‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. مالك الأحمد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. مالك الأحمد. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 يونيو 2026

وقفات مع آيات (32).. أهل المبادرة والهمم العالية

 وقفات مع آيات (32).. أهل المبادرة والهمم العالية


قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾

هذه الآية لا تصف مجرد فاعلي الخير، بل تصف أهل المبادرة والهمم العالية؛ الذين لا ينتظرون تمام العافية، ولا خلو الطريق من العوائق، بل يسارعون إلى ما يستطيعون من الخير، كأنهم يخافون أن تفوتهم الفرصة.

وقال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

وهذه آية جامعة في كل عمل نافع، دينيًا كان أو اجتماعيًا؛ فالخير ميدان واسع يشمل العبادة، والنفع، والبذل، والإصلاح، والدعوة، وخدمة الناس. والفلاح لا يُنال بالتمني، بل بفعل الخير والسعي إليه.

وقد عرفتُ رجلين فاضلين زمنًا، ثم فرّقت بيننا الأيام والحوادث. أصيب أحدهما بشلل شبه كامل إثر حادث سيارة مروّع، وأصيب الآخر بجلطة أثّرت في كثير من قدراته الحركية والكلامية.

زرت الأول بعد سنوات، فوجدته على كرسي متحرك، لا يكاد يحرك إلا يده بصعوبة، أما الجزء السفلي من جسده فقد شُلّ بالكامل. حاول واجتهد في البحث عن علاج، وطرق أبواب الطب ما استطاع، حتى إذا أُغلقت أمامه السبل، سلّم أمره لله، ورضي بقضائه، ولم يجعل عجز الجسد عجزًا للروح.

وكان العجيب أن هذا الرجل كان مشرفًا على مشروع دعوي وتعليمي ضخم في آسيا، وقد زرته هناك أكثر من مرة قبل مرضه. فلما سألته عن المشروع، أجابني بثقة عجيبة: ما زلت أتابعه.

قلت متعجبًا: مع حالك هذه؟

قال: نعم. أسافر بالطائرة، ومعي مرافق يتولى أمر الكرسي وحركتي، وأذهب هناك بانتظام، أتابع البرامج، وأشرف على العمل، ولم أتخلَّ عن مسؤوليتي.

أكبرتُ ذلك منه، واتهمت نفسي. 

قلت في داخلي: كم من صحيح الجسد مقصر الهمة، وكم من مبتلى مبادر معطاء! ليست العافية دائمًا في سلامة البدن؛ فقد يكون الجسد صحيحًا والهمة مشلولة، وقد يضعف البدن وتبقى الروح متقدة.

أما الثاني، فقد اجتهد في العلاج، وتحسن قليلًا بفضل الله ثم بالعلاج الطبيعي. وكان لديه مشروع تعليمي عالمي، له صيت وحضور في عدد من البلدان. 

سألته عن عمله بعد ما أصابه، فقال إن السيارة تنقله يوميًا بعد برنامج العلاج الطبيعي إلى المكتب، ومن هناك يتابع المشاريع، وينسق المؤتمرات، ويرتب البرامج والمحاضرات.

ورغم ما أصاب كلامه من صعوبة، كانت قوة الحماس والإيمان بمشروعه أكبر من أثر المرض. كأن عزيمته كانت تتكلم عنه حين يعجز لسانه، فاستمر مقدامًا، مكافحًا، باذلًا.

 لقد علّمني هذان الرجلان أن البلاء لا  يوقف الإنسان دائمًا، وإنما يكشف معدنه. وأن بعض الناس إذا ضاقت بهم الأجساد اتسعت أرواحهم، وإذا تعطلت منهم الجوارح نهضت منهم الهمم.

إن العمل الصالح يحتاج إلى قلب حي، وصدق مع الله، وإحساس عميق بالواجب. 

فكم من معافى يعيش على هامش الحياة، وكم من مبتلى صار ببلائه شاهدًا على معنى العزيمة والرضا والبذل.

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

وقفات مع آيات (31).. القصص القرآني، وروايات البشر

 وقفات مع آيات (31).. القصص القرآني، وروايات البشر


منذ الصغر كنت محبًا للقراءة القصصية بمختلف ألوانها؛ من القصص القصيرة في المجلات، إلى القصص المطولة والروايات، عربية كانت أو مترجمة. وقد أبحرت زمنًا في هذا العالم، حتى إن بعض الروايات العالمية الشهيرة قرأتها أكثر من مرة، لما وجدته فيها من متعة السرد، واتساع الخيال، والقدرة على نقل الإنسان إلى عوالم وتجارب لم يعشها بنفسه.

