سلمان وابن زايد محشورين في الحقبة الاستعمارية؛ فهما زعيمان قبليان، يدفعان مقابل الحماية، وفي سبيل ذلك يبددان ما في المنطقة من موارد.

 باستطاعتهما المكر والتآمر، وبإمكانهما السعي لإسقاط هذا وخلع ذاك، ولكن ليس بإمكانهما الحكم وليس بإمكانهما جلب الاستقرار؛ إذ ليس لديهما رؤية للمنطقة، فهما لا يريان بعينيهما سوى نفسيهما، وهذا ما يجعلني أشعر بالتفاؤل أنه من تحت ركام هذه الفوضى التي يثيرونها، ستنشأ في نهاية المطاف حالة جديدة مستقلة وعصرية في المنطقة العربية .

موقع هافينغتون بوست الأمريكي- ترجمة عربي21 

فوق السلطة - أهلا رمضان


فوق السلطة - أهلا رمضان


لا شيء ينبئ بتغيّر ملاحظات أئمة المساجد التي يرسلونها على شكل تغريدات صوتية من محاريبهم إلى المصلّين كل مساء في رمضان بين صلوات العشاء والتراويح على امتداد العالم العربي ومنذ عشرات السنين، فالمساجد تعمر في شهر الصوم برواد لم يألف نفرٌ منهم منظومة سلوكيات المسجد، مما يؤدي أحيانا إلى قائمة من المنفّرات.
لعل الرائحة الكريهة لبعضهم تتصدر القائمة، فالثوم والبصل مع تشكيلة من بهارات السند والهند والتي استقرت بكميات عائلية في مَعِدة رجل واحد، لم يكافحها صاحبُنا بعلكة منكهة أو مضغة نعناع، بل أتبعها بسبع سيجارات إحداهن على باب المسجد، لتفوح من فمه خلطة رائحة شبيهة بمكبات النفايات ومحارقها، ضمن مساحة تتسع لتشمل صفوف مجاوريه غير المحظوظين، مع كل زفرة يطلقها بفخر المتخم، العائد منتصرا من غزوة إفطار.
"الأطفال دون سن التمييز لا تصحَبوهم معكم إلى المساجد حتى لا يحوّلوها إلى ملاعب وحلقات لهوٍ وسعدَنة"؛ لازمة رمضانية يكررها الأئمّة ولا يفهمها بعض المصلين إلا دعوة مفتوحة لرمي صغارهم بين أرجل الكبار، وأحيانا على ظهور الساجدين، تنمية لشخصيات فلذات أكبادهم ولو على حساب أكباد المصلّين وخشوعهم.
"لا تتكلموا بين الصلوات بأحاديث جانبية، تُخرج المسجد من عبق أجواء العبادة والتبتّل وصفاء الروح"؛ دعوة من الأئمة تذهب ولا تلقى آذانا صاغية، عند من يطلق لصوته العنان في نقاشات وحكايات سخيفة.
"أطفئوا هواتفكم المحمولة، أخرسوها، أوقفوا خاصية الرجراج فيها"؛ تمنياتٌ تذهب يوميا سُدى مع رنّات تهزّ خطوط الطول والعرض في المسجد، وبعض هذه الرنّات عبارة عن مقاطع من أغنيات صاخبة راقصة، وفي كل مرة يخرق قراءة الإمام الجهرية أو السرية، هاتفٌ ذكي يهرع صاحبه الغبي إلى حركات خفة بحثا عن أقصر الطرق لإسكاته، مع أن أقصرها وأيسرها يا حبيبي، هو تخريس الهاتف قبل الشروع في الصلاة.
"فلنجمِّل مدخل المسجد"؛ يقول الشيخ الحزين، فلا يجد بعضهم أجمل من أحذية تتعانق عند البوابة الرئيسية في حفلة "غمّيضة" تحتاج إعادة جمعها إلى سد منافذ الخروج وتأخير المصلين، فضلا عن تعمّد البعض ربط شريط حذائه بعملية دقيقة وكاملة عند الباب، فيما الطابور من خلفه ينتظر الفرَج.
"لقد تم ضبط درجات التكييف واتجاهات مراوح الهواء في المسجد وفق معطيات مدروسة، ولا ينبغي لأحد إعادةُ برمجتها"؛ مطلبٌ ترمي به عرضَ الحائط كائناتٌ جليدية، فيحولون بيوت العبادة والحياة إلى ما يشبه ثلاجات حفظ جثث الموتى، غير آبهين بأصحاب الأجساد البشرية العادية الذين بات عليهم تناول أدوية مضادة للإسهال بين ركعات التراويح.
"كفر، كافر، تكفير وتكفيريون".. مصطلحات اقتحمت عالم السياسة والإعلام في السنوات الأخيرة، واستخدمها سياسيون وصحافيون وباحثون، دون أن يكلف معظمُهم نفسَه عناء "جوجلة" أو "غوغلة" الكلمة.
كلمة كفر، كما وردت في العديد من المعاجم العربية -ومنها لسان العرب لابن منظور- تعني غطى، فتقول كفر الشيء أي غطاه، كفرَ الليلُ بظلامه أي غطى نورَ النهار وحجبه.. أما التعريف الإسلامي لمصطلح كافر، فمع فاضل سليمان.
لقاء تلفزيوني شهير بين الشيخ الحبيب الجفري والأنبا مرقس الذي أكد على الهواء للشيخ الجفري أنه كافر بالنسبة للدين المسيحي، وأنه -أي الأنبا- لا يصدق بالإسلام.. وهذا أمرٌ طبيعي، ولا يستدعي إلا تعميق التواصل والتراحم بينهما، دون تكاذب فيما يخص العقائد.

الخميس، 1 يونيو 2017

مرسي السجين ومرسي الرئيس

      مرسي السجين ومرسي الرئيس    

مرسي يلقي كلمة مصر في الأمم المتحدة (26/9/2012

 وائل قنديل
استقبالاً لشهر يونيو/ حزيران من كل عام، تجد سلطة الانقلاب العسكري في مصر، وقد أشعلت المواقد ومدت الموائد للحديث عن إعدام الرئيس الأسير محمد مرسي.
فعلت ذلك في الأعوام الثلاثة الماضية، ففي 2015  سربت، على نطاق واسع، أنباء عن صفقة (وهمية) تشارك فيها كل من تركيا والسعودية، بمقتضاها يتم إلغاء عقوبة إعدام الرئيس مرسي ونقله إلى الإقامة في تركيا.
ثم في التوقيت ذاته من العام التالي 2016، عاد الحديث عن الصفقة إياها، مع بعض التعديلات، فقد نشر إعلام السيسي أن "الاتفاق التركي المصري، المتوقع ظهوره قريبا بحسب صحيفة تودايز زمان التركية، ينص على اعتراف تركيا بإدارة السيسي في مقابل عدم إعدام الإخوان.وتلعب المملكة السعودية دور الوساطة في هذا الاتفاق الذي يشمل أيضا عودة العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة والقاهرة.  ونقل التقرير عن مسؤولين قريبي الصلة بالمداولات والمفاوضات الحالية أن البلدين على وشك إبرام اتفاق".
علقت على ذلك سابقاً بأنه لا تفسير عندي لهذه الرياح "الموسمية" سوى أنها تهب في إطار موجاتٍ من التسريبات الاستخبارية، المحملة بأتربة الفزع، وجراثيم التخويف؛ استباقًا لحلول ذكرى جريمة الانقضاض على السلطة، من قِبَلْ ذلك التشكيل العصابي، المدعوم دوليًا، الممول إقليميًا، المحمول فوق ظهور نخب، قرّرت أن تنحط.
وفي هذا الموسم، تخرج حناجر سيسية يتساقط منها الصدأ، معلنةً، عقب حادث المنيا الإرهابي: حان وقت إعدام "الإخوان" في السجون، على وقع أشرس حملة تنكيلٍ بسكان الزنازين، بلغت من الخسّة والبشاعة أنها استفزّت بعضاً ممن شاركوا وحرّضوا على الرئيس المنتخب.
اللافت هنا أن الأصوات التي تتحدث، على استحياء، عما يجري معه، تمعن في التركيز على "مرسي السجين"، لا "الرئيس الأسير"، وهو ما تجده، بدرجة أقل، في حملات التعاطف الإنساني مع أحقية أهل الزنازين في معاملةٍ أفضل، وهذا كله جيّد ومحمود، غير أنه، من زاوية أخرى، يسهم، بقصد أو بدون قصد، في تحويل موضوع مصر الأساس من قضيةٍ سياسية شديدة الوضوح إلى مسألة إنسانية وحقوقية، تتعلق بتحسين ظروف السجن، وترقية أساليب التعامل.
ومن باب تنشيط الذاكرة، المتواطئة في الغالب، فإن القضية ليست السجين محمد مرسي، وإنما هي قضية فعل سياسي إجرامي، توشّح بالرداء العسكري، وأجهض تجرية حكم ديمقراطي، وأعطب ثورةً، وألقى بها في جحيم مستعر.
وعلى ذلك، يصبح تحويل دفة الكلام إلى جزئية "أوضاع السجن غير الإنسانية" بمثابة تهرّبٍ من أصل الموضوع وجوهر الحكاية، ورضوخاً لأمرٍ واقع، يتمتع بترسانةٍ هائلةٍ من القدرة المادية، لكنه منعدم القوة الأخلاقية، إن وضعته على ميزان الديمقراطية والثورة، بشهادة كثيرين ممن كانوا متناغمين مع عسكرة السياسة والثورة في 2013، قبل الانقلاب وبعده، وكما وصف واصفٌ من أهلها، هو الدكتور عمرو حمزاوي، الذي ذهب، في مقال له الأسبوع الماضي، إلى أنه "قبل انقلاب 2013، انتهجت معظم الأحزاب الليبرالية واليسارية سياسة خالفت مبادئها الديمقراطية المُعلَنة، عبر رفضها مدّ اليد إلى الرئيس المنتخَب، محمد مرسي (من الإخوان المسلمين) وإلى حكومته. التكتيكات التعطيلية التي لجأ إليها "العلمانيون" رداً على سياسات الإخوان غير التوافقية، وبدافع الخشية من استيلاء الإسلاميين على المنظومة السياسية المصرية، قذفت بالأحزاب الليبرالية واليسارية إلى أحضان تحالف مكيافيلي مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية التي كانت تسعى إلى قطع الطريق على الانتقال الديمقراطي في مصر".
وهو المعنى الذي عبرت عنه قبل انقلاب 2013، وأنا أتابع الحماس المفرط من تلك القوى السياسية للتحالف مع الشيطان، من أجل إطاحة حكم الرئيس محمد مرسي، وسجلت وقتها أن "مع الأسف، بعض المثقفين المحسوبين على الثورة قرّروا مبكرا جدا أن يلعبوا مع الجنرال العائد للانتقام دور بن خلدون مع تيمورلانك، زعيم التتار الذي غزا البلاد باطشا، وسافكا للدماء، ففضل المفكر أن يؤثر السلامة، ويشتري الجاه بالخضوع والمذلة.. لا تبيعوا الثورة في مزاد الرئاسة، وتتحججوا بالمدنية".
ستجد من يحاول إقناعك بأن أربع سنواتٍ مرت قد ثبتت أقدام سلطة الانقلاب على أرض واقعٍ غابت عنه معايير العدالة والأخلاقية، وأن "الرئيس" مرسي من قاموس الماضي، وأن المتاح فقط محاولة مساعدة "السجين" مرسي، وسيدعونك للمشاركة في فاصلٍ انتخابي عبثي، من جديد، وسيحدّثونك عن فتح المجال العام وثقب الفضاء العام، إلى آخر هذه المحفوظات التي تتردد منذ "اسكيتشات حمدين 2014" وحتى الآن.
قل لهم إن الاحتلال الصهيوني يسيطر على أكثر من 85% من مساحة فلسطين، فهل نسكت عن الهتاف "فلسطين عربية"؟.

قطر تُسقطهالخطيئةا الفضيلة... وغيرها ترفعه

قطر تُسقطها الفضيلة... وغيرها ترفعه 


احسان الفقيه - خاص ترك برس

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً*على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّدِ

ربما لم يدرك "طَرَفة بن العبد" عندما كتب هذا البيت في مُعلّقته الشهيرة، أنه سوف يرافق زفْرة كل مظلوم أتَى عليه أُولو القرابة والصلة، فتلك هي الطامة الكبرى والداء الدوِيّ.

ها هي قطر التي يُراد نزْع سُمعتها التي اكتسبتها بمواقفها المشهودة، بينما غيرها من دول الجوار لا تُخفي مواقفها البِشعة حِيال الأشِقّاء ومع ذلك يُراد تجميل صورتها، قالها شكسبير من قبل: "البعض ترفعه الخطيئة، والبعض تُسقطه الفضيلة".

بعد أن دُبِّرت المكيدة بليلٍ، وشُحذت السكّين لغرسها في الجسد القطري، وتهيَّأت وسائل الإعلام بالبرامج واللقاءات والضيوف بسرعة البرْق، تمّ دفنُ النفْيِ القطري الصريح لما نُسب إلى أمير قطر، وتجاهلته الأقلام والأبواق الإعلامية عمدا مع سبْق الإصرار والترصّد، لأنه قد آن الأوان لتشريد تلك الدولة التي تحترم ذاتها.

عجبا للقوم، لم يكفِهم تصريح رسمي من الخارجية القطرية باختراق الوكالة القطرية وبث تصريحات مكذوبة منسوبة لأمير قطر، وكذَّبوا ذلك النفي، مخالفين كل الأعراف الدولية التي يتم الركون فيها إلى ما تُعلنه الدول أو تنفيه بصورة رسمية.

تذكّرتُ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عندما صرّح الرئيس الأمريكي بوش، بأنها حرب صليبية جديدة، ثم تدارك الخطر واعتذر بأنه لم يقصد المعنى الذي فهمه العرب والمسلمون، وساعتها قَبِلنا وانتهى الأمر، ولم نَرَ الأقلام العربية تُشكِّك في الاعتذار، أو تُطَنْطِن حول التصريح الذي تمّ بثُّه بالصوت والصورة.

في أزمة التصريحات القطرية لم يكن ثمة تصريح مرئي يستحيل معه نفي التصريحات، إنما هي تصريحات مكتوبة يكون احتمال الاختراق معها قويا بلا أدنى شك، ومع ذلك لم يقبَل القوم بالتصريحات الرسمية النافية.

الصيغة التي يتم بها الهجوم في الوقت الحالي على قطر هي: "ننتظر من أمير قطر تصريحا رسميا يبين موقفه من جميع القضايا الحيوية في المنطقة، إيران، الكيان الإسرائيلي، الإخوان المسلمين...".

وهكذا يتم التعامل مع رأس النظام القطري على أنه مسؤول في شركة يجب عليه تقديم كشف حساب، أو كمُتَّهم يقف أمام هيئة القضاء للدفاع عن نفسه، فأي هراء ذلك الذي ينشدون؟!

عارٌ أن يتم التعامل بهذه الصورة مع دولة قطر التي هي جزء أساس في المُكوِّن الخليجي والعربي والإسلامي، وكيف يستقيم أن تُطالَب قطر ببيان ما سبَق أنْ بيَّنَته وأعْرَبتْ عنه مرارا وتكرارا بتصريحات رسمية؟

هل يُطالِبون قطر بتوضيح موقفها من إيران؟ ألَمْ يُصرِّح أمير قطر في غير موْطن بموقف بلاده المساند للشعب السوري ورفض وجود بشار الأسد، رجل إيران؟

ألَمْ تُعلن قطر دعم الشرعية في اليمن ورفض الانقلاب الحوثي وشاركت بالتحالف العربي الذي تقوده السعودية لوقف التمدد الإيراني عن طريق الحوثيين؟

فكيف يستقيم ذلك مع زعمهم بأن قطر تُفضّل إيران على دول المجلس الخليجي؟

هل يُطالبون قطر بتوضيح موقفها من جماعة الإخوان المسلمين؟ ألم توضّح من قبل أنها لا تضع الجماعات كلها في سلة واحدة؟

في قمة عمّان، قالها الأمير تميم بالحرف الواحد: "إذا كنا جادّين في تركيز الجهود على المنظمات الإرهابية المسلحة، هل من الإنصاف أن نبذل جهدا لاعتبار تيارات سياسية نختلف معها إرهابية، على الرغم من أنها ليست كذلك. وهل هدفنا أن نزيد عدد الإرهابيين في هذا العالم؟.

وتابع الأمير: "إن مكافحة الإرهاب هي قضية استراتيجية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية، وبالطبع أمنية أيضا، وهي أخطر من أن نخضعها للخلافات والمصالح السياسية والشد والجذب بين الأنظمة".

تلك هي رؤية قطر لجماعات التيار الإسلامي، وما أعقلها من نظرة، إذ أنها تسهم في منْع اتساع رقْعَة الإرهاب وانتشاره لو كانوا يعقلون، فلو تحولت كل جماعة إسلامية معتدلة وفق تصنيفاتنا إلى إرهابية، سنجد أنفسنا أمام شرائح واسعة في الشعوب العربية والإسلامية تنتمي أو تؤيد هذه الجماعات تتعرض للتصنيف ذاته.

وهل يطالبون قطر بتوضيح موقفها من الاحتلال الإسرائيلي؟

هو أمر يثير السخرية، فكيف يُطلب ذلك من قطر وهي التي تحتضن على أرضها مكتب حماس، التي تعد أقوى شوكة في حلقوم الاحتلال، وكيف نُطالب قطر بتوضيح موقفها من الكيان الإسرائيلي وهي شريان الحياة الذي يمتد إلى قطاع غزة المحاصر، وكيف نطالبها بذلك وهي التي تؤكد في المحافل الرسمية على دعمها للقضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تحرير كامل أراضيه؟

يقينًا لو خرج عليهم أمير قطر ببيان توضيحي لموقف قطر من قضايا المنطقة، لقالوا إنه مجرد تصريح لإنقاذ نفسه من تلك الورطة، ويُناقض حقيقة مواقفها على أرض الواقع.

كلمة السر هي دولة في الجوار انبرى زعيمها المُبجَّل ليكون رجل أمريكا الأول في المنطقة، وارتبط بعلاقات وطيدة مع الكيان الإسرائيلي على أعلى مستوى، وحمل على عاتقه إجهاض ثورات الربيع العربي التي تُهدده بزحف الديموقراطية وتدويل السلطة إلى بلاده، وسخّر نفسه لملاحقة التيار الإسلامي.

الذين يطالبون قطر بتوضيح موقفها تجاه جميع الملفات الساخنة بالمنطقة، لماذا لم يطالبوا دولة الجوار هذه بتوضيح موقفها من عاصفة الحزم، وهي التي فتحت أبواب صنعاء نِكاية في الإسلاميين، واحتضنت فكرة الانفصال الجنوبي عن اليمن، وارتبطت بعلاقات تجارية مع إيران تجعلها الأولى خليجيا في هذا الشأن؟

ولماذا لا يُطالبون بالشيء نفسه، دولة دعَّمت نظام الأسد في المحافل الدولية، وتورّطت في دعم الحوثيين، وأرسلت طائراتها إلى الأراضي الليبية لدعم حفتر؟

ولماذا لم يطالبوا بالشيء ذاته، دولة ثالثة كانت راعية لاتفاقية النووي بين إيران ودول 5+1 والتي أتت على مصلحة الأمن الخليجي؟

كان الأولى بالأشقَّاء احتضان قطر حتى مع فرض صحة التصريحات، أسوة بزعيم الانقلاب في مصر، ألم يُصدِّع أصحاب الأقلام رؤوسنا بضرورة احتوائه حتى لا يرتمي في أحضان إيران؟ ألا يسع هذا المنطق دولة قطر؟

لكن الأمر كما يبدو لي ولغيري، أن دولة الجوار سالفة الذكر تسعى لقتل تطلُّعات الأمة إلى التحرُّر، ومِن ثَمَّ وجَّهت جهودها ضد قطر وتركيا تحديدا لأنهما في طليعة من يُعبّر عن هذه الروح.

سعت تلك الدولة إلى إفساد العلاقات بين السعودية وبين أقرب جيرانها وأصدقهم وأكثرهم وقوفا إلى جانبها في قضاياها المختلفة (قطر)، كل هذه الدناءة لأن لزعيم تلك الدولة أطماعا وطموحات لإدارة المنطقة وفق عقليته المبرمجة على الهوى الغربي، وقد بشّر بنفسه عبر سفيره في واشنطن قائلا بالحرف: (نحن الوعد بشرق أوسط جديد)، نعم هذا ما تُقاتل من أجله تلك الدولة التي اشترت الضمائر والمواقف والأقلام، ترافق ذلك بتكريس إسلام من نوع جديد يتلاءم وضرورات الانبطاح للقوى الكبرى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

يحكى أن: هل نالت الفتنة منك؟


يحكى أن: هل نالت الفتنة منك؟


أسعد طه
حذروني منه، قالوا لي سوف يضجر بتعليمات التصوير، وقد يفقد أعصابه معك، فتحّمل ثورته. في الموعد وصل الرجل بشوشاً لطيفاً كأنه طيف، أبدى استعداده لفعل أي شيء حتى يدلي بشهادته عن رئيسه المتوفَّى، مَثَله الأعلى، موضوع حكايتنا.

تمعَّنت في هيئته وهو منهمك في الإجابة عن أسئلة الحوار، لقد بدا الرجل بنظارته السميكة ويديه المرتعشتين عجوزاً هرماً خارج إطار الحاضر، طلبنا منه أثراً له من صباه، أخبرتني صوره أنه كان شاباً جميلاً، أنهينا الحوار، خرجنا إلى شوارع المدينة.

كان كل ما حولي خلاباً، الصبايا والشباب والشجر وحتى الحجر، هرج ومرج وفرح، والرجل يمشي بينهم، لا أحد يأبه له، لا أحد يهتم به، لا أحد يعرفه، ولا أحد يدرك أنه لولا هذا الرجل ورفاقه ربما ما بقيت مئذنة، ولا سمع في الأنحاء "حيَّ على الفلاح"، ولا سُمِّي طفل بأسماء المسلمين، ولا بقي قبر منقوش عليه "الفاتحة". هو ليس زعيماً سياسياً، ولا رجل أعمال، ولا فناناً ولا كاتباً، هو ليس سوى "مصطفى"، سار بينهم مبتسماً ورحل.

سرحت في شأنه، لقد أفنى هذا الوسيم شبابه في دعوة الناس إلى ما يؤمن به والدفاع عنه، تحمل السجون وضيق الحال وفقدان الوظائف ونظرات المجتمع له. يا إلهي، سهلٌ أن تتشبث بما تؤمن به عاماً أو عامين أو عشرة، لكن البقاء هكذا طوال عمرك أمر صعب.

ما أجمل هؤلاء الناس! إنهم يمضون في الحياة بلا ضوضاء ولا صخب، مجهولين، يؤدون في هدوء أدوارهم كاملة ثم ينصرفون، لا ينتظرون أجراً ولا شكراً، تمر السنون، تتغير عليهم الدهور، وهم ثابتون على نفس المبدأ، لا يرضخون لأي تهديد ولا يستجيبون لأي إغراء.

ليس سهلاً عليك أن تثبت وأنت تجد نفسك وحدك، كل من حولك مختلف عنك، في الفكر والمعتقد، في الآمال والآلام، إنه الشعور بأنك أقلية، وهو شعور يُضعِف، ويُشكِّك فيما تؤمن به، ويُثخن في عزيمتك.

تُرى لماذا نحترم هؤلاء الثابتين على قيمهم برغم أنهم ربما لا يحملون نفس أفكارنا ولا نفس معتقداتنا؟ أهو السر في الإخلاص، مبدأ العطاء بلا مقابل، منطق الجندية للفكرة وليس للأشخاص أو المنصب؟

كم زعيماً سياسياً، كم قائداً عسكرياً، كم مفكراً، التقيته وشعرت بأنه على استعداد للقفز من الخانة التي يقف عليها ويستمد منها قوته إلى الخانة المقابلة؟ إنه جاهز للتنازل في اللحظة التي يوعد فيها بمغنم أكبر من مغنمه الحالي.

عندما أتابع الإعلام المرئي في بلدي يرد إلى ذهني فوراً مشهد القرود في حديقة الحيوان وهي تقفز من شجرة إلى شجرة، لا مانع لدى بعض هؤلاء من القفز من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يمدحون هؤلاء وهم في السلطة، وفي اليوم التالي يمدحون معارضيهم إذا أسقطوا الأولين وحلّوا مكانهم.

أليس من المضحك أن زعماء جمهوريات الاتحاد السوفييتي كانوا قيادات شيوعية عريقة، فلما سقط هذا الكيان كفروا بشيوعيتهم وأعلنوا إيمانهم بالديمقراطية، وإن ظلوا على عقيدتهم الشمولية يمارسونها سراً، يعتقلون ويسفكون الدماء ويسرقون؟ وفي المقابل كم من البسطاء كانوا يدفعون الثمن، بنفس راضية وبعزيمة لا تهدأ وبثبات يبهرك.

من نكات البلقان المشهورة، التي تنسب أحياناً للبوسنة وأحياناً إلى ألبانيا، أنه بعد سقوط الدولة العثمانية، وبالتالي سقوط المناطق التي كانت تحميها في البلقان، بدأت حملة شرسة لتنصير الأهالي، وفي إحدى القرى اصطفَّت مجموعة من المسلمين للتنازل رسمياً عن هويتهم وتغيير أسمائهم رغبة في النجاة من التهجير أو القتل وطمعاً في الوظائف، ولما كانت الإجراءات تسير بطيئة، والوقت يمر سريعاً في ذلك اليوم من الأسبوع، صاح عجوز ببساطة شديدة، أسرعوا أسرعوا لا نريد لصلاة الجمعة أن تفوتنا!

ويكأن حتى هؤلاء الضعفاء تظاهروا بأنهم تنازلوا، فيما استمر ثبات قلوبهم على ما يؤمنون به، ويكأنه يجب ألا نطلب من كل الناس أن يخوضوا حروبهم كأبطال، البعض يختار أن يحتال ليخفف عن نفسه وطأة الثمن، لا بأس، شرط أن يظل ثابتاً على ما يؤمن به، شرط ألا يبدأ في التنازل خطوة خطوة.

بالمناسبة، فإن أحداً لا يتنازل فجأة عن مبادئه، الكارثة قرينة الخطوة الأولى، تخطوها على السلم هابطاً، وبعد ذلك تُفتَح أمامك وتُبرَّر كل أبواب التنازلات، تماماً كما يصف القتلة فعلهم، أول مرة صعبة للغاية، لكنك بعد ذلك تعتاد القتل وتبرره. الذنب كذلك، والتنازل كذلك، أليس التنازل ذنباً؟

الصمود صعب لكنه ليس مستحيلاً، يغيظني الصالحون، إنهم يثبتون أن ذلك ممكن، لكن هل تعلم أنك إذا ما مررت بفتنة وثبتَّ فيها على ما تؤمن به، فإن ثمة فتنة أخرى تنتظرك، ربما أشد من سابقتها، أو مختلفة عنها، فإذا مررت بها كانت تنتظرك أخرى، وهكذا دواليك، وكأنك في معمل لصهر المعادن، تمر من مرحلة إلى مرحلة، حتى تصبح نقياً تماماً، وفي خضم ذلك فإنك تَعُدُّ الأذى الذي يقع عليك، وتَغفل عما حصدته من نِعم.

مثلاً، تُضطر إلى أن تهجر وطنك تحت ضغوط سياسية أو أمنية محاولاً أن تنجو بما تؤمن به، تعاني كل صنوف المعاناة، تمر سنواتك ثقيلة مجهدة، ثم فجأة تجلس لتحصي حصاد هذه التجربة، فتكتشف أنها قد خلقت فيك شخصاً آخر، ومنحتك قدرات وملكات لم تكن لتتمتع بها لو بقيت حيث وُلدت، أنت الآن شخص جديد، وقد رزقت مفاهيم أخرى للحياة، وطرقاً جديدة لاكتشافها، وتجربة إنسانية ثرية، حتى تكاد تشكر الفتنة على ما فعلته بك.

حين أسافر وأسير في طرقات غير عربية، أنظرُ إلى هؤلاء فأراهم متسكعين غرباء في شوارع وأزقة مدن غير مدنهم، وبين أناس غير أهلهم، يتحدثون بلسان غير لسانهم، إنهم ساخطون، متذمرون، يعتقدون أن الدنيا قد غضبت عليهم وغدرت بهم ولفظتهم، يقضون أوقاتهم في الشكوى من الحال، ومؤامرات الكون عليهم، والتضحيات التي تحمّلوها من جراء تمسكهم بمبادئهم.

وددت لو أعانقهم واحداً واحداً، وأخبرهم أنني إذا منحت الحياة وعدت إليهم بعد سنوات لأجدنَّهم وقد تغير حالهم إلى ما لم يكونوا يحلمون به، لكنني أمسك عن ذلك، فالأمر مشروط بمبدأ مهم، وهو كيف يدير المرء فتنته، كيف يفكر ويخطط ويخوض التجربة تلو التجربة، فهؤلاء وحدهم الذين يتغير بهم الحال إلى الأفضل.

ولكن.. مهلاً ما الفتنة التي تُحدثنا عنها وما تعريفها؟

حسب "لسان العرب" فإن الأزهري قال: "إن معنى الفتنة هو الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتَ الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد"، يا إلهي إنها النار إذاً، تؤلمك جداً، لكنها تنضجك كثيراً.

غير أننا معشر المخلوقين، نعتقد أن الفتنة التي تحاول أن تنزعنا من مبادئنا محصورة في الأذى، والحقيقة أن للنار أشكالاً متعددة، خذ عندك مثلاً هذا الشخص الذي عرفته فقيراً مسكيناً مضطهداً في وظيفته، فإذا بالدنيا تفتح أبوابها عليه، فينال المنصب والثروة، فإذا هو شخص جديد، مختلف تمام الاختلاف وقد ضيع مبادئه وقيمه، بعد أن قدم التنازل تلو التنازل حتى بات شخصاً آخر، شخصاً أسوأ هذه المرة.

والمبادئ ليست بالضرورة أيديولوجيات، وإن كانت تلك من ضمنها، وإنما هي تلك القيم التي يختارها المرء لنفسه، والتي هي بقدر ما تكون واضحة له تصبح قدرته على اتخاذ القرار أكثر سهولة.

يا عزيزي المقاوم.. إذا صمدت فإن الفتنة تزول وتبقى نفسك كريمة عزيزة، تستطيع النظر بفخر في عيني امرأتك وأطفالك، فيما آخرون لن يكون بوسعهم ذلك أبداً.

لكن هل الثبات على ما نؤمن به في مطلقه ممدوح؟
وماذا إذا اكتشفت أنك على خطأ، أو حتى بعض ما تؤمن به خطأ، هل تتغير؟
يا صاحبي.. الثبات لا يعني الجمود، ثم أنت لا تتبع قيمك؛ لأنك تقدسها في حد ذاتها، ولكن لأنك تعتقد أنها دربك إلى الحقيقة، فإذا اكتشفت أنك في حاجة إلى تصحيح دربك أو تغييره كلياً حتى تصل إلى ما تبغي أن تصل إليه، إذا اكتشفت هذا الأمر ولم تفعل، فإن ذلك هو الخيانة الواضحة والصريحة، وهنا تكون الفتنة قد نالت منك بحق.








الغزالي فيلسوف الاجتماع


الغزالي فيلسوف الاجتماع

د.محمد عمارة



إننا نعيش الآن ذكرى مرور قرن على ميلاد الشيخ محمد الغزالي (1917 - 1996م) الذي كان نموذجا فريدا من العلماء المجددين.

وإذا كانت الفريضة الغائبة والمنشودة اليوم في عالم الإسلام هي العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي، فلقد كان الشيخ الغزالي أول العلماء الذين بدأوا معاركه الفكرية على هذا الصعيد، ففي أول كتاب نشره عام 1947م، عن (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) كتب يقول:

"لقد رأيت - بعد تجارب عدة - أنني لا أستطيع أن أجد بين الطبقات البائسة الجو الملائم لغرس العقائد العظمية، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، إنه من العسير جدا أن تملأ قلب إنسان بالهدى إذا كانت معدته خالية، وأن تكسوه بلباس التقوى إذا كان جسده عاريا، إنه يحب أن يؤمن على ضروراته التي تقيم أوده كإنسان، ثم ينتظر بعدئذ أن تستمسك في نفسه مبادئ الإيمان، فلابد من التمهيد الاقتصادي الواسع، والإصلاح العمراني الشامل، إذا كنا مخلصين حقا في محاربة الرذائل والمعاصي والجرائم باسم الدين، أو راغبين حقا في هداية الناس لرب العالمين.

إن بعض ذوي الآفاق المغلقة يتوهمون أن إدخال العوامل الاقتصادية في الرذائل الفضائل جنوح إلى التفكير الشيوعي القائم على النظرة المادية المحضة للحياة، واستهانة بالقوى الروحية السامية، وهذا التوهم خاطئ، فلسنا نغض من قيمة  الجانب الروحي، بيد أن ذلك لا يعني إغفال المشاهد المحسوسة، من تولد الرذائل الخطيرة في المجتمعات المصابة بالعوز والاحتياج بل إن الاضطراب الاقتصادي في أحوال كثيرة جدا قد يكون السبب الأوحد في نشوء الرذيلة وشيوعها، والحديث النبوي الذي يلمح فيه نبي الإسلام إلى أن المعاصي توقع فيها الضوائق المادية، - حديث: "إن المدين قد تلجئه قلة الوفاء إلى الكذب" يضع أيدينا على طرف الحقيقة التي بدأ الناس يفهمونها الآن كاملة.

إن بقاء كثير من الناس صرعى الفقر والمسكنة هو هدف أكثر الحكومات المتتابعة في العصور السابقة واللاحقة، إذ إن تجويع الجماهير هو بعض الدعائم التي تقوم عليها سياسة الظلم والإظلام، ومن هنا انتشر الفقر في الشرق، وسُخر الدين ورجاله لحمل الناس على قبوله واستساغته، وفسرت نصوص الدين المتصلة بهذا المعنى تفسيرا سقيما، نسي الناس معه حقوقهم وحياتهم، وجهلوا دنياهم وأخراهم، وحسبوا الفقر في الدنيا سبيلا إلى الغنى في الآخرة!.

إن هدف الديانات والرسالات هو قيام التوازن بين الناس، بإقامة العدل الاجتماعي والسياسي فيهم، وقيام الناس بالقسط - العدل - هو محور الارتكاز الذي لا يتغير أبدا، وقد قال بعض علماء الأصول: إن مصالح الناس المرسلة لو وقف دون تحقيقها نص أُوِّل النص، وأمضيت المصالح التي لابد منها، وللحكومة - من مجهة النظر الدينية - أن تقترح ما تشاء من الحلول، وأن تبدع ما تشاء من الأنظمة لضمان هذه المصحة، وهي مطمئنة إلى أن الدين معها لا عليها، ما دامت تتحرى الحق، وتبتغي العدل، وتنضبط بشرع الله فيما تصدره من اقتراحات وقوانين.

إن المال الذي يكفي لإذهاب العيلة واستئصال الحرمان، وإشاعة فضل الله على عباده بجب إخراجه من ثروات الأغنياء، لو تجاوز الزكاة المفروضة، لأن حفظ الحياة حق إسلامي أصيل، والزكاة ليست إلا الحد الأدنى لما يجب إنفاقه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في المال حقا غير الزكاة".

ومن الواجب: 1- تأميم المرافق العامة 2- وتحديد الملكيات الزراعية الكبرى، وتكوين طبقة من صغار الملاك تؤخذ نواتها من العمال الزراعيين 3- وفرض ضرائب على رؤوس الأموال الكبرى 4- واسترداد الأملاك التي أخذها الأجانب 5- وربط أجور العمال بأرباح المؤسسات الاقتصادية التي يعملون بها 6- وفرض ضرائب تصاعدية على التركات، تنفق في وجوه الخير، على النحو الذي أشار إليه القرآن الكريم: "وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه".

هكذا تحدث الشيخ الغزالي - قبل نحو خمس وسبعين عاما - حديث كبار فلاسفة الاجتماع والاقتصاد، عن العدل الذي هو اسم من أسماء الله، وروح حضارة الإسلام.
 

التنكر لمعرفة أحوال الرعية: من هارون الرشيد إلى السيسي

التنكر لمعرفة أحوال الرعية: من هارون الرشيد إلى السيسي


أحمد عمر




لم يكن عمر بن الخطاب يحتاج إلى التنكر بزي الرعية لمعرفة أحوالها، والتنكر ضرب من الكذب في الهيئة لا يقدم عليه عمر، ولا يباح الكذب إلا في حالات ثلاث واحدة منها الحرب، ولم يكن عمر يمتاز عن رعيته بزي أو هيئة أو هالة، وقد فوجئ الأعرابي الذي يطلب رفد عمر – كما يروي ابن الجوزية في التبصرة - فخرّ باكيا وهو يقول: آل بيت النبوة يولّدون زوجتي! وأمير المؤمنين يطبخ لي ولزوجتي!
وتروي ألف ليلة وليلة حكايات عن هارون الرشيد ومسرور السياف، وهما يتنكران في أزياء العامة لمعرفة أحوال الرعية والوقوف على شؤونهم وأخبارهم، برما أو ضجرا من نفاق الخاصة، أو مللا من بأس الاعتياد، أو حبا في العدل والإنصاف أو شوقا إلى التغيير.

وتذكر الأخبار المعاصرة أن النجم الأمريكي ذي العينين الصغيرتين ريتشارد غير، وهو أمير من أمراء هوليود برعية من المعجبين، تنكّر في زي شحاد متسول، وله تصريحات مثيرة عن تجربته تلك، ولاقى مسلسل يوميات مدير عام الكوميدي قبولاً طيباً لدى السوريين، لأنه يستعيد تلك الذكريات عن الخلفاء والأمراء العرب، الذين كانوا يتنكرون لمعرفة أحوال الرعية بالعين "المجردة" من النظارات والمجاهر والمخبرين، وفيه يتنكر مدير شركة (أيمن زيدان) لمعرفة أحوال شركته عيانا بيانا، فيكتشف سرقات كثيرة وفسادا هائلا، وفي نهاية المسلسل يقف عاجزا يائسا عن حلها ويقول: "عوجا"، أي أن الأمور لا يمكن إصلاحها، وأظنّ أنّ بشار الأسد نفسه كان عاجزاً عن حلِّ مشاكل سورية، التي أفسدها والده فسادا لا يمكن إصلاحه، فمضى هاربا إلى الأمام كما يفعل السيسي الآن، والأمام عندهم هو الخلف، وهو يقوّم اعوجاجها بالبراميل والكيمياء والدم.. أما قصد المسلسل فهو لوم الناس، وتجنب التشخيص، كما فعل فلم "التقرير"، أو أنه يقصد القول: إنّ الرئيس ليس عنده عصا سحرية، وبرهنت الأيام أن عنده براميل سحرية. 

وصفقت وكالات الأنباء للملك الأردني، الذي نزل ودفع سيارة واحد من العامة عالقة بالثلج، وأمير دبي ذات العماد الملح، الذي زار توم كروز من غير تنكر للاطلاع على أحوال فلم "المهمة المستحيلة"، وقد أوشك أمير مدن الملح العربي على القيام بالمهمة، وهي تدمير الأمة كلها، وفوجئ الشعب السوري بالرئيس بشار الأسد يزور مطمعا سوريا، ويأكل فيه من غير تنكر أو حرس ملحوظ، وقالت زوجته "وردة الصحراء" - وهذا لقب يشبه زهرة الرمان في الحكايات - لتلفزيون غربي، وهي تشير إلى امرأة عجوز تسير في الشارع: انظري سياراتنا غير مصفحة، وهذه المرأة هي البودي غارد، وهي حرسنا الرئاسي، وهي التي تدافع عنا!!

قد يسلك الملك العربي سلوكا طيبا، من أجل عين الكاميرا، لا عين الأمة، لكنه لن يتنكر أبدا، لن يخلع التاج، إذا تنكر تطيّر من العودة مواطنا!

الرئيس العربي ليس بحاجة إلى التنكر كهارون الرشيد، فعنده جيش من المخابرات والمتطوعين، متنكرون ويتحسسون حرارة الرعية، ويتجسسون عليها ليل نهار. ويمكنهم تصوير الناس بالكاميرا بالصوت والصورة، وهو متنكر من يوم الولاية، لكن تنكره مختلف، فهو مجرم قاتل، لكنه في الصورة الرئاسية بطل، عادل، تام الصفات... مستحيل الوصول إليه بالشكوى، حتى إذا وقع ما وقع، قال: إنه لا يعرف.. البطانة هي السبب.. البريد لا يصل إلى الرئيس المشغول في "الجبهة"!

وهناك فرص بطولة متاحة للنجوم، لكن الناس أنفسهم يظلمون، فكنت أتمنى من الشيخ العريفي وهيئة كبار العلماء، وهي تبارك مؤتمر مكافحة الإسلام في الرياض مع ترامب والسيسي، أن يطلب واحد منهم مساعدة السوريين الخمسين الذين لا يزالون مقطوعين في الصحراء بين العصر والمغرب، فإن لم تكن له جرأة قول الحق أمام سلطان جائر، فليذهب بنفسه متنكرا أو من غير تنكر، ويعيش معهم يومين أو ثلاثة بعيدا عن تويتر، فسيقدم بالزيارة خدمة إعلامية كبيرة لهم، وهو أيضا ملك إعلامي وله رعايا ومعجبين ـ والنفس تشرف على الموت: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا ً. أما الفاتيكان، فلا لوم عليه في نصرة هؤلاء، أو نصرة ميانمار، فما يهمه هو رعيته، وهي بألف خير، لا لوم عليه أبداً. 

لكني أزعم أن الرئيس العربي واصل هذا التقليد الأثير، على مذهب غير مذهب هارون الرشيد، وإنما على نقيضه، بل إنه لم يكف يوماً عن التنكر، فهو يعيش متنكراً مثل الذئب في جلد الشاة، يقرع قبل الانتخابات، أو قبل الانقلاب باب الخراف، ويلبس فروة شاة، ويقول افتحوا الباب أنا أمكم، "وأقسم بالله تاني ما للناس طمع في أي حاجة"، "ومصر قد الدنيا"، "اصبروا عليّ سنة، ستة أشهر، سنتين، أربعين سنة، ستين سنة" ... ويبادر إلى المشي مع الحاجة زينب، وامرأة العربة، أو مساعدة عالم كبير في السن.. لكنه في الحقيقة يبطش بمئات العلماء في السجون، ثم يغزو الجيران العرب، ولا يمشي -وهو المتواضع - إلا على السجاد الأحمر، هو وسيارته، ويعيّرهم بفقرهم: "أنتم فقراء أوي"، وليس نحن فقراء أوي، ومصر واحدة من أغنى الدول العربية بالثروة السياحية، والثروة المائية، والأرض الخصبة والذهب، والفسيخ... وبشار الأسد وعد وعوداً كثيرة بالديمقراطية، وكان خطاب القسم واعداً ومبشراً، فكشف الشعب والنخبة المثقفة عن وجوههم، وظهروا، ثم كان أن بطش بهم جميعاً.

الرئيس المتنكر فرض بالخوف على الرعية أن تتنكر في جلد الطاعة التامة، وإهاب الولاء المطلق، تخرج في المسيرات وتهتف للذئب المتنكر في زي الطبيب الحكيم والفيلسوف. حتى البلاد تنكرت، ولم تعد بلاداً نعرفها، وكان الربيع العربي بلا ثمار، سوى ثمرة كشف الأقنعة، زعماء الأمة كشفوا أنياب الليث، وأعلنوا الحرب على كل من أيد ودعم الربيع العربي.

الملوك العرب عراة تماماً، الشعوب عادت إلى القناع والتنكر في جلد الشاة حتى تستوي المعادلة المكسورة، وحتى نستمر في التعايش مع من لا يرحم.