الأحد، 30 أغسطس 2026

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة
 






محمد جمال عرفه..
كاتب صحفي ومحلل سياسي

لما حضرتك تستسهل وتروح تبحث عن (مجازر غزة) أو (إبادة غزة) على مواقع الذكاء الصناعي خصوصا الموقع الأميركي (تشات جي بي تي) وتنقل هذه المعلومات عنه كما هي سوف تكتشف أن إسرائيل – وليس جي بي تي- ضحكت عليه.. كيف؟!

الصهاينة لم يكتفوا بتمويل حملات دعاية ضمن ما يُسمى عندهم بالعبرية (الهاسبارا) ولكنه يحاولون بكل طريقة ممكن التدخل في الذكاء الصناعي وتلقينه معلومات مزيفة عن مجزرة غزة تتضمن روايتها هي لما جرى.. يعني تروي لك أن (إرهابيين) من حماس هاجموا إسرائيل وقتلوا (أطفال رضع) وأحرقوهم و(اغتصبوا) الإسرائيليات وكل هذه معلومات كاذبة غير صحيحة ليبرروا في النهاية أنهم (دافعوا) عن أنفسهم وذهبوا غزة ليقتلوا (الإرهابيين)!!

الجديد الذي تحدثت عنه صحف “الجارديان” البريطانية و”يديعوت احرونوت” الإسرائيلية هو أنه لمزيد من اقناع جمهور “تشات دي بي تي” بأن ما ينشرونه (حقيقي) وليس (مزيف) هو أنه وصل بهم الفُجر لحد اختلاق وفبركة معهد أبحاث أوروبي وهمي سموه (معهد هانوفر للسياسات العامة) ومولوه كي ينتج مواد يتم تغذية الذكاء الصناعي بها للتلاعب بمعلوماته وتبرئتها من مجازر غزة؟

الدولة الصهيونية قامت بهندسة روايتها لمجازر غزة داخل “تشات جي بي تي” عبر مركز الأبحاث الوهمي هذا لدرجة أن معهد “هانوفر” الوهمي نشر 124 تقريرا و560 ألف كلمة تتضمن معلومات مفبركة عن العدوان على غزة في 9 أيام بهدف السيطرة على إجابات الذكاء الاصطناعي حين تدخل حضرتك وتسأل جي بي تي مثلا عن غزة بحسن نية!!

انتبهوا وخدوا بالكم.. حتى “الغراب” يقف فوق علم إسرائيل لينبهكم.

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟




حلمي الأسمر
"الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه"

سؤال يقلب الموازين: لماذا يظل مستخدم "فيسبوك" في القاهرة أو عمّان يظن أنه "يتواصل" بينما بياناته تُستخدم لتحديد أهداف الطائرات الإسرائيلية؟

الإجابة
ليست في غرفة مظلمة، بل في تاريخ الإنترنت ذاته، وفي عقود من التمويل العسكري، وفي صفقات سرية كشفت عنها وثائق سنودن واعترافات رؤساء شركات مثل "أوراكل". 
الحقيقة أن ما نحمله في جيوبنا ليس مجرد هاتف، بل هو محطة استشعار متنقلة في شبكة حرب عالمية، تصميمها الأساسي لم يكن للتواصل الإنساني، بل للبقاء بعد النووي ولمراقبة البشرية جمعاء.

المولد العسكري للإنترنت: لم تكن "هدية مجانية"

قبل أن يصبح الإنترنت تطبيقات وأسهماً في البورصة، كان مشروع "أربانت" الذي مولته وكالة "داربا" (ذراع البحث العسكري في البنتاغون). كان الهدف الوحيد: إنشاء شبكة اتصالات لا تتعطل حتى لو ضربت صواريخ نووية بعض مراكزها. التقنية التي نستخدمها الآن ولدت في مختبرات الحرب الباردة، ولم تولد في مرائب السيليكون فالي.

كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي

ما معنى ذلك؟
معناه أن الشيفرة الأساسية التي تشغّل كل تطبيق، وبروتوكولات نقل البيانات، وأنظمة التوجيه، جميعها مملوكة فكرياً للجيش الأمريكي، ولم تُمنح للقطاع الخاص مجاناً، بل بيعت له مقابل صفقة واحدة: الوصول المستمر إلى كل بيانات المستخدمين حول العالم. هذا ليس "نظرية مؤامرة"، بل هو النموذج التشغيلي الموثق في عقود "بريزم" و"إكس كي سكور" وغيرها!!

من "بريزم" إلى "مينتا": العلاقة العضوية بين وادي السيليكون وغرف العمليات

عندما كشف إدوارد سنودن في 2013 عن برنامج "بريزم"، أوضح أن شركات مثل جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل وياهو كانت تزوّد وكالة الأمن القومي ببيانات مستخدميها بشكل منهجي. لم يكن ذلك "انتهاكاً"، بل كان امتثالاً لقوانين فيدرالية تُلزم هذه الشركات، لأنها في الأساس بنية تحتية وطنية للولايات المتحدة.

السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ 
تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي:

- مشروع "نيمبوس" (غوغل وأمازون) زوّد الحكومة الإسرائيلية بسحابة رقمية عملاقة، تستخدم الآن لتخزين وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة والاستهداف.

- مشروع "مينتا" السري بين أوراكل وسلاح الجو الإسرائيلي، وهو المشروع الذي اعترفت رئيستها التنفيذية السابقة "صفرا كاتز" بأنه وفّر تكنولوجيا "مخيفة بشكل عميق" للجيش، ورأت فيه موظفيها بالزي العسكري في غرفة عمليات "الكرياه (مبنى وزارة الدفاع) بتل أبيب، ووصفته بـ"أكثر لحظات حياتها فخراً".

الربط هنا لا يحتاج إلى تأويل: البنية السحابية ذاتها التي تدير تطبيقاتك، وتُخزّن صورك، وتحلل تفضيلاتك، هي ذاتها التي تُستخدم الآن لتحليل خرائط التموضع في غزة، وتحديد أنماط الحركة، وتسريع قرارات القصف. أنت عندما تفتح "جوجل ماب" تُعلّم الخوارزميات كيف تقرأ المدن، وهذا التعليم يُعاد استخدامه عسكرياً!

الفلسطيني يموت مرتين: مرة بالقنبلة، ومرة بالبيانات

الحرب على غزة والإبادة الجماعية المستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالتوافق مع "هندسة التجويع" لم تكن مجرد قنابل، بل كانت معركة خوارزميات. الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" و"غوسبلي" لتوليد أهداف من بين مئات الآلاف من عناوين الهواتف المحمولة، بناءً على أنماط سلوكية رقمية تُجمّع من السحابة. البيانات التي تضعها عن نفسك عن غير قصد تُترجم إلى "اشتباه" قد يتحول إلى نقطة حمراء على شاشة طيار مسيّر.

وهنا تكشف المفارقة العربية الأكثر مرارة: المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً.

من يملك السحابة يملك القرار: درس الصين الذي لم نتعلمه

الصين التي اتهمت بـ"الرقابة" كانت تفعل شيئاً أعمق: كانت تفك الارتباط ببنية تحتية معادية. أنشأت نظامها الملاحي "بي دي إس" بدل "جي بي إس"، وطورت منصاتها السحابية والذكاء الاصطناعي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ليس لأنها تخاف من التجسس فقط، بل لأنها أدركت أن السيادة الرقمية هي السيادة السياسية.

على النقيض، تفتح الدول العربية اليوم أحضانها لأوراكل وأمازون لبناء "مدن ذكية"، وتسليمها مفاتيح بيانات مواطنيها، بينما توقّع هذه الشركات في الوقت نفسه عقوداً عسكرية مع الكيان الصهيوني. لا يمكن أن تكون "شريكاً مدنياً" في القدس و"شريكاً عسكرياً" في تل أبيب بنفس الوقت، دون أن يكون ضميرك ميتاً، أو دون أن تكون فلسفتك في التنمية هي مجرد استهلاك!

ماذا نفعل؟ بين المقاطعة والبناء

هذه ليست دعوة لكسر الهاتف، فهذا لن يغيّر شيئاً. الدعوة هي:

أولا: وعي مؤسسي: على الحكومات العربية أن تدرك أن استضافة السحابة على أراضيها لا تعني السيادة عليها، السيادة تعني القدرة على تشغيل الأنظمة الحيوية دون الرجوع إلى مزود خارجي.

ثانيا: بدائل عربية مفتوحة المصدر: دعم النظم العربية الناشئة التي تطور بدائل للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، حتى ولو كان حجمها صغيراً، لأن البدايات الصغيرة هي التي تنمو.

ثالثا: ضغط مدني منظم: طرح أسئلة واضحة على الشركات العاملة في المنطقة: هل تبرم عقوداً عسكرية مع إسرائيل؟ هل تسمح باستخدام بنيتها في عمليات استهداف؟ ماذا تفعل لمنع ذلك؟

المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً

رابعا: إعادة تعريف العلاقة الشخصية: ليس إلغاء الهاتف، بل تقليل التسريب الطوعي. إيقاف الإشعارات ليس فقط للراحة النفسية، بل تقليل نقاط البيانات التي تمنحها للخوارزميات، ولو استطعت أن تحذف تطبيقات ما يسمى "التواصل الاجتماعي" من هاتفك وإبقائها على جهاز الحاسوب، فهذا أفضل، لأنك بهذا تمنع تدفق المعلومات لمن يرصدك وفي "الوقت الفعلي" ولمن يستعمل حركاتك وسكناتك لتغذية بنك معلوماته!!

الخلاصة: الهاتف ليس بوابتك للعالم.. بل هو سلسلة البنتاغون حول عنقك

عنوان هذا المقال ليس استفزازياً بل وصفياً دقيقاً. البنتاغون هو الذي مول التقنية، ووضع شروطها، وفرض قوانينها، وأعاد توزيعها كامتيازات لشركات خاصة. وهذه الشركات هي التي تبيع الآن البنية ذاتها للعدوان الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وفي كل مكان. الهاتف الذي تلمسه كل صباح ليس أداة محايدة؛ إنه طرف في شبكة تجنيد إلكتروني.

غزة وفلسطين كلها، لم تتعرض للعدوان بالقنابل وحدها، بل لأن العالم العربي (أيضا) ظل مستهلكاً رقمياً، ولم يتحول يوماً إلى منتج للسيادة الرقمية. لذلك، كل نقرة على الشاشة، كل صورة تحملها، كل موقع تسجله، كل رسالة ترسلها، تتحول في الطرف الآخر إلى ذخيرة. فإما أن نعيد تعريف علاقتنا بهذه الأدوات، وإما أن نظل نُذبح مرتين: مرة بالحديد، ومرة بالسيليكون!

الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه. تحرير فلسطين يبدأ، اليوم، بتحرير بياناتنا من قبضة من يحاربنا بها!

النهاية التاريخية أمريكا تتعلم الدروس الخطأ في حرب إيران

 النهاية التاريخية

أمريكا تتعلم الدروس الخطأ في حرب إيران

مكّاوي الملك

حين ينجح الجيش في المعركة… وتتعثر السياسة في تحقيق الغاية
الحرب الأمريكية على إيران تدخل مرحلة مختلفة. وبعد أشهر من القتال، بدأت تظهر داخل الولايات المتحدة مراجعات لا تركز فقط على عدد الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي دُمّرت، بل على السؤال الأصعب:
هل كانت واشنطن تحاول تحقيق أهداف يمكن للقوة العسكرية وحدها إنجازها أصلاً؟
تحليل المؤرخ العسكري بريت ديفرو في Foreign Policy يضع الإصبع على نقطة شديدة الأهمية:
الولايات المتحدة أظهرت تفوقاً عسكرياً وتقنياً هائلاً، لكنها واجهت مشكلة استراتيجية أعمق؛ فقد طُلب من الجيش تحقيق أهداف تتجاوز ما تستطيع القوة الجوية وحدها ضمانه..
وهنا تبدأ القصة الحقيقية…
التفكيك | ماذا حققت أمريكا فعلاً؟
يجب أولاً الاعتراف بالجانب الآخر من الصورة..
الجيش الأمريكي تمكن من تنفيذ عملية عسكرية ضخمة على مسافة آلاف الكيلومترات من الأراضي الأمريكية، وفرض تفوقاً جوياً واسعاً، وضرب أهدافاً عسكرية ومنشآت حساسة داخل إيران..
هذه قدرة عسكرية استثنائية..
لكن التفوق في تنفيذ الضربة لا يعني بالضرورة تحقيق الغاية السياسية للحرب..
وهذه هي المفارقة التي بدأت تتضح:
أمريكا استطاعت الوصول إلى إيران… لكنها لم تستطع حتى الآن تحويل هذا التفوق العسكري إلى النتيجة الاستراتيجية التي أرادتها واشنطن..
ووفق التحليل المرفق ، يمكن اختزال المعضلة في ثلاث مهام رئيسية..
المهمة الأولى | إسقاط النظام الإيراني من الجو
هذه كانت أصعب المهام..
التاريخ العسكري الحديث يقدم سلسلة طويلة من الأمثلة التي توضح أن القصف الجوي يستطيع تدمير المدن والمنشآت والجيوش، لكنه يواجه حدوداً عندما يكون الهدف إسقاط نظام سياسي متجذر وإجبار مجتمع على التخلي عن قيادته.
ألمانيا النازية ألقت نحو 40 ألف طن من القنابل على بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تؤدِّ الغارات إلى استسلام البريطانيين..
والحلفاء ألقوا ملايين الأطنان من القنابل على ألمانيا، لكن النظام النازي لم يسقط نتيجة القصف وحده.
وفي فيتنام، استخدمت الولايات المتحدة قوة جوية هائلة، ومع ذلك انتهت الحرب دون تحقيق واشنطن هدفها السياسي.
والدرس هنا ليس أن القصف الجوي عديم الفائدة؛ بل العكس تماماً.
القوة الجوية تستطيع إضعاف الخصم بصورة هائلة، لكنها لا تضمن وحدها تغيير إرادته السياسية.
وهذا فرق جوهري بين تدمير القدرة العسكرية وتحقيق النصر السياسي.
المهمة الثانية | القضاء على الصواريخ والمسيرات
هنا تظهر مشكلة أكثر تعقيداً..
الأسلحة المتحركة والمخفية والمحصنة تحت الأرض تمثل واحداً من أصعب التحديات أمام القوة الجوية الحديثة.
التجربة الأمريكية ضد صواريخ V-1 وV-2 الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية قدمت درساً مبكراً: تستطيع الطائرات ضرب المنشآت المعروفة، لكن منصات الإطلاق المتحركة والمواقع المحصنة تستطيع الاستمرار.
وتكرر التحدي لاحقاً مع صواريخ سكود العراقية.
كما أثبتت تجارب إسرائيل في غزة ولبنان، والعمليات ضد الحوثيين في اليمن، أن التفوق الجوي لا يعني بالضرورة القدرة على إيقاف منظومة صاروخية بالكامل عندما تكون موزعة ومتحركة وقادرة على الاختباء وإعادة الانتشار.
وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الإيرانية:
المنظومة التي لا تحتاج إلى موقع ثابت تصبح أكثر صعوبة في التدمير من الجو.
يمكن ضرب منصة اليوم، لكن منصة أخرى قد تظهر غداً في مكان مختلف.
يمكن تدمير مصنع، لكن جزءاً من الإنتاج يمكن توزيعه وحمايته..
يمكن استهداف مخزن، لكن منظومة كاملة يصعب محوها بضربة واحدة.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد:هل تستطيع أمريكا ضرب الصواريخ الإيرانية؟
بالتأكيد تستطيع..
السؤال الأصعب هو :
هل تستطيع منع إيران من إنتاج وإطلاق ما يكفي من الصواريخ والمسيرات لمواصلة الحرب؟
وهنا تصبح المسألة استراتيجية أكثر منها تقنية..
المهمة الثالثة | أمن مضيق هرمز
المعضلة الثالثة تتجاوز إيران نفسها..مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه عقدة استراتيجية للطاقة والتجارة العالمية..
واشنطن تستطيع حماية بعض طرق الملاحة وفتح مسارات محدودة، لكن ضمان تدفق مستقر وآمن للطاقة في بيئة حرب مفتوحة يحتاج إلى قدرة بحرية وجوية واستخباراتية مستمرة، وإلى قدرة على التعامل مع الألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات غير المتناظرة..
وهنا تستطيع إيران أن تفرض على الولايات المتحدة معادلة مكلفة: حتى عندما لا تستطيع إغلاق المضيق بالكامل، تستطيع رفع تكلفة المرور فيه وخلق حالة من عدم اليقين حول أمن الملاحة..
وهذا وحده يتحول إلى سلاح اقتصادي..
ارتفاع التأمين..ارتفاع أسعار الطاقة..اضطراب الأسواق..ضغط على الحلفاء..وتكاليف عسكرية متزايدة لحماية خطوط الملاحة..
وهكذا تتحول الجغرافيا الإيرانية إلى عامل قوة استراتيجي..
أين يكمن الفشل الحقيقي؟ هنا نصل إلى أهم نقطة في القصة كلها..
المشكلة لا تبدو في أن الجيش الأمريكي فقد قدرته العسكرية..
المشكلة أن السياسة وضعت أمام الجيش أهدافاً يصعب تحويلها إلى نتيجة نهائية باستخدام القوة الجوية وحدها..
وهنا يظهر الفارق بين: النجاح التكتيكي
و النجاح الاستراتيجي..
يمكن أن تدمر مئات الأهداف وتحقق تفوقاً جوياً وتقتل قيادات عسكرية، ثم تجد نفسك في اليوم التالي أمام الدولة نفسها، والنظام نفسه، والقدرة على إنتاج الصواريخ مستمرة، والممرات البحرية تحت التهديد، والحرب لم تنتهِ..
وهذه هي أخطر نقطة في أي حرب :
أن تصبح الانتصارات العسكرية منفصلة عن الهدف السياسي الذي بدأت الحرب من أجله..
الدرس الذي قد تتعلمه واشنطن خطأ..
التحذير الأهم في تحليل ديفرو أن واشنطن قد تخرج من الحرب باستنتاج مختلف تماماً…
قد تقول:
نحتاج إلى ذخائر أكثر..دفاعات جوية أكثر..مخزونات صواريخ أكبرطائرات أكثر..قدرات مضادة للمسيّرات..كاسحات ألغام أكثر.
وهذه كلها دروس حقيقية ومهمة..
لكنها لا تجيب عن السؤال الأكبر:هل كانت المشكلة في نقص الأدوات، أم في طبيعة المهمة نفسها؟
إذا كان الاستنتاج الأمريكي هو أن الحرب فشلت لأن البنتاغون لم يمتلك ما يكفي من الذخائر والدفاعات، فقد تستعد الولايات المتحدة جيداً للحرب القادمة من الناحية التقنية، ثم تقع في المشكلة الاستراتيجية نفسها..
أما إذا أدركت أن امتلاك القوة شيء، ومعرفة متى وكيف ولماذا تستخدمها شيء آخر، فهنا يصبح فشل إيران درساً حقيقياً..
القيادة السياسية… الحلقة الأخطر
الجيش لا يضع وحده أهداف الحرب..
القيادة السياسية هي التي تحدد:
لماذا نحارب؟ ماذا نريد؟ ومتى نعتبر أنفسنا قد انتصرنا؟
وهنا تصبح مسؤولية البيت الأبيض أكبر من مسؤولية الطيار أو الجنرال الذي ينفذ المهمة..
إذا كانت الأهداف غير واقعية، فإن زيادة الضغط على الجيش لن تصنع النصر..
وإذا كانت القيادة لا تستمع إلى التحذيرات القادمة من المؤسسة العسكرية، فإن المشكلة تصبح أكبر من مجرد خطأ في التخطيط..
ولهذا فإن الجدل حول ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث والقيادات العسكرية ليس تفصيلاً هامشياً؛ لأنه يرتبط بسؤال جوهري:
هل كانت المؤسسة العسكرية قادرة على إيصال الأخبار السيئة إلى صاحب القرار قبل أن تتحول التحذيرات إلى واقع؟
وهذه مشكلة تاريخية في علاقة الجيوش بالسلطة السياسية: عندما يصبح الولاء أهم من القدرة على قول الحقيقة، قد تصل الدولة إلى الحرب وهي لا تسمع إلا ما تريد سماعه..
ما الذي تغيّر بعد أشهر من الحرب؟
الأهم أن الحرب أعادت تعريف المعادلة..
في البداية كان السؤال:
هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟
وأثبتت واشنطن أنها تستطيع..
ثم أصبح السؤال: هل تستطيع أمريكا إجبار إيران على تغيير سلوكها؟
وهنا أصبحت الإجابة أكثر تعقيداً..
ثم ظهر السؤال الأخطر: هل تستطيع واشنطن إنهاء الحرب بالشروط التي بدأت بها؟
وهنا تكمن العقدة..
لأن إنهاء الحرب يحتاج إلى شيء مختلف عن القوة النارية: يحتاج إلى نتيجة سياسية..
المفارقة الإيرانية
إيران دفعت ثمناً هائلاً .. خسرت قيادات ومنشآت وقدرات عسكرية فوق الارض ، وتعرضت لضربات لم تكن سهلة.. لكن معيار الحرب ليس حجم الخسائر وحده..
إذا بقي النظام قادراً على العمل، واستمرت قدرته على الرد، وحافظ على جزء من منظومته الصاروخية والمسيرة تحت الجبال ، واستطاع استخدام الجغرافيا والممرات البحرية لرفع تكلفة الحرب، فإن طهران تستطيع القول إنها نجت من الهدف الأكبر للحملة: إسقاط النظام وإنهاء قدرته على مواصلة الصراع..
وهنا تتحول الحرب من محاولة حسم سريع إلى اختبار للتحمل..
وفي حروب الاستنزاف، لا يفوز دائماً من يملك السلاح الأقوى..
أحياناً يفوز من يستطيع تحمل الحرب فترة أطول بتكلفة أقل..
الاستنتاج | السؤال لم يعد من يملك القوة الأكبر
هذه الحرب تكشف درساً أكبر من إيران نفسها..
أمريكا ما زالت تمتلك أعظم آلة عسكرية في العالم، لكن أعظم آلة عسكرية لا تستطيع وحدها أن تفرض نتيجة سياسية لا تتناسب مع طبيعة الحرب..
وهنا تحديداً يجب أن تنتبه واشنطن..
إذا خرجت من حرب إيران وهي تعتقد أن الحل كان يحتاج إلى مزيد من الطائرات والصواريخ والذخائر فقط، فقد تكون تعلمت الدرس الخطأ..
أما إذا خرجت وهي تدرك أن : التفوق العسكري يفتح الباب، لكنه لا يحدد وحده ما يوجد خلف الباب..
فقد تكون هذه الحرب قد قدمت لها أهم درس استراتيجي منذ عقود..لأن الحرب لا تُقاس بعدد الأهداف التي دُمّرت، وإنما بالمسافة التي قطعتها الدولة نحو الهدف الذي دخلت الحرب من أجله.
وهنا تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجاً لواشنطن:
قد تستطيع أمريكا أن تكسب السماء، وتدمر الأهداف، وتفرض تكلفة هائلة على خصمها…
ثم تكتشف أن السؤال الأصعب لم يكن:
كيف نضرب إيران؟؟
بل: كيف نجعل كل هذه القوة تنتج نهاية سياسية للحرب؟
وهذه هي المعركة التي لم تُحسم بعد..
صفحة مكّاوي الملك | Makkawi Elmalik
التحليل المرفق الولايات المتحدة تتعلم دروساً خاطئة في إيران لا يمكن للبراعة التكتيكية أن تنقذ من عدم الكفاءة الاستراتيجية. بقلم بريت ديفيرو ، مؤرخ متخصص في الاقتصاد الروماني والجيش.

ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

 ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لا أبالغ إذا قلت إن ما يجري في الضفة الغربية منذ عدة أسابيع من عدوان وحرب منظمة تشنها مليشيات المستوطنين وقطعانهم على قرى وبلدات الضفة الغربية يعيد إلى الأذهان عمليات المليشيات والعصابات الصهيونية المسلحة التي شنتها ضد القرى الفلسطينية عشية النكبة الفلسطينية قبل زهاء ثمانين عاما، والتي نتج عنها أكبر عملية تطهير عرقي في الأراضي الفلسطينية، ما زال بسببها أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مشتتا في أنحاء العالم حتى اليوم. إلى هذه الدرجة تصل وحشية وخطورة ما يجري في الضفة الغربية اليوم.

مع تصاعد الغضب العالمي لما يجري، اضطر بنيامين نتنياهو أمس إلى إدانة ما سماه "أعمال العنف الإجرامية التي ارتكبها عدد قليل من مثيري الشغب" في قريتي قصرة وجالود في الضفة الغربية، وكذلك خرج السفير الأمريكي في إسرائيل القس مايك هاكابي أيضا بتصريح مماثل يقول فيه إن "نصف مليون إسرائيلي في الضفة مشمئزون من مجموعة مشاغبين يوصفون خطأ بالمستوطنين".

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948، حين أصدر بيانا باسم الوكالة تبرأ فيه من الإرغون واعتبر أن المجزرة "عمل وحشي ومخز لا يتفق مع روح الشعب اليهودي وتقاليده وتطلعاته"، ليتبين في النهاية أن المجزرة كانت جزءا من الخطة (د) التي أقرها بن غوريون نفسه.

لتدور الأيام، وتصبح منظمة إرغون التي صنفت إرهابية في ذلك الوقت مؤسسة رسمية، بل وتدخل الانتخابات ويفوز زعيمها "مناحيم بيغن" برئاسة حكومة إسرائيل، ثم يتبجح رئيس الوزراء بيغن لاحقا بالمجزرة بقوله:

 "إن المذبحة لم تكن مبررة فحسب، بل ما كانت دولة إسرائيل لتوجد لولا النصر في دير ياسين".

إعلان

هكذا تلعب إسرائيل لعبة "الشرطي الجيد والشرطي السيئ"، فعندما يتعلق الأمر بالمستوطنين، لا يمكن أن يقال إن الإرهاب الذي يحدث حاليا في الضفة الغربية يقوم به بضعة "مشاغبين"، ولا أنه "لا يمثل" فئة المستوطنين في الضفة، وكأن هؤلاء حمائم سلام جاءت لتعيش في مستوطنات الضفة الغربية لتصنع "السلام" مع سكان الأرض الأصليين لا لتستأصلهم من أرضهم بأي ثمن.

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة.

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948

إن ما يجري الآن في بلدتي قصرة وجالود وقبلهما في يتما وحوارة وترمسعيا والقرى الأخرى في الضفة الغربية، ليست أحداثا معزولة، بل إن قراءة شاملة لمساحة الاعتداءات وبؤر التوحش الاستيطانية في الضفة تثبت أن الأمر أعمق من ذلك، وأنه مخطط شامل يشبه الخطة (د) التي أفضت في النهاية -مع الصمت العالمي- إلى عملية التطهير العرقي الكبرى ضد الشعب الفلسطيني عشية النكبة.

لاستيعاب ذلك ينبغي أن نقرأ خريطة الضفة ككل: إذ تمتد الضفة الغربية على مساحة 5660 كيلومترا مربعا (شاملة شرقي القدس)، من جنين شمالا حتى قرى جنوب الخليل جنوبا، ومن نهر الأردن شرقا حتى شريط طولكرم-قلقيلية غربا، الذي لا يبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط أكثر من حوالي 10 كيلومترات هوائية فقط، وهذه المساحة يسكنها اليوم حوالي 3.43 ملايين فلسطيني.

ومنذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، بدأت مباشرة في عملية الاستيطان فيها، حيث بدأت بناء أول مستوطنة في الضفة في سبتمبر/أيلول بعد ثلاثة أشهر فقط من الحرب، وهي مستوطنة "كفار عصيون" جنوب بيت لحم.

وانتشرت المستوطنات منذ ذلك الوقت لتتحول اليوم إلى كتلة حقيقية يصل نفوذها الأمني والعمراني والهيكلي إلى حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية، ويسكنها أكثر من 540 ألف مستوطن، إضافة إلى حوالي 230 ألف مستوطن في شرقي القدس وحدها.

ويتوزع هؤلاء على ثلاث كتل استيطانية رئيسية هي: كتلة مستوطنات نابلس في شمال الضفة، وأكبرها مستوطنة "أرئيل" التي صنفتها إسرائيل مدينة، وكتلة مستوطنات رام الله في وسطها، وأكبرها مستوطنة "موديعين"، وكتلة مستوطنات الخليل في جنوب الضفة، وأكبرها تكتل "غوش عصيون" الاستيطاني.

وبلغ عدد المستوطنات الرسمية التي أقامتها الحكومة الإسرائيلية بالفعل 146 مستوطنة، إضافة إلى 104 مستوطنات أقرت الحكومة الحالية بناءها في الضفة منذ عام 2022، لكن هناك بالمقابل أكثر من 390 بؤرة استيطانية أقامتها مجموعات المستوطنين المتطرفين الذين يقومون اليوم بعمليات الإرهاب ضد السكان في الضفة.

والبؤر الاستيطانية هي بؤر توحش حقيقية تقيمها مليشيات مختلفة، أشهرها "فتية التلال" و"نحالاه" و"أمانا"، وهذه الجماعات هي التي يحاول اليوم نتنياهو وهاكابي التبرؤ منها واعتبارها مجرد "مشاغبين".

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة

هؤلاء الذين يسميهم نتنياهو "مشاغبين" ليسوا مجرد مجموعات صغيرة معزولة، بل إنهم جماعات قوية مسلحة، يرأسها عدد من أشد المتطرفين عنفا، وبرعاية حكومية كاملة. فشخص مثل زئيف حيفر، زعيم منظمة "أمانا"، يعتبر أهم شخصية غير حكومية في بناء المستوطنات والبؤر نفسها، حيث تعتبر حركته "أمانا" الذراع التاريخية الكبرى لتطوير المستوطنات المرتبطة بحركة غوش إيمونيم (جماعة الإيمان) الدينية المتطرفة.

إعلان

ووصفها تقرير رسمي للخارجية الأمريكية في 2024 بأنها أكبر منظمة تعمل في تطوير المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير الرسمية في الضفة الغربية، ومنظمته أسست عشرات البؤر على أراض فلسطينية.

وهذا الشخص نفسه كان عضوا في "التنظيم اليهودي السري" الذي أدين في ثمانينيات القرن العشرين بمحاولة تفجير قبة الصخرة المشرفة لإنشاء المعبد المزعوم مكانها، وقضى فترة في السجن. ثم تحول لاحقا إلى أحد أكثر الأشخاص نفوذا في المؤسسة الاستيطانية، حيث يملك شبكة علاقات واسعة داخل الحكومة والجيش والإدارة المدنية، وأدار شركات وهيئات مرتبطة بإنشاء البؤر الاستيطانية.

كما أنه مهندس فكرة "المزارع الرعوية" التي يهاجم فيها المستوطنون جنوب الضفة الغربية، مزارع الفلاحين الفلسطينيين وتجمعاتهم ويطردونهم بحجة إقامة مزارع ومناطق رعي أغنام خاصة بالمستوطنين، ويتباهى حيفر بأن فكرة مزارعه الرعوية باتت تسيطر على مساحة من الأراضي تبلغ 2.5 ضعف المساحة العمرانية لجميع المستوطنات مجتمعة في الضفة الغربية.

أما دانييلا فاييس، فهي شخصية باتت معروفة إعلاميا بجهودها في محاولة العودة لاستيطان قطاع غزة بالذات، ولها أيضا جهود كبيرة في الضفة من خلال حركتها "نحالاه" التي تدفع باتجاه إقامة تجمعات وبؤر جديدة هناك، وهي كانت أيضا عضوا في حركة غوش إيمونيم الدينية المتطرفة.

وكذلك يعمل رؤساء مجالس المستوطنات من أمثال يوسي داغان رئيس ما يسمى "المجلس الإقليمي في السامرة" لمستوطنات شمال الضفة، والذي يرعى عمليات الترهيب والاستيطان شمال الضفة، ويسرائيل غانتس رئيس ما يسمى "مجلس ماتيه بنيامين" ورئيس "مجلس يشع" الذي أصبح الهيئة المظلية الممثلة لجميع المستوطنات لدى حكومة الاحتلال.

الضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات

وأما جماعات فتية التلال الإرهابية، فترأسها شخصيات شديدة التطرف الديني، ولعل من أخطر هذه الشخصيات إليشاع يريد، أحد قادة مليشيا "فتية التلال" وجماعة "تدفيع الثمن" المتورطة في إحراق منازل ومركبات الفلسطينيين وخاصة في قرية المغير، وكذلك مائير إيتتينغر، حفيد الحاخام المتطرف مائير كاهانا مؤسس منظمة "كاخ" الإرهابية، وكذلك بنتسيون غوبشتاين مؤسس وزعيم منظمة "لاهافا" المتطرفة، وهذا الأخير كان أيضا تلميذا للحاخام كاهانا.

هذه الشخصيات تسترشد برؤية الحاخام مائير كاهانا الذي يعتبر أحد الأسس التي تقوم عليها أفكار تيار الصهيونية الدينية اليوم في إسرائيل. حيث كان يرى ضرورة طرد الفلسطينيين بالقوة، وهذا هو شعار منظمته "كاخ" أي (هكذا) مع شعار البندقية. وهي مجموعات ترى في نفسها رسلا للرب ويد الله العظمى في الأرض، وهذا ما صرحت به أكثر من مرة دانييلا فاييس نفسها.

والضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات.

فإذا ذهبنا إلى المستوى الرسمي الإسرائيلي، نجد هذه الشخصيات مرتبطة بشكل كامل تقريبا بالوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. فالأول مسؤول عن تمويل هذه الجماعات عبر تمرير مبالغ طائلة للاستيطان من خلال وزارة المالية التي يقف على رأسها، والأخير هو المسؤول الأول عن تسليح هذه الجماعات عبر إعلانه توزيع أكثر من 300 ألف قطعة سلاح على المستوطنين في الضفة الغربية دون أي قيود.

وهو ما يعني بالضرورة ارتباط هذه الشخصيات ذات الرؤية الدينية المشتركة ببعضها في تكامل واضح بين الرسمي وغير الرسمي في إسرائيل.

هذه الحقائق كلها تجعل كلام نتنياهو وهاكابي كلاما في الهواء، إذ إن نتنياهو يرى نفسه في مهمة مقدسة لتنفيذ رؤية "أرض الميعاد" كما صرح هو في الإعلام، وهاكابي يرى نفسه في مهمة إلهية لتنفيذ "رؤية الرب" في تفريغ هذه الأرض من سكانها لصالح من يرون أنفسهم "شعب الله"، وهو من أعلن أن الضفة الغربية لا بد أن تسمى "يهودا والسامرة".

حيث صرح عام 2017 بوضوح " لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية؛ إنها يهودا والسامرة، ولا يوجد شيء اسمه مستوطنات؛ إنها مجتمعات وأحياء ومدن، ولا يوجد شيء اسمه احتلال".

ولا أخطر على العالم من وحشية نرجسيين يرون أنفسهم ممثلين لله في الأرض لا يخطئون ولا يناقشون، فهذه وصفة للكارثة كما أثبت التاريخ دائما.

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

كاتب وصحفي سوداني.

يثار جدل كثيف خلال السنوات الماضية وحتى اليوم، حول مولد ومنبت ومراحل تطور مليشيا الدعم السريع وعلاقتها بالإسلاميين أفرادا وجماعات وتنظيما، ولم ينكر الإسلاميون أبوتهم حتى اكتسبت "الدعم السريع" بعد حين صفة الابن العاق، مع محاولات يائسة من قيادة "الدعم السريع" عقب أبريل/نيسان 2019 للتبرؤ من جيناتها المحورة، وإنكار ذلك الجينوم الذي يربطها بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية وعهد الرئيس عمر حسن البشير.

بسبب الحرب التي اندلعت في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش في 15 أبريل/ نيسان 2023 وتداعياتها ودعايتها، تحاول المليشيا المتمردة، بناء مبررات حربها بأن من أهدافها القضاء على "الحركة الإسلامية"، وما يسمى بفلول النظام السابق، وبُنيت هذه الدعاية على كذبة كبرى، وتضليل لطمس الحقائق والقفز فوقها والتعلق بحبال التدليس، إذ بقيت صلة الدعم السريع بالإسلاميين كالوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها الأيام، ولا الحرب وأهوالها.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003 في إقليم دارفور.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013

وكان الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد "بطن من قبيلة الرزيقات"، هو قائد هذه القوة التي قاتلت مع الجيش ضد المتمردين آنذاك، وجلها من القبائل العربية، ولم يكن "حميدتي" وقتذاك شيئا مذكورا سوى أنه أحد ضباط الصف يتبع لموسى هلال.

تمرد "حميدتي"؛ بسبب خلافه مع الشيخ موسى هلال في نهاية عام 2006، وحاول عقد تحالف مع متمردي حركة "العدل والمساواة" في لقاء مشهور بالعاصمة التشادية نجامينا بحضور الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، لكن سرعان ما عملت الحكومة السودانية على احتوائه مرة أخرى وإرجاعه للعمل مع الجيش، وتكليفه بمهام محدودة في مناطق جنوب دارفور، ثم أفردت له حكومة الرئيس البشير منصبا حكوميا في ولاية جنوب دارفور بتعيينه مستشارا بدرجة معتمد.

وعندما حُلت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال في خواتيم عام 2009، وتزامن مع ذلك الوقت حدوث تغييرات في أجهزة الدولة قضت بذهاب صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات من موقعه، وبدأ مزاولة أعمال تجارية خاصة منها تصدير الماشية إلى مصر، استعان قوش بـ"حميدتي" في شراء الأبقار وحراستها من مناطق دارفور حتى نقاط التصدير على الحدود المصرية، ووجد "حميدتي" منفذا تجاريا محدودا مع شركات ومؤسسات تتبع للجيش وجهاز المخابرات، لكن سرعان ما طواه النسيان.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013، فقرر الرئيس البشير تكوين قوات جديدة على غرار قوات "حرس الحدود".

وتم الاتصال بالشيخ موسى هلال لكنه اعتذر عن عدم قيادتها وكان حانقا وغاضبا من تجربته السابقة. وقد استعان البشير ببعض مساعديه العسكريين، فقام أحدهم وهو الفريق أول عوض بن عوف الذي تولى حكم السودان لـ24 ساعة فقط من 11-12 أبريل/نيسان 2019، باقتراح الشقيقين محمد وعبد الرحيم حمدان دقلو، وأصدر البشير قرارا بتكوين هذه القوات في أبريل/نيسان 2013.

تم تكليف "حميدتي" بعد التكوين بجمع وتجنيد 5 آلاف من أبناء القبائل العربية بدارفور، وخصصت له 60 عربة قتالية، وحدث خلاف حول تبعية القوات، برفض هيئة أركان القوات المسلحة وأعضاء من اللجنة العسكرية السابقة التي قامت بحل وتصفية قوات "حرس الحدود" تتبيع هذه القوات للجيش، وكحل وسط أُلحقت قوات  "الدعم السريع" بجهاز الأمن والمخابرات، ومنح "حميدتي" رتبة العميد كقائد ثان، وشقيقه الأكبر عبد الرحيم رتبة المقدم، مع العلم أن كليهما في قوات "حرس الحدود" كانا في رتبة "صف ضابط" رقيب أول ورقيب.

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية

بدأ تشغيل القوات الجديدة وتنسيق عملياتها مع الجيش في دارفور وجنوب كردفان، وحدثت تجاوزات كثيرة منها مشكلة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان عندما طرد الوالي آنذاك مولانا أحمد هارون "الدعم السريع" من ولايته، ولم تكن بيئة العمل في شمال وجنوب كردفان تناسب "الدعم السريع"، لذلك فشلت مهمتها، وتقرر انتداب ضباط من الجيش والمخابرات لتنظيم هياكل "الدعم السريع"، وتنسيق العمليات العسكرية ضد الحركات المتمردة آنذاك.

في هذا الوقت كانت العناصر المنتدبة للعمل في صفوف "الدعم السريع" من القوات المسلحة أو جهاز الأمن والمخابرات تحوز ثقة قيادة الدولة، بينما الكوادر الملتزمة من الإسلاميين تواجدت في كل الشركات والمؤسسات المدنية التي بناها "حميدتي" وأشقاؤه، وحرصت قيادة "الدعم السريع" على استشارة قيادة نظام الإنقاذ في كل البرامج، وكانت هناك سيطرة للرئيس البشير على هذه القوات تأتمر بأمره، وتتبع مباشرة لمكتبه.

وصل لقيادة شركة "الجنيد" أهم شركات "حميدتي" وذراعه المالي، أحد أهم الكوادر الإسلامية التي تعمل في المجال الأمني، وصار مديرا عاما، وكذلك كوادر أخرى توزعت على شركات الطرق والجسور والتجارة العامة والتعدين التي تتبع لـ"الجنيد"، بحلول عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه قانون "الدعم السريع" من البرلمان في أبريل/نيسان 2017، وكان لفيف من الإسلاميين قد سيطر على مفاصل "الدعم السريع" العسكرية والمدنية واستثماراتها.

بذهاب طه عثمان من مكتب الرئيس البشير فقدت "الدعم السريع" أكبر داعم لها، لكن شبكة هائلة من العلاقات الناشئة عوضت ذلك الفقدان، بيد أن طه لعب دورا أخطر في الخارج. وعمل "حميدتي" وشقيقه وعدد من أفراد الأسرة بعد أن مُنحوا مقعدا وزاريا سبقه تخصيص مقعد برلماني لعمه (جمعة دقلو) في البرلمان، على تمتين علاقاتهم مع الإسلاميين في مختلف المستويات، والاستفادة من الكادر المدرب والمؤهل لبناء الإمبراطورية المالية، وزيادة النفوذ السياسي، ونالوا جميعا عضوية المؤتمر الوطني، وحاول "حميدتي" وشقيقه التوسل عدة مرات لقيادة المؤتمر الوطني بقبولهما وتعيينهما قياديين في الأجهزة العليا للحزب ففشل المسعى.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية خلال عذريته السلطوية، قبل أن تأتيه الإملاءات الخارجية بالتخلص من بعضهم، ومن المتواجدين في الجيش والأجهزة الأمنية. كما زادت قوات الدعم السريع من 20 ألف جندي في عهد البشير، إلى ما يقارب 40 ألفا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعندما أُلغيت المادة (5) من قانون "الدعم السريع"، سارع "حميدتي" إلى التوسع الأفقي والرأسي باستيعاب ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات المفصولين من الخدمة، وبلغ عدد ضباط الجيش المستوعبين غداة حرب 15 أبريل/نيسان 2023 ما يزيد على 480 ضابطا من مختلف الرتب، كما استوعب عنده عناصر من قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة، بعد حل الهيئة بضغط منه في عام 2019.

خلال أربع سنوات سبقت الحرب، فاق عدد القوات 200 ألف، وكان لـ"حميدتي" طاقم سياسي يعمل في قوات الدعم السريع (مستشارون-كبار موظفين)، جلهم من الولاة السابقين والمعتمدين والوزراء الولائيين السابقين، أكثريتهم من ولايات دارفور، وكان لديه كوادر لا حصر لها من البرلمانيين والتشريعيين الولائيين من عناصر نظام البشير.

وبحكم صلة القرابة والدم جمع حوله أهل المشورة الخاصة من "الإسلاميين"، ليديروا معه كل الملفات الخاصة والجوانب السياسية والعمل على استقطاب منظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والاجتماعية وزعماء القبائل والعشائر، وستجدهم في مكاتبه الخاصة ووفوده للتفاوض، ومن يحركون العمل العسكري والسياسي بعد الحرب.

ومن أبرز الإسلاميين المساندين لـ"الدعم السريع" من السياسيين، طه عثمان الحسين مدير مكتب البشير، حسبو محمد عبد الرحمن النائب الأول للرئيس البشير، بجانب قيادات دستورية سابقة يبلغ عددهم بضعة وثلاثين، من بينهم ولاة ووزراء ووزراء ولائيون ومعتمدون وبرلمانيون وأعضاء مجالس تشريعية، وأمناء ونواب أمناء بارزون في مستويات الحركة الإسلامية ومكاتبها التنظيمية والأمنية، في ولايات دارفور وكردفان، وكوادر شبابية وطلابية، منهم رؤساء اتحادات في الجامعات ومنظمات شعبية قومية.

ولعل أبرز القيادات التي التحقت بقوات"الدعم السريع" بعد تمردها زعماء القبائل، وخاصة الإسلاميين منهم، فناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو ظل عضوا في الجبهة الإسلامية القومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومحمد يعقوب ناظر الترجم هو من قدامى الإخوان المسلمين في دارفور، وكانت له صولات وجولات أيام الديمقراطية الثالثة وعهد الإنقاذ، واللواء محمد البشير موسى ناظر قبيلة السلامات، والأمير مسار عبد الرحمن أحد وجهاء قبيلة الرزيقات، وعند تصنيف كل الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور تجد 90% من داعمي المليشيا كانوا ملتزمين مع المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في عهد البشير.

أما الكوادر العسكرية فهم كثر وكانوا إما إسلاميين أو مسؤولين دستوريين في عهد البشير، وهم الآن في قمة هرم "الدعم السريع" العسكري أبرزهم الفريق عثمان عمليات، اللواء حسن محجوب مدير مكتب حميدتي، العميد عمر حمدان حماد، اللواء مبشر جبريل، موسى خدام، الفاتح قرشي، علي محمد دخرو، عبد الرزاق محمد علي، إبراهيم حسن مدلل، موسى حسين خميس، سليمان عبد الجبار، عبد الرحمن حسن الفوتي، لواء عبد الرحمن جمعة بارك الله، عادل دقلو -الوزير في عهد البشير- والبرلماني في عهد الإنقاذ جمعة دقلو عم حميدتي شقيق والده، والقائمة تطول من العسكريين.