وكان لي صاحب من طلبة العلم الفضلاء، لا يكاد يفارق كتب العقيدة خاصة، والكتب الشرعية عامة. فألححت عليه يومًا أن يقرأ رواية تركية ملحمية ذات طابع تاريخي. فأبى أول الأمر، ثم لم أزل به حتى وافق على أن يجرب. 

فما إن تجاوز صفحاتها الأولى حتى اندمج فيها اندماجًا شديدًا، وأخذ يقرأها بنهم ظاهر، حتى أتمها في وقت وجيز، ثم عاد يسألني: أتعرف شيئًا يشبهها؟

قلت له: إن في القصص فوائد كثيرة، لكنه ليس سواءً في أثره وقيمته؛ فالعبرة ليست بمجرد وجود القصة، بل بنوعها، ومادتها، ولغتها، ورسالتها، وما تحمله من قيم ومعانٍ، وما تضيفه إلى الإنسان من سعة في الفهم، وعمق في التجربة. 

فالقصص الجيد قد يوسع الأفق، ويقوي الخيال، ويرقق الإحساس، ويمنح الإنسان خبرة مركبة بالحياة والناس.

أما قصص القرآن فقد عشت معها زمنًا طويلًا، وكان وقوفي الأطول عند قصتي موسى ويوسف عليهما السلام.

أما يوسف عليه السلام، فكنت كلما قرأت قصته شعرت كأنني أقرؤها للمرة الأولى، على الرغم من أن أحداثها محفوظة في الذهن، وسياقها معلوم، ومشاهدها مألوفة.

غير أن القرآن يجعل المألوف جديدًا، والمعنى المتكرر متجددًا؛ حتى إن القصة الواحدة تنفتح للقارئ في كل قراءة على ظلال لم يكن قد انتبه إليها، وعلى أسرار في التعبير، وحسن في السبك، وعمق في التصوير، يجعله يعيش الحدث كأنه يقع أمامه الساعة.

وأما قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، وما حفّ بها من مواقف متلاحقة، وتحولات متتابعة، وصور شتى من الدعوة والمكابرة والنجاة والتمرد والابتلاء، فقد كانت تبهرني على نحو خاص.

فهي ليست قصة واحدة بالمعنى الضيق، بل عالم كامل من المشاهد والدروس؛ فيها من معالجة النفس البشرية، وكشف طبائع الجماعات، وبيان أثر القيادة، وفضح الاستعلاء والطغيان، وتصوير تقلب الناس بين الخوف والطمع، والطاعة والعصيان، ما يجعلها من أغنى القصص القرآني مادةً للتأمل والتحليل.

وكنت كلما قارنت بين الآيات التي تعرض الحدث نفسه بصيغ متعددة، وسياقات مختلفة، ازددت دهشة من هذا التنوع المذهل في البيان القرآني؛ حتى يبدو الحدث في كل موضع كأنه يولد من جديد.

فتكرار عرض الحدث في القرآن ليس إعادةً مجردة، بل إغناء للمعنى، وتوزيع محكم للدلالة بحسب مقتضى المقام، وحال المخاطبين، والغرض الذي سيقت له الآيات.

وهذه خاصية تكاد لا توجد في القصص والروايات البشرية؛ لأن القصة البشرية، مهما بلغت من الإحكام، كثيرًا ما تفقد شيئًا من دهشتها بعد تكرر القراءة، وتخبو جاذبيتها بعد انكشاف بنيتها. أما القصة القرآنية فلا تنفد؛ لأنها ليست سردًا يُستهلك، بل هداية تتجدد، وعطاء رباني يزداد صفاء كلما عاد إليه القلب.

ولذلك عندما تقرأ قصص القرآن لا تخرج منه بمجرد معرفة الحادثة، بل بمعرفة أعمق بالله، وبسننه في خلقه، وبالنفس البشرية وأحوالها وتقلباتها.

فالقصص القرآني يربي العقل على النظر، ويوقظ القلب إلى العبرة، ويهذب نظرة الإنسان إلى الحياة والنفس والمجتمع، ويكشف سنن الله في النهوض والسقوط، والنجاة والهلاك